في التراث العربي القديم تتردد المقولة الشهيرة:

- لو كان الفقر رجلاً لقتلته.

وفي الشعر العربي الحديث تتردد مقولة الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور في مسرحية "مأساة الحلاج":

- الفقـــر.. ما الفقــر

.. ليس الفقر هو الجوع إلى اللقمة والعري إلى الكسوة

الفقــــــر.. هو القهـــر

الفقــر هو استغلال الفقر لإرهاب الروح

والمعنى أن الفقر ليس بمقتصر على مجرد حالة العوز أو قصور الإمكانات عن الاحتياجات بقدر ما أن الفقر "حالة" اقتصادية تفرز بداهة معاناة نفسانية ودماراً وجدانياً وشعوراً ممضّاً بالقهر والعجز عن مواجهة صروف الحياة.

الأهداف الإنمائية

من هنا حرص المجتمع الدولي مع الفترة الاستهلالية من حلول هذا القرن الواحد والعشرين على أن يضع قضية الفقر بشكل عام.. ناهيك عن حالة الفقر المدقع بشكل خاص، ضمن أعلى الأولويات من بنود جدول الأعمال العالمي (الغلوبالي) في الألفية الثالثة.

ومن هنا أيضاً حرص المجتمع العالمي على ترجمة هذه الاتجاهات إلى ما أصبح يعرف باسم "الأهداف الإنمائية للألفية" التي مابرحت منظومة "الأمم المتحدة" عاكفة على رصد ومتابعة تنفيذها، خاصة وقد حددت لها المنظومة الدولية المذكورة أطراً زمنية للتنفيذ. ومن ذلك بالذات الوصول بعدد من يعانون الفقر المدقع في العالم (أقل من 1.25 دولار يومياً) إلى النصف بحلول عام 2015.

عقبات وأزمات

ويبدو أن الذين طرحوا هذه الرؤية في عام 2000 مع رسم الأهداف الإنمائية السابقة الذكر (وعددها 8 أهداف ويتصدرها كما أسلفنا هدف القضاء على الفقر المدقع والجوع) كان لديهم التصور الطموح بأن فسحة زمنية قوامها 15 عاماً ربما نقول ربما تكون كافية لخفض حالات الفقر الكوكبي المدقع إلى نسبة 50 في المئة.

لكن المشكلة هي ما أثبته الواقع العالمي المعاش حالياً من تعثر شديد وعقبات كأداء تحول دون بلوغ هدف 2015 المرسوم- وخاصة في ضوء ما أصاب العالم منذ سنة 2008 من أزمات مالية واقتصادية.. مازالت عقابيلها ماثلة حتى كتابة هذه السطور.

وعد أوباما

في ضوء هذا كله كان لافتاً ما قام به مع الأيام الأولى من العام الجديد، الرئيس الأميركي باراك أوباما من تحرك شهده بالذات يوم الثلاثاء السابع من يناير الحالي، وطبعاً فور انقضاء فترة الأعياد- وهو ما يصفه الكاتب الأميركي مايكل شير بأنه تحرك رئاسي جاء بعد سنة كاملة من الوعد الذي سبق وقطعه الرئيس أوباما على نفسه بتوجيه الدعم من جانب الحكومة الاتحادية إلى المناطق المعوزة من أميركا.

وقد حدد البيت الأبيض خمس مناطق تعاني شظف العيش وحالة الفقر ومكابدة الحرمان. وفي الاحتفال المتواضع الذي شهدته "القاعة الشرقية" من المقر الرئاسي في "واشنطن" ذكر الرئيس الأميركي أن المناطق الخمس الفقيرة من شأنها أن تتحول إلى حيث يطلقون علىها الوصف التالي: "المناطق الواعــدة".

الشريط الأحمر

وكان أوباما يشير بهذه التسمية إلى التصميم على التعامل مع ظاهرة آفة الفقر هناك بعيداً عن إجراءات البيروقراطية ولوائح الروتين (الشريط الأحمر كما يقول المصطلح الأميركي) أما الكاتب مايكل شير فيلخص الهدف من هذه الخطوات في عبارة يقول فيها:

- إنه مجهود تبذله الوكالات والدوائر الفيدرالية في أميركا بما يتيح للسكان المكافحين في هذه المناطق الفقيرة فرصة كي يعيشوا حياة أفضل.

ومن جانبه أيضاً حرص أوباما على أن يلتقطوا له صوراً مع أطفال تلك المناطق الواقعة في حي "برونكس" بنيويورك ثم قال:

- سوف نساعدهم على النجاح.. ليس من خلال الأعطيات الخيرية أو مِنح الإحسان.. ولكن بوصفنا شركاء لهم في كل خطوة على الطريق.

ومن نفس المنظور.. يُعرب مسؤولو إدارة "أوباما" عن أملهم في توسع مشروع مكافحة الفقر ليشمل 20 من مناطق الوعد.. على أن يكتمل هذا المشروع عند مغادرة الرئيس أوباما البيت الأبيض لدى انتهاء ولايته... الأخيرة بطبيعة الحال.