«.. ثغرة واسعة الأرجاء نشأت في الآونة الأخيرة عبر ضفتي المحيط الأطلسي. وبالتحديد بين «واشنطن» و«برلين» وبما أدى إلى تسميم بنْية العلاقات الألمانية الأميركية بشكل عام».
هكذا يكتب الصحافي الأميركي الشهير روجر كوهن في رسالة بعث بها من العاصمة «برلين»، وأشار فيها إلى أن هذا السمّ الزعاف إنما جاء على شكل فضيحة التجسس الذي مارسته الأجهزة الأميركية بحق كبار الساسة الألمان، وطبعاً كان على رأسهم المستشارة الألمانية «ميركل»، التي راعها بالطبع أن هاتفها المحمول، وطبعاً مكالماتها الشخصية وأسرار حياتها الدقيقة وسلوكياتها - الحميمة إن شئت كانت في مجموعها نهباً أو ضحية للكشف أو الانكشاف في مجموعها أمام أجهزة التصنت في «الولايات المتحدة».
تحول في العلاقات
ومما زاد الطين بلّة كما يقولون - وكما يضيف الكاتب الأميركي الذي ألمحنا إليه، أنه لم يظهر حتى تاريخه (13/2/2014) أي اعتذار من جانب «واشنطن» على ما جنته يداها، وهو ما ظل يتسرب معه دفق من نقيع هذا السمّ ليصيب أوصال مجتمع (ألماني) يكرس الحق في الخصوصية الشخصية باعتبار ذلك قيمة جوهرية تشكلت عبر التاريخ.
يحاول الكاتب روجر كوهن، أن يحلّل ما آلت إليه أوضاع علاقات طرفي الأطلسي في المرحلة الراهنة.. يوضّح أنه مع انتهاء الحرب الباردة في أوائل التسعينات - فإن الصلات الوثيقة التي كانت تربط بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة بدأت تشهد تحولات نوعية لم يسبق لها مثيل..
راحت منذ تلك الأيام روابط المصير التي كانت تجمع حلفاء «الناتو» في مواجهة الخصم الشيوعي والمذهب الماركسي، وهو ما كان يجسده أيامها «الاتحاد السوفييتي». حلت محل هذه الأوضاع روابط جديدة اتسمت في رأي الكاتب الأميركي بخصائص ثقافية بالدرجة الأولى.
جذور في الماضي
ومن عجب أن هذه الخصائص اتخذت لها جذوراً لها امتدادات في الماضي وفي الحاضر، على السواء، وهو يحدد هذه الجذور في ثلاثة هي:
.. العصر النازي (المغامرات الهتلرية) في ألمانيا.
.. نشاط وكالة الاستخبارات الألمانية المعروفة سابقاً باسم «ستاسي».
.. صدمة حادثة المركز التجاري في «نيويورك» في 11 سبتمبر 2001.
ثم يقول الكاتب الأميركي، إن هذه الجذور والمسارات أفضت بكل من «أميركا» و«ألمانيا» إلى فهم مختلف لمعنى الخصوصية ومفهوم الحرية الشخصية والأمن الوطني. فعلى الجبهة الألمانية أصبح المواطنون الألمان في حال من الروع ومن ثم الحرص الشديد، بل الرهيب على عدم تدخل الدولة، ولا أي كائن مَنْ كان في أسرار حياتهم الشخصية. وكان ذلك رد فعل طبيعياً لما عانوه بداهة خلال الحقبة النازية منذ ثلاثينات القرن الماضي.
العكس في أميركا
لكن على الجبهة الأميركية يبدو أن عقابيل حادثة الحادي عشر من سبتمبر، تركت العقل أو الوجدان الجمعي الأميركي في حال أقرب إلى التساهل إزاء كشف الأسرار الشخصية، باعتبار أن ذلك يؤدي إلى تيسير مهمة القائمين على صوْن الأمن القومي باعتبارهم المكلفين، بحكم التعريف وبمقتضى التكليف، بالسهر على الأمن الوطني بشكل عام.
هنالك نَجَم عن مثل هذه الأوضاع، حتى بين رفاق الحلف الأطلسي الغربي (الناتو) ما أطلق عليه روجر كوهن الوصف التالي: «صِدام الصدمات».
وهو يتأسّى في هذا المقام ولاشك بمقولة البرفيسور «هنتنغتون» الشهيرة عن «صدام الحضارات». ولقد بلغ من «صدمة» السيدة «ميركل»، على نحو ما أسلفنا، أن علّقت على ما بدر من إدارة الرئيس «أوباما» الراهنة أن قالت لواحد من خلصائها:
- بصراحة: أنا أفتقد «جورج دبليو بوش».
رفض ميركل
في نفس السياق.. يعود الكاتب الأميركي بقارئيه إلى حادثةٍ ربما نسيها المراقبون.. ولكنه يتصور أن باراك أوباما نفسه لم ينسها.. وقعت الحادثة في موسم الانتخابات عام 2008 وقت أن كان «أوباما» مرشحاً للمرة الأولى ضد جون ماكين. وكان المرشح الملون يلتمس وقتها كل سبيل كي يكون مقبولاً عند القاصي والداني في أميركا.
لهذا طلب المرشح «أوباما» أن يزور برلين، وأن يسمحوا له بأن يلقي خطاباً عند بوابة «براندبورغ» التاريخية في عاصمة الألمان. يومها رفضت الطلب المستشارة «ميركل» على أساس أن هذا طلب مفعم بروح الغرور.. وكانت بداية سيئة بالطبع بين ساكنة المستشارية في «برلين»، وساكن البيت الأبيض بعد ذلك في «واشنطن».
دعوات للحوار
ولأن مصائر الشعوب لا ينبغي أن تخضع لسوء ولا لحسن، العلاقات الشخصية بين الأفراد حتى ولو كانوا زعماء أو رؤساء.. فثمة دعوات مازالت ترتفع إلى عقد منتديات حوارية عبر الأطلسي تطرح على منابرها قضايا الحريات الشخصية وعلاقتها بضوابط ومقتضيات الأمن الوطني، ويتبني مثل هذه الدعوات مسؤولون ألمان وعلى رأسهم فرانك- والتر شتاينماير، وزير خارجية ألمانيا، الذي يطالب بضرورة تدارس أبعاد الأزمة الراهنة بين «برلين» و«واشنطن»، ومن منطلق الصراحة المباشرة. وهو يقول في هذا الصدد:
- لابد من مناقشة الموقف الراهن فالأزمات لا تذوب من تلقاء نفسها.
