سكان مدينة «نيويورك» وما حولها يعرفون هذا الاسم جيداً: إن "فيرانزو" هو اسم الجسر الشهير الذي يربط ضاحية "بروكلين" في "نيويورك" مع "جزيرة ستاتن آيلاند" الواقعة وسط مياه.
يرجع تاريخ "فيرانزو" إلى افتتاحه في عام 1964 ليكون أطول جسر معلق في طول الولايات المتحدة وعرضها. وكم ظل عاملاً في خدمة العابرين والراكبين على مدار هذه الأعوام التي شارفت على الخمسين.
شركة أجنبية
لكن ها هو الجسر العتيد وقد قارب سن الكهولة بات بحاجة إلى عملية إصلاح وصيانة وتجديد، وبالتحديد يحتاج الجسر إلى كمية من قوائم الصلب بتكلفة تصل إلى 24 مليون دولار.
والحاصل أنهم رتبوا مناقصة تنافست فيها شركات عديدة. وفازت فيها الشركة التي تفوقت على منافسيها من حيث امتلاكها المعدات الخاصة والقدرات التمويلية على إنجاز المشروع.. وكان يمكن أن تمضي المسألة في إطار اعتيادي شأن العشرات من عمليات الإصلاح أو الصيانة أو التجديد.
لولا أن الشركة الفائزة لم تكن أميركية الجنسية بل كانت "صينية" مئة في المئة. وهو الأمر الذي أثار عاصفة من الغضب والانتقاد بين "أهل الصنعة" في كل أنحاء أميركا ممن بدأوا يرددون الشعار العتيد الذي يقول بما يلي: لا لقواعد الاستعانة بالمصادر الخارجية.
لا تقبل المنافسة
وحكاية الاستعانة "بالمصادر الخارجية" هي ترجمة للمصطلح الذي استجد في السنوات العشرين الماضية على الأدبيات الاقتصادية وهو (Out Sourcing) وقد ترجمه المصريون بمصطلح غريب بدوره وهو "التعهيد".
وأياً كانت الترجمة فالحاصل أن الأميركان أصبحت تنتابهم حساسية خاصة إزاء شعار "صنع في الصين" على نحو ما يذهب إليه البروفيسور بيتر نافارو أستاذ الاقتصاد بجامعة "كاليفورنيا"، في مقال نشره مؤخراً في "النيويورك تايمز" ويشير فيه إلى أن "الصين" مازالت تتبع أسلوب تقديم العرض.. أي عرض بأسعار رخيصة لدرجة لا تقبل المنافسة.. ومع ذلك يقتضي الأمر بعد ذلك، والعهدة على الكاتب المذكور، دفع تكاليف وتحمّل مغارم ما أنزل الله بها من سلطان..
وهو يسوق أمثلة في هذا المضمار من قبيل استخدام "الصين" مواد من الصلب الرخيص الذي لا يصلح لقوائم ودعامات الجسور، ومنها أيضاً ما حدث من تأخيرات في تسليم المواد المطلوبة وهو ما أدى إلى رفع التكاليف ومن ثم إلى تبديد مزايا العروض الرخيصة..
التلوث البيئي
وفي معرض المبالغة في تصوير المشكلة يشير البروفيسور "نافارو" إلى أن التعامل مع "الصين"- في مجالات الصناعة بالذات- من شأنه المزيد من تشجيعها على تلويث بيئة الكوكب الأرضي الذي نعيش فيه. وهو يقول إن مصانع الصلب في البلد "الآسيوي الكبير" ينتج عنها كميات من عوادم التلوث ومن غازات الاحتباس الحراري لكل طن يتم إنتاجه من الصلب بأكثر مما يحدث في مصانع الولايات المتحدة ذاتها..
وبحيث لا يؤدي هذا وحسب إلى زيادة ظاهرة التساخن الكوكبي بشكل عام بل ينجم عنه أثر مباشر على الأجواء الأميركية نفسها على وجه الخصوص. لماذا؟ لأن كميات متزايدة من التلوث الصيني لا تلبث أن تجتاز مياه المحيط الهادئ فتشق طريقها إلى غربي الولايات المتحدة..
رفض الشعار
في نفس السياق الغاضب لا يفوت البروفيسور بيتر نافارو أن يغمز من قناة "الصين" أيضاً ولكن هذه المرة، من ناحية النظام السياسي الحاكم في "بيجين". يقول الأكاديمي الأميركاني: عندما تختار الشركات والدوائر الحكومية الأميركية تكليف "الصين" بالعمل فوق الأرض الأميركية فهي إنما تدعم، ولو بصورة غير مباشرة، نظاماً سلطوياً يحظر تكوين النقابات العمالية المستقلة.
. وعلى ذلك فالعامل الأميركي- المسكين طبعاً في رأي الأستاذ "نافارو" يتعيّن علىه أن يَدُخل في منافسه مجحفة طبعاً مع زميله العامل الصيني الذي يشتغل في العادة نحو 12 ساعة في اليوم وعلى مدار سنة وأحياناً سبعة أيام في الأسبوع.
من هنا يخلص صاحب هذا المقال إلى معارضه شعار "صنع في الصين". يستوي في ذلك كما يضيف بوضوح- إصلاح الجسور العتيقة أو شراء ألعاب الأطفال وغيرها من سلع الحياة اليومية التي باتت تغمر كل ساحات السوق في طول أميركا وعرضها.
