وقعت الأزمة المالية ــ الاقتصادية في عام 2008. تبدت مظاهرها الخطيرة ــ الكارثية أحياناً في دوائر المال والأعمال في "وول ستريت" في "مانهاتن" قلب "نيويورك"، ثم انتقلت آثار الأزمة عبر الأطلسي لتصيب اقتصادات الاتحاد الأوروبي ومنها ما صمد على مضض وشظف مثل الاقتصاد الفرنسي أو الإنجليزي. ومنها ما أعلن وقتها الإفلاس مثل اقتصاد "أيسلندا" القابعة قرب الشمال القطبي من الكوكب. ولكن منها ما عضته الأزمة المالية بنابها كما يقولون. مثل حالة بلد متوسطي قابع في الجنوب الأوروبي واسمه "اليونان".

إجراءات التقشف

من هنا أعلنت الدوائر المسؤولة في "أثينا" ما وصفته بأنه إجراءات التقشف. وفور هذا الإعلان انقسم الرأي في المجتمع اليوناني إلى معسكرين:

دعاة التقشف الذين رأوا فيه الحل الأمثل وربما الأوحد لانتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية الخانقة. التي لم تّخف قبضتها حتى رغم ما نالته "أثينا" من مساعدات التحفيز التي قدمتها الأطراف الميسورة الأحوال في "الاتحاد الأوروبي".

ثم ضحايا التقشف وهم غمار المجتمع اليوناني بشكل عام. الجماهير الشعبية التي عانت وما برحت تعاني مما ترتب علي إعلان التقشف من زيادة في الضرائب يقابلها بل يُفاقم من وطأتها خفض المرتبات وتحجيم الاستحقاقات الوظيفية.

محاكمات المسؤولين

وفي هذا الصدد يضيف تحليل من أثينا بقلم "نيكي كتسانتونس":

- المشكلة أن هذه الإجراءات الدينامية جاءت على حساب المواطن اليوناني العادي البسيط. دون أن تمس الامتيازات التي تتمتع بها العناصر الموسرة في المجتمع اليوناني. وهي العناصر التي كان لابد من تحميلها المسؤولية عما وصلت إليه البلاد من فوضى واضطراب.

فجأة تغيرت هذه الدينامية في الآونة الأخيرة. شهد منتصف يناير حركة غير مسبوقة وغير متوقعة أيضاً من جانب السلطة القضائية في "اليونان" التي حرصت على أداء واجبها بعيداً عن رغبات السياسيين وأحياناً ضد رغبة هؤلاء السياسيين ومن في حكمهم، فإذا باليونان وقد بدأت تشهد محاكمات في قضايا الفساد التي دفعت بنفر من كبار الساسة وصفوة المتنفذين إلى داخل قفص الاتهام ومعهم بالطبع عدد من كبار المسؤولين السابقين من ذوي الرتب السوبر- رفيعة.

رغبة التطهير

هنا يعلن البروفيسور "أرستيدس هاتزيس" أستاذ القانون بجامعة أثينا قائلاً:

- إن من أسباب هذه الظاهرة ما يتعلق برغبة جماهير البلاد في نوع من التطهير "كاثارسيس"- (هو المصطلح المنسوب إلى الفيلسوف "أرسطو"، وقد استخدمه أستاذ القانون مقتبساً بالطبع من شعور جماهير المسرح بعد مشاهدة التراجيديا الإغريقية في تراث اليونان).

ثم يعلّق الحقوقي اليوناني المرموق قائلاً:

- لأول مرة تمارس العدالة في بلادنا دورها بالنسبة للمستويات العليا.

وهو يشير في هذا الخصوص إلى ما تم مؤخراً من توجيه الاتهامات بالفساد والرشوة والتربح غير المشروع إلى العديد من كبار رجال الأعمال بمن فيهم مثلاً "ديمتريس كونتوميناس" الذي يتمتع بممتلكات عديدة منها مثلاً: محطة تليفزيون وشركة تأمين. وإلى متهم آخر اسمه "أنغيلوس فيلبيس" وهو من كبار المصرفيين..

إضافة إلى عدد من زملائه ممن تسببوا في خسارة بلغت 678 مليوناً تكبدّها واحد من أكبر بنوك اليونان. ويلاحظ أن "فيلبيس" شخصياً مودع حالياً في سجون "تركيا" بانتظار تسليمه إلى السلطات اليونانية بعد أن قبضوا عليه في أحد فنادق اسطنبول يوم العاشر من يناير.

قضاء صارم

وتضم القوائم وزراء سابقين.. وكلهم يخشون موضوعياً من كفاءة القضاة المعروفين بالنزاهة وفي مقدمتهم "بوبي" المنتمية إلى عائلة "باباندريو" المعروفة التي يخشاها الجميع- كما تقول أوساط أثينا- لفرط نزاهتها وتشددها في إقامة العدل مع زملائها من كبار القضاة الذين يقول قائلهم: نحن سلطة موازية ولا نتلقى أوامر من رئيس الوزراء.