هي لحظة مضت عليها في أيامنا الراهنة خمسون سنة بالتمام والكمال. تاريخ اللحظة بالتحديد هو 28 أغسطس من عام 1963.. وها هو يسجلها ويتحدث عنها واحد من صفوة علماء الاقتصاد في أميركا والعالم وهو البروفيسور جوزيف ستغلتز الحاصل على جائزة "نوبل" الدولية الرفيعة في علم الاقتصاد. وهو يحكي عن هذه اللحظة قائلاً:

- هي تلك التي استمع فيها الأميركيون إلى الخطاب الشهير الذي أدلى به الزعيم الأسود "مارتن لوثر كنغ" وردد فيه العبارة التي صارت من مأثور الأدبيات السياسية المعاصرة وهي: إن لدي حلماً (أو يراودني حلم).

تغيير المسار

يومها كان الفتى "جوزيف ستغلتز" واقفاً بين زحام الجماهير التي احتشدت جموعها في ساحة العاصمة "واشنطن".. كان قد بلغ العشرين وتخرج لتوّه من الجامعة ليبدأ دراساته العليا في مؤسسة علمية رفيعة هي "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا". وفي مقال نشرته مؤخراً "النيويوك تايمز" (عدد 27 أغسطس 2013) يقول البروفيسور "ستغلتز":

- أصغيت إلى خطبة "الدكتور كنغ" التي جاءت لتثير مشاعري.. أنا الذي شببت في ولاية "إنديانا" واطلعت على أحوال الفقر واضطراب الناس بين العمل والبطالة وأساليب التمييز العنصري المتواصل ضد السود الأميركيين.. ولما كنت من أبناء الجيل المولود خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.. فقد عايشت كذلك ظواهر اللامساواة الموروثة عن مراحل الماضي في أميركا.

 وكم كنت مصمماً على محاولة تصحيح هذه المظالم.. إلى أن جاءت عبارات "مارتن لوثر كنغ" لتدفعني إلى حسم مسار حياتي.. كنت قبلها قد أزمعت الانخراط في سلك دراسات علم الفيزياء النظرية.. لكن خطبة "الحلم" الذي تكلم عنه الزعيم الأسود دفعتني دفعاً إلى أن أتخصص في علم الاقتصاد..

اقتصاد السوق

ثم يضيف "ستغلتز" قائلاً:

- لكن عندما انخرطت في سلك الدراسات الاقتصادية أدركت أنني انضممت إلى قبيلة غريبة حقاً: صحيح أن كان هناك قلة من علماء الاقتصاد (ومنهم تتلمذت على يديه) ممن كانت تشغلهم بعمق قضايا الفقر واللامساواة التي شغلتني.. بيد أن الغالبية لم يكن يعنيهم الأمر..

بل كانوا يتعبدون عند أقدام "آدم سميث" (داعية الاقتصاد الرأسمالي المعروف) وصاحب معجزة اقتصاد السوق.. وهنا أدركت من جانبي أن لو كان هذا هو أفضل ما يمكن أن يضمه عالمهم.. فإن عليّ أن أبني عالماً مختلفاً كي أعيش في ظلاله".

رصاصة الاغتيال

ثم يمضي "جوزيف ستغلتز" مسترسلاً في تأملاته التي يصوغها كذلك في تساؤل يورده في سطوره التي أحلنا إلىها فيقول:

-من ذا الذي يعرف المصير الذي كان خليقاً أن تؤول إليه حياة "مارتن لوثر كـــنغ" لو لم تسدد إليه رصاصة الاغتيال؟

كان عمر الزعيم الأسود وقتها هو التاسعة والثلاثين.. ومن ثم كان يمكن أن يصل عمره الآن إلى الرابعة والثمانين.. وكان جديراً بأن يطالع ويعايش استمرار المعاناة التي مابرح يكابدها الملونون في "أميركا"، حيث لا تتاح أمامهم فرص الحراك الاجتماعي..

وحيث لا يزال 65 في المئة من أبناء هؤلاء الأفرو- أميركيين يعيشون في كنف عائلات منخفضة الدخل دون أن تلوح أمامهم تباشير أمل في أي مستقبل.. صحيح أن الفصل العنصري أصبح محظوراً في المدارس.. إلا أن الفصل التمييز في التعلىم زادت وطأته سوءاً في العقود الأخيرة، ويرجع ذلك بالذات إلى تفاقم الفصل- التمييز الاقتصادي على مستوي البلاد بأسرها.

الحد من الفقر

بعدها يختتم الاقتصادي الحاصل على نوبل سطوره قائلاً:

- لقد بلغت السبعين في هذا العام.. والحقّ أن فترة طويلة من حياتي العلمية وخدمتي العملية خلال العقود الأخيرة بما في ذلك خدمتي في مجلس المستشارين الاقتصاديين إبان إدارة الرئيس (الأسبق) "كلينتون".. وبعدها في البنك الدولي- ظلت مكرّسة لهدف الحد من وطأة الفقر وحالة اللامساواة.. حيث يحدوني الأمل في أنني أوفيت بدعوة الدكتور "مارتن لوثر كنغ" التي أطلقها منذ نصف قرن من عمر الزمان..

لقد كان الزعيم الأسود على حق عندما أدرك أن هذه الانقسامات تمثل سرطاناً ينخر في بنية مجتمعنا (الأميركي) كي يقوّض ديمقراطيتنا ويلحق الضعف باقتصادنا.. ولقد تمثلت رسالة الدكتور "كنغ" في أن مظالم الماضي لم تكن حتماً مقضياً.. ولكنه كان يدرك أيضاً أن الحلم ليس كافياً في كل حال.