شيء عجيب لايزال يجري في الجنوب.. ورغم أن مصطلح «الجنوب» عادة ما يصدق بشكل عام على الدول النامية الواقعة في جنوب الكرة الأرضية، مقابل أقطار الشمال التي تنتمي في غالبيتها العظمي إلى أوروبا وأميركا الشمالية، إلا أن مصطلح «الجنوب» الذي يشغل في الوقت الراهن اهتمامات المحللين السياسيين بات يصدق بالذات على منطقة إفريقية بعينها تحمل الاسم التالي: جنـــوب الســـودان.
وها هي المحافل الإقليمية في شرق إفريقيا بالذات، فضلاً عن المحافل السياسية الدولية، وقد انشغلت على مدار الفترة الأخيرة بما أصبح يعرف باسم «أزمة جنوب السودان».
قتال في جوبا
اندلعت الأزمة تحديداً في يوم 15 ديسمبر من عام 2013 حين اشتعل القتال بالأدق الاقتتال - بين صفوف الحرس الرئاسي في «جوبا» عاصمة دولة «جنوب السودان» المستجدة بدورها على مسرح السياسة الإقليمية والدولية..
وفي هذا الإطار دار الصراع الداخلي بين العناصر الموالية لرئيس الدولة الجديدة سيلفا كير وبين مؤيدي نائبه السابق رياك ماشار، ورغم أن الصراع الذي اشتد أواره واتسعت مساحاته يتسم في جوهره بأنه صراع سياسي على مقاليد السلطة، إلا أن هناك من المراقبين والمحللين من يعمد إلى التفسير الإثني لهذا الصراع..
وبمعنى أن هناك من يعزو أسس هذا الاقتتال الخطير في «جنوب السودان» إلى جذور أو أسباب ترجع بدورها إلى كون الرئيس سيلفا كير ينتمي إلى قبائل «الدنكا»، في حين أن نائبه السابق رياك ماشار ينتمي إلى قبائل «النوير».
دولة حديثة السن
والمشكلة أن «الدولة» في جنوب السودان مازالت حديثة السن.. ومن ثم فهي ضعيفة التكوين منذ إعلانها في 9 يوليو من عام 2011 بموجب اتفاق عام 2005 الذي أنهى كما يقول المتحمسون له - عقدين من الصراع الدموي بين حكومة السودان (المركزية) في «الخرطوم» وبين ما كان يعرف باسم «جيش تحرير السودان».
ورغم عمرها القصير فقد أمكن للدولة المستجدة في «جوبا»، أن تفيد من نصيب مقدور من عائدات النفط بلغ نحو ملياري دولار، مضافاً إليها مليار دولار أخرى على شكل مِنَح مقدمة من أطراف دولية قدمت المبلغ الإضافي بوصفه معونات إنمائية.. وهو ما تم استثماره كما لاحظ المراقبون أيضاً في مشاريع كانت الحاجة أكثر من ماسّة إليها ما بين تعبيد الطرق أو إنشاء المدارس أو العيادات الطبية..
إلا أن هذه المشاريع لم تفلح في إضفاء هيبة الفعالية على الحكومة الانتقالية ولا على جيشها الجديد في العاصمة «جوبا».. هكذا يقول التقرير السياسي الذي بعث به أخيراً، باحث من جنوب السودان هو بيتر أجاك من مدينة كامبردج (بإنجلترا حيث يدرس الدكتوراه) وقد نشرته «النيويورك تايمز» الأميركية (عدد 6/2/2014) في محاولة لتقصي جذور وتطورات هذا الصراع.
ثغرات هائلة
وفي سياق التقرير يشير كاتبه إلى دراسة منشورة أخيراً، بل ويذكر أنه شارك شخصياً في وضعها، وقصدت الدراسة إلى تقييم ما آلت إليه حكومة جنوب السودان من حيث قدراتها وفعاليتها في إدارة أمور البلاد..
في هذا المضمار يعترف بيتر أجاك، بأن الدراسة خلصت إلى أن مؤسسات حكومة «جوبا» مازالت بها ثغرات يصفها بأنها «هائلة» في قدراتها وفعاليتها، ومن ثم فالحكومة ما برحت عاجزة عن أداء الخدمات الأساسية وفي مقدمتها طبعاً استتباب الأمن ومكافحة الفساد، ولدرجة أن يسجل الباحث المذكور أن «جنوب السودان» أصبحت تشغل مرتبة ثالث دولة في العالم من حيث الفساد.
جيش احترافي
على أن أخطر الأمور يتمثل، كما تؤكد مقالة «النيويورك تايمز»، في أهمية أن يتحول ما كان يسمى «جيش التحرير» إلى حيث يصبح جيشاً احترافياً، بمعنى اتباع الأصول المهنية لمؤسسة عسكرية تجمع بين شعور الخدمة الوطنية وبين أصول الاحتراف المهني على السواء بعيداً عن نفوذ وتداخلات بارونات الحرب الذين طالما تربّحوا في فترات سابقة من قيام الكيان الجديد الذي يحمل اسم «جمهورية جنوب السودان».
تشير الدراسة التي نحيل إليها إلى موعد الانتخابات المقبلة في عام 2015، وإلى محاولة جانبي الصراع الحالي.. بين رئيس البلاد ونائبه السابق جذب قطاعات من جيش التحرير السابق بدوره - لتأييده، وهو ما يهدد بداهة بإشعال نيران المزيد من صراعات أهلية أو اقتتال داخلي في بلد مازال مواطنوه يعانون شظف الحياة بكل معنى.
الشعب أولاً
هؤلاء المواطنون هم الذين يتابعون في لهفة تكاد تقطع الأنفاس مجريات المحادثات بين الطرفين التي تستضيفها بين حين وآخر العاصمة الإثيوبية «أديس أبابا» .
ومع هذا كله فالباحث الجنوبي الدارس في «كامبردج».. لايزال يحذر قائلاً، إنه حتى لو نجحت المباحثات في التوصل إلى حالة من السلام.. وهو أمر مهم بحد ذاته، إلا أن الأهم كما يضيف، هو اتخاذ ما يلزم لمواصلة بناء المؤسسات الحيوية لصالح المواطنين البسطاء.. من المدرسة إلى المستشفى ومن فرصة العمل إلى الرعاية الاجتماعية.
