لم يطق العالم صبراً حتى يحل يوم الثامن والعشرون من شهر يونيه من العام الحالي. يحل هذا اليوم بالطبع بعد 4 أشهر ونصف تقريباً من اللحظة الزمانية الراهنة.
لكن عالمنا بدأ يعلن "الاحتفال" بحلول الذكرى المئة لذلك الحدث الرهيب الذي عصف بخارطة كوكبنا منذ قرن كامل وأحدث في جنباته متغيرات خطيرة، إن لم تكن صاعقة بالفعل وبعضها لايزال قائماً ومؤثراً حتى كتابة هذه السطور.
استيعاب الدروس
قد نتحفظ على كلمة "الاحتفال" بكل ما يرتبط بها من مشاعر إيجابية، في حين أن العالم على مستوى الساسة والمفكرين، ناهيك عن الدارسين والمؤرخين سيجعل هذا "الاحتفال" مناسبة لوعي الدروس، وهي مريرة واستقاء العبرة وهي جديرة بالتأمل في كل الأحوال.
العالم مقبل على إحياء ذكرى انقضاء 100 عام على نشوب الحرب العالمية الأولى التي اندلع لهيبها كما أسلفنا- في يوم 28/6/1914 واستمرت نيرانها متقدة ومدمرة حتى يوم استسلام ألمانيا في 11 نوفمبر من عام 1918.
حرب عظمى
ورغم أن أغلب وقائع الحرب العالمية الأولى دارت على ساحات أوروبا، حيث اشتعل لهيب الصراعات الدموية فيما بين ما كانت تحفل به القارة الشمالية المذكورة من إمبراطوريات وممالك وكيانات- إلا أن شعوبنا في الوطن العربي نالها كثير من المعاناة بل واكتوت بقدر من نيران تلك المعارك.. وهو ما دفع الشعوب العربية إلى إطلاق وصف معروف عن تلك المأساة وهو "الحــرب العظمـــى ".
وقد كانت عظمى بالفعل، لا لمجرد أن نالت أوطان أمتنا نيران من حرائقها.. ولكن أيضاً لأن الحرب العالمية الأولى أدت، فيما أدت، إلى سقوط وانهيار الإمبراطورية "التركية" التي كان يتربع على عرشها في قصر "يلدز" أباطرة.. سلاطين "بني عثمان" في إسطنبول، فيما كانت الإمبراطورية "الطورانية" إياها قد تحكمت في معظم أقطار الوطن العربي..
وفي مقاليد ومصائر شعوبه على مدار نحو من أربعة قرون من عمر هذا الزمان الحديث، مستغلّة في ذلك شعارات الخلافة وإن كانت قد وصلت بالمنطقة إلى حيث ألقت عليها غلالات التخلف الفكري والتقني بعد أن فاتتها تحولات وتغيرات الثورة الصناعية ومخترعات ومنجزات العصر الحديث.
في كل حال فقد دفعت البشرية منذ 100 عام ثمن صراعات الحرب العظمى الأولى على شكل 10 ملايين إنسان فقدوا أرواحهم، ونحو 20 مليون من البشر أصيبوا بجراح وأعيقت سبل معايشهم على نحو أو آخر.
الحرب العادلة
ومن عجب أن من الأدبيات الأوروبية- "الألمانية" بالذات ما كان يصف هذه الحرب المأساوية بأنها "الحرب العادلة"، حيث كانت ألمانيا- القيصرية وقتها قد صممت على أن تجد لنفسها موقعاً- "عادلاً"، كما تصورت، ضمن الكيانات الإمبريالية الكبرى في ذلك الزمان وخاصة للتصدي إلى سطوة "بريطانيا" التي كانت إمبراطوريتها لا تغرب عنها الشمس بين مشارق كوكبنا ومغاربه..
ومن ثم كان الصراع الوشيك كفيلاً بأن يحتدم بين"ألمانيا القيصرية" بوصفها قوة برية و"بريطانيا الإمبراطورية" بوصفها قوة بحرية، وإن كان اشتعال نار الحرب العظمي قد جاء- كما يقول المثل المتواتر- من مستصغر الشرر.. متمثلاً في لحظة اغتيال ولي عهد النمسا، الأرشيدوق "فرانسيس فرديناند" في مدينة "سيرافو" على يد رجل صربي في ذلك اليوم الحزيراني القائظ من عام 1914..
وقد أفضى الحدث مباشرة إلى إعلان "النمسا" الحرب على "صربيا".. وبعدها توالي اشتعال جوانب الصراع بين القوى الأوروبية المختلفة بكل ما نجم عنه من ويلات إنسانية أدت بدورها إلى تغيير خارطة عالم تلك الفترة، حيث سقطت إمبراطوريات "رومانوف" في روسيا و"الهابسبورغ" في النمسا والمجر والهوهتزلورن في ألمانيا و"آل عثمان" في تركيا.
جدل التاريخ
ولأن الفيلسوف الألماني المعروف "فردريك هيغل" (1770- 1831) طرح مقولته الشهيرة عن "جدل التاريخ" فقد وجدت الحرب العالمية الأولى من يحلل دروسها المستفادة، ولكن من الجانب الإبجابي (!) .. وهو ما بات يتردد على مستوى ندوات فكرية وحوارات أكاديمية تشهدها حالياً مجامع علمية شتى في غرب أوروبا. ومن ذلك ما يذهب إلىه البعض من أن الحرب العظمى هي التي دفعت العالم إلى محاولة إقامة منظمة دولية يمكن أن تُسمع فيها أصوات الشعوب المناهضة للحرب، وهو ما تجلى في "عصبة الأمم" التي شهدها عقد العشرينات وتعد الأم الشرعية لمنظمة "الأمم المتحدة"..
ولأن من "السموم الناقعات دواء" كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي، فها هو كاتب سياسي ألماني بارز- مورتز شوللر ينشر مؤخراً مقالاً يقول فيه:
- لقد كان عام 1914 هو ساعة ميلاد "الاتحاد الأوروبي".
