زمان... كان اسمها «إفريقيا الجنوبية الغربية».. طفا اسمها على سطح الأحداث حين خضعت للاستعمار الألماني في عام 1884 كي يعرفها العالم باسمها الحالي: «ناميبيا». وخلال الحرب العالمية الأولي وقعت تحت سيطرة واحتلال قوات النظام العنصري الأبيض في جنوب إفريقيا المجاورة لها، إلى أن أشرفت «الأمم المتحدة» على استقلال «ناميبيا» في عام 199 الذي تم فيه أيضاً انتخاب المناضل «سام نجوما» كأول زعيم يدخل قصر رئاسة الدولة في العاصمة «وندهوك».
اللغة الألمانية
مع ذلك، ومثل كل المستعمرات السابقة، ظلت «ناميبيا» تحمل الآثار التي أسفرت عنها التركة الكولونيالية التي تمثلت بالذات في انتشار اللغة الألمانية، إلى جانب الإنجليزية واللغات الإفريقية الوطنية. الشائعة على ألسنة السكان.
ولأن الميراث الإمبريالي الألماني كان غالباً، بقدر ما كان مؤثراً.. فقد ظل أهل البلاد يستخدمون الأسماء الألمانية التي بقيت مرفوعة على أهم المواقع والأماكن في طول البلاد وعرضها. وفي مقدمة هذه المواقع قطاع «كابر» البالغ مساحته 450 كيلو متراً مربعاً ويستمد أهميته من كونه المنطقة الحافلة بمجاري الأنهار وبمظاهر الحياة البرية، النباتية والحيوانية ...
وهو ما يضفي على المنطقة المذكورة طابعها الفريد في ذلك البلد الإفريقي الذي لا يفتأ يعاني من نوبات الجفاف الموسمية. وبالتالي من غوائل ظاهرة التصّحر، خاصة وأن «ناميبيا» متاخمة لحدود صحراء «كلهاري» الواقعة في تلك الأصقاع من ساحات الجنوب الإفريقي.
«كابريفي» لماذا؟
قطاع «كابرفي» يستمد اسمه من اسم الكونت «ليوفون كابرفي» وهو السياسي والجنرال الألماني الذي تولى موقع المستشارية في «برلين» بعد استقالة «أوتو ليوبولد بسمارك» - المستشار الحديدي كما كانوا يسمونه وكان ذلك في عام 1890.
ورغم أن «كابرفي» لم يحز نفس الشهرة التي حظي بها «بسمارك» الذي يرجع إلىه الفضل في تحويل ألمانيا من دوقيات متناثرة إلى دولة موحّدة ومؤثرة بالتالي على صعيد السياسة الدولية- إلا أن اسم « ليوفون كابرفي» ظل مذكوراً على الأقل حين كان يردده أهل «ناميبيا»، فضلاً عن زائريها وسائحيها، حين يقرأون اللافتة المكتوب علىها «مرحباً بكم في قطاع كابرفي»..
ولقد عاشت اللافتة نحو 120 سنة كما تقول صحيفة «الغارديان ويكلي» اللندنية، إلى أن غربت شمسها نهائياً في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي.. فبعد قرن من وفاة الكونت «كابرفي» شاءت الأقدار أن ينمحي اسمه تماماً من معالم «ناميبيا» التي أرادت فيما يبدو- أن تتخلص من مواريث التركة الإمبريالية الألمانية فأحلّت محله اسماً جديداً وهو «منطقة الزامبيزي» وهو النهر الشهير الواقع على الحدود الفاصلة بين «ناميبيا» و»أنغولا» جارتها إلى الشمال.
نامي نوس
هناك اسم آخر ألماني الأصل والإيقاع بدوره كانوا يطلقونه على ميناء البلاد وهو: «لوديريتز» ولكنهم رفعوا مكانه مؤخراً إسماً إفريقياً جديداً هو : «نامي نوس» وهو يرادف في لغة «الهويسان» الوطنية الإفريقية معنى «العناق».
ثم كان طبيعياً أن تثير هذه التغييرات في أسماء المعالم والأماكن حالة من الرفض أو حتى السخط في أوساط إفريقية شتى على الأقل بعد أن تعّودت علىها أجيال عديدة من السكان.. لاسيما وأن «ناميبيا» مازالت تضم كما تضيف «الغارديان»- أقلية ألمانية محدودة الحجم بين سكانها- إلا أن حركة تغيير الأسماء جاءت في الوقت الحالي لتسلّط الأضواء على ما سبق وكابدته شعوب وأصقاع شتى في طول القارة السمراء وعرضها..
خلال الحقبة الاستعمارية. التي غربت شمسها منذ مطالع ستينات القرن الماضي.. ومع ذلك بقيت ذكرياتها المؤلمة ومواريثها البغيضة ماثلة أمام العيون والأفهام على نحو تعكسه أسماء المدن والمرافئ والشوارع في تذكرة بماض ٍحافل بالنكسات والصدمات.
اعتذار تاريخي
صحيح أن ألمانيا قدمت في عام 2004 اعتذاراً تاريخياً عن حقبة استعمارها لناميبيا وخاصة عن جريمة الإبادة الجماعية (جينو سايد) التي ارتكبها أو تسبّب فيها المستعمرون الألمان فأودت بحياة نحو 65 ألفاً من سكان البلاد ممن لقوا حتفهم جوعاً أو تعذيباً في معسكرات الاعتقال.. إلا أن أهل «ناميبيا» مازالوا مصممين على التخلص من كل ما قد يعيد إلى أذهانهم على توالي الجيال- من ذكريات الماضي الاستعماري البغيض.
