«إنهم يعرفون أكثر بكثير مما تتصور». هكذا كتب جيمس بامفورد في مقال نشرته مجلة "ذي نيويورك رفيو أوف بوكس" المعنية بعروض الكتب وتحليلاتها النقدية في أحدث أعداد المجلة الصادرة مؤخراً (عدد أغسطس سبتمبر 2013).

جيمس بامفورد اسم معروف بين المحللين الأميركيين المعنيين بأمور وكالات المعلومات ودوائر التجسس في الولايات المتحدة.. وبخاصة ما يتعلق "بوكالة الأمن القومي" في الولايات المتحدة التي سبق ونَشَر عنها أكثر من كتاب.

وفيما ظلت كتابات "بامفورد" موضعاً لاهتمامات الدارسين أو حتى القارئين المهتمين بالتدقيق في مثل هذه الأمور، وفيما تبقى سمعة "وكالة الأمن القومي" متوارية نسبياً في ظلال الشهرة الذائعة والزاعقة أيضاً التي مابرحت تتمتع بها وكالة المخابرات المركزية (سي. آي. إيه) والبركة كما يقولون- في أفلام هوليوود ومغامرات جيمس بوند وما في حكمها إلا أن "وكالة الأمن القومي" ما لبثت أن سُلطت عليها أضواء أكثر من كاشفة في الآونة الأخيرة.

3 مواقع للتجسس

ويمكن القول إن هذه الاكتشافات انطلقت حتى الآن من ثلاثة مواقع متباينة من خارطة عالمنا:

.. الموقع الأول: هو "روسيا" التي منحت حق اللجوء إلى الشاب الأميركي "إدوارد سنودون" الذي لم يصل بعد سنّ الثلاثين، وهو الذي أفشى للعالم كمّاً هائلاً من المعلومات السرية التي احتوتها مستودعات معلومات "وكالة الأمن القومي" الأميركية.

ورغم أن "واشنطن" عملت على التهوين أو التخفيف من أهمية ما أقدم علىه الأخ "سنودون" إلا أن هذه الأهمية مالبثت أن تأكدت من واقع ما تم مؤخراً من إلغاء اجتماع كان مقرراً أن يضمّ الرئيس الأميركي "أوباما" مع الرئيس الروسي "بوتين" على هامش اجتماع العشرين الذي التأم عقده في الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي في "سان بطرسبورغ"- العاصمة التاريخية لروسيا الاتحادية.

التجسس على الأسلحة

الموقع الثاني: هو "ألمانيا" وبالتحديد العاصمة "برلين" التي صدر فيها أحدث أعداد مجلة "دير شبيغل" الواسعة النفوذ. وقد نشرت المجلة مقالاً يكشف النقاب عن عمليات تجسس مارستها "وكالة الأمن القومي" الأميركية على وزارة الخارجية الفرنسية، حيث كان تركيزها منصبّاً ..

كما تذكر المجلة الألمانية على شبكة الحواسيب الإلكترونية التي تربط بين سفارات وقنصليات فرنسا المنبثة حول العالم وعرضه وبين "الكي دورسية" مقر وزارة الخارجية في العاصمة "باريس".

ذكرت المجلة الألمانية أيضاً أن النشاط التجسسي الأميركي لم يكن ليقتصر على الجوانب السياسية- الدبلوماسية بل امتد هذا النشاط كي يشمل أيضاً التجسس على صناعة الأسلحة الفرنسية، وعلى جهود حكومة "باريس" المبذولة لتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وخاصة في غمار أزمة اليورو التي مابرحت تجتاح الاتحاد الأوروبي بشكل عام.

تجسس في الهيميسفير

الموقع الثالث: يكمن في النصف الغربي من الكرة الأرضية ( الهيميسفير كما يسمونه) ويتمثل جغرافياً في "الأميركتين". ويتوزع هذا الموقع الثالث عبر ممارسات "وكالة الأمن القومي" الأميركية في التجسس على رأس الدولة في كل من "المكسيك" في أميركا الشمالية وفي "البرازيل" في أميركا الجنوبية.

بالنسبة للمكسيك أعلن الصحافي غلن غرينوولد على نحو ما نقلته وكالة "الأسوشيتدبرس" في مطلع سبتمبر الحالي، إن الوكالة الأميركية كانت تطّلع بانتظام على الرسائل الإلكترونية الخاصة بالرئيس المكسيكي أنريك بينا نيتو وخاصة ما يتعلق بأسماء معاونيه الذين قرر اختيارهم لأكبر المناصب في المكسيك.

أما بالنسبة للبرازيل فتذكر جريدة "النيويورك تايمز" (عدد 2/9/2013) أن الغضب مازال يستبد بدوائر السياسة والحكم في "برازيليا" بعد ما كشفت عنه أحدث المعلومات بأن وكالة "الأمن القومي" الأميركية كانت تمارس الرقابة بمعنى التجسس على الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف وكبار معاونيها وهو ما وصفه وزير العدل في البرازيل خوسيه كاردوزو بأنه "انتهاك غير مقبول لسيادتنا" (خاصة) وأنه يمّس رئيسة الدولة شخصياً.

قبلة أوباما

وقد وصل الغضب إلى درجة استدعت معها حكومة "البرازيل" السفير الأميركي لسؤاله عن هذه القضية التي وصفها المراقبون بأنها سوف تسبب تعقيداً في علاقات البلدين وبالذات قبل الزيارة التي تزمع الرئيسة ديلما روسيف أن تقوم بها إلى العاصمة الأميركية واشنطن في أكتوبر المقبل.

لعل في هذا الخلاف ما دفع الرئيس أوباما إلى أن يهلل لدي لقاء الرئيسة ديلما روسيف في اجتماع "بطرسبورغ" الذي أشرنا إلىه، ولدرجة أن عمد أوباما إلى طبع قبلة رئاسية طبعاً على جبين صاحبة الفخامة رئيسة البرازيل.