على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة، أو نحوها، من القرن العشرين أضفيت تحولات عديدة على صورة «الصين» في عيون عالم ذلك الزمان القريب.
والحاصل أن أطلت «الصين» على عالم بدايات القرن العشرين من موقع نراه سلبياً بكل معنى هو موقع بلد «إدمان الأفيون» وموقع القطر الآسيوي البعيد الذي لا يكاد ينتج. عند مطالع القرن المنصرم سوى المزيد والمزيد من المواليد.
ماو تسي تونغ
تحولت صورة «الصين».. مع الربع الثاني من القرن العشرين لتصبح أرض الاضطرابات والانتفاضات السياسية والعقائدية، حيث ظلت تتردد أيامها أسماء حزب «الكومنتانغ» وزعيمه «صن ياب صن»..
ومن بعده الحزب « الشيوعي « الصيني وزعيمه «ماوتسي تونغ»، حيث قاد الأخير حركة ضمت «ماو» وكبار رفاقه مثل «شوين لاي» و»لين بياو» وغيرهما وحملت الحركة اسم «المسيرة الكبرى» التي جاب فيها رفاق الحزب الشيوعي رقعة «الصين» من جنوبها إلى شمالها- إلى أن أعلنوا «جمهورية الصين الشعبية» في عام 1949.
من الثورة إلى الانفتاح
تغيرت صورة «الصين» إلى حيث أضيفت عليها «رتوش» تعكس خشونة في الحياة وجدية صارمة بكل معنى في السلوك والملبس والتعامل وترددت أيامها عبر الخمسينات والستينات شعارات من قبيل الثورة الثقافية ومعسكرات إعادة التثقيف أو إعادة التعليم التي كانوا يودعون بالأدق يحتجزون بين جنباتها من يصفونهم بأعداء الثورة.
ثم عاودت صورة «الصين» تغيير معالمها مع قيادة «دنغ هيساو بنغ» في الثمانينات، حيث تبدد الكثير من ملامح الانعزال والتجهم الثوري. ولصالح مزيد من الانفتاح وانفراج الأسارير والتوسع في التفاعل مع أطراف العالم الخارجي- في الغرب الأورو- أميركي على وجه الخصوص.
صنع في الصين
ومع التسعينات كانت الصورة بوضوح حاسم هي:
صورة الصين- العاكفة على الإنتاج بقصد التصدير إلى كل أنحاء العالم. ولدرجة أن غزت شعارات «صُنع في الصين» كل أرجاء هذا العالم مع مطلع القرن الواحد والعشرين.
وقبل أن يسترد العالم أنفاسه ويتآلف مع هذه الصورة الجديدة. إذا بهذه الفترة الراهنة من ثاني عقود القرن الجديد تبشر بصورة أحدث وأبلغ تغيراً للصين هكذا تكتب «بتينا وازنر» في رسالة صحافية بعثت بها من الحاضرة الصينية الشهيرة «هونغ كونغ» ورسمت في سطورها معالم الصورة الأحدث للبلد الآسيوي الكبير بعد أن أوجزتها في العبارة التالية: الصين تتحول من عالم الصادرات إلى دنيا الاستهلاك.
انسحاب الدولة
وأصل الحكاية كما تقول الكاتبة «وازنر» - أن «الصين» تعيش الآن حالة من التحول الذي كان يعتمد على الدولة كأكبر مستثمر إلى حيث يتم «فطام» مرافقها الاقتصادية وفعالياتها الإنمائية بعيداً عن الاعتماد على الدولة- الأم الاقتصادية الرؤوم فيما مضى وبحيث يُدفع مواطنوها دفعاً إلى مزيد من الاستهلاك.. ولا بأس من النمط الترفي أو شبه الترفي في بعض الأحيان..
تلك حالة من تبريد الاندفاعة الساخنة والملتهبة أحيانا. وقد ظلت «الصين» على مدار العقود الثلاثة الأخيرة تعايشها من أجل إغراق العالم بما دأبت على إنتاجه من صنوف الصادرات.
الحفاظ على البيئة
في نفس المضمار عمدت السلطات في العاصمة «بيجين» إلى إسكات أو تطمين الدوائر العالمية المنادية بالحفاظ على بيئة الكوكب فصدرت القرارات التي تقضي بإغلاق العديد والعديد من الصناعات الصينية التي كانت تطلق إنبعاثات الكربون المسيئة للبيئة وأيضاً لسمعة الصين الدولية.
وفي هذا الإطار أيضاً بدأت الميديا الصينية تشجع أهل البلاد على التوسع في الاستهلاك المحلي للسيارات والغسالات وقطع الأثاث- الفاخرة بالطبع- هذا فضلاً عما صدر مؤخراً من قرارات تقضي بشيء من التيسير أو التخفيف من سياسة الاقتصار على طفل واحد لكل أسرة صينية .. وهي سياسة صارمة.. أو كانت صارمة في ماضي الأيام.
