«تيغوسيغالبا»، مدينة متواضعة في أميركا الوسطى، تلك المنطقة التي تحمل أحياناً وصف «شبه القارة»، لأنها تشكل همزة الوصل بين قارة أميركا الشمالية التي تضم كلاً من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ثم قارة أميركا الجنوبية التي تحمل وصف «اللاتينية»، آية على انتمائها في أغلب أجزائها إلى ثقافة ولغة الإسبان الذين سيطروا على القارة الجنوبية عقوداً طويلة.
الإسبان أنفسهم هم الذين أنشؤوا مدينة «تيغوسيغالبا» المذكورة أعلاه. وكان ذلك في عام 1524 للميلاد واتخذوها في ذلك الوقت مركزاً للتنقيب عن معدن «الفضة» الذي اشتهرت به قارة أميركا اللاتينية. وفي زماننا الراهن أصبحت المدينة عاصمة لجمهورية «هندوراس» التي تتوزع مساحتها ما بين مرتفعات الجبال وأغوار المستنقعات ثم ساحات الغابات مترامية الأطراف. ولكن بدلاً من أن يعود هذا التنوع الطبيعي بالخير على هذا البلد اللاتيني الصغير. إذا بأحدث المعلومات تأتي لتفيد بما أصبحت تعانيه «هندوراس»، وخاصة في إقليم الغابات ومنطقة «كوبن» على وجه الخصوص.
غابات «هندوراس» تضم نوعيات من أثمن أنواع الأشجار، ومنها بالذات ما يمثل أخشاب «الماهوغني» التي يتم استخدامها في أغراض شتى منها بالذات صناعة الأنواع الفاخرة من الأثاث.
ظلت غابات «هندوراس» موضع اهتمام من جانب المنظومات الدولية المعنية بحماية بيئة كوكب الأرض. حيث انصبت اهتمامات تلك الدوائر العالمية على حماية غابات «هندوراس» التي ما برحت تشكل مع شقيقاتها في أحواض الأمازون أو النيل أو الكونغو - رئة العالم الذي نعيش فيه بحكم ما يتصاعد فيها من انبعاثات الأوكسجين.
لكن مشكلة البلد اللاتيني الصغير أصبحت تتمثل كما تقول الكاتبة الأميركية إليزابيث مالكن في أن منطقة الغابات في «هندوراس» تحولت أخيراً، لتصبح ساحة موبوءة بارتكاب الجرائم وجنايات المجرمين. صحيح أن هناك قوانين رادعة أصدرتها الدوائر الحاكمة في العاصمة «تيغوسيغالبا» إلا أن الانقلاب الذي أطاح بحكومتها منذ عام 2009 أدى إلى انهيار سيادة القانون، ما أتاح الفرصة أمام عصابات تهريب المخدرات وإلى شيوع آفة الفساد وخراب الذمم.
وهو ما كان له تأثيره المباشر والمحتوم أيضاً في تراجع الأحكام التي طالما شددت على صيانة الغابات وحظرت اجتثاث أشجارها حرصاً على دورها الحيوي في الحفاظ على البيئة الكوكبية. من هنا اختارت الكاتبة إليزابيث مالكن للتقرير الذي نشرته أخيراً في الصحف الأميركية عنواناً قالت فيه: «غياب القانون يدّمر الجهود الرامية إلى إنقاذ غابات هندوراس».
المشكلة كما تقول الأكاديمية الأميركية كندرا ماكسويني، والتي تخصصت على مدار 20 سنة في دراسة ميدانية لتلك الغابات مازالت تتمثل في أن عصابات أو احتكارات الاتجار في المخدرات في «هندوراس» ما برحت تمارس أنشطتها وتصب أموالها الطائلة في تجارة الأخشاب وفي غسل الأموال غير المشروعة.
ولأن القانون صدر منذ سنوات ليقضي بأن ساحات الغابات.. أرضها وأشجارها هي ملك للدولة فقد أدي هذا الوضع تحت وطأة الفساد وتراجع سطوة الدولة - إلى أحداث يسجلها التقرير الذي ألمحنا إليه. ومنها مثلاً أن تدخل مجموعة مسلحة من الخارجين على القانون إلى غابة حافلة بالأشجار باسقة الأغصان. وفي مخططها أن تمارس عمليات الاجتثاث أو الاقتلاع.. فإذا ما تصدى لهم أحد.. إذا بهم يواجهونه في جسارة عجيبة بشعار يقول بغير مواربة: «سنيور. هذه الأشجار ملك لنا».