«قنبلة زمنية» موقوتة باتت تهدد «الصين». صحيح أن البلد الآسيوي الكبير مازال ناشطاً في إنجاز خطواته الحثيثة قُدماً على درب التقدم والنهوض الاقتصادي، ولدرجة أن أصبح مصنَّفاً في خانة الاقتصاد العالمي في خانة "الثاني" بعد الاقتصاد "الأميركي"، وأحياناً تقفز "بيجين" الصينية إلى المرتبة رقم "واحد" من حيث حجم إنتاج السلع الاستهلاكية من جهة فضلاً عن انخفاض أسعارها من جهة أخرى.

قنبلة ديمغرافية

وصحيح أن "الصين" بلغت من ديناميكية التصنيع والانفتاح الخارجي الحدّ الذي جعلها في مقدمة المستثمرين على مستوى القارة الإفريقية، يستوي في ذلك مجالات الزراعة ومشاريع الصناعة ومخططات التبادل التجاري وما في حكمها.

وحتى في المجال العسكري.. فالصين أصبح لديها بالطبع صواريخ عابرة للقارات وهي تتطلع موضوعياً وتقنياً إلى ارتياد أجواز الفضاء الخارجي- ناهيك عن امتلاكها القنبلة الذرية.

لماذا بعد ذلك تأتي الخشية من قنبلة زمنية موقوتة تهدد "الصين" في الحاضر وفي المستقبل؟

لأنها ليست قنبلة عسكرية ولا جهازاً مدمراً للمنشآت أو الممتلكات: هي قنبلة "ديمغرافية" كما يصفها الاختصاصيون.

زيادة المعمرين

وقد عبّرت عنها جريدة "الغارديان" البريطانية في مبحث متخصص نشرته مؤخراً تحت العنوان التالي: الصين تواجه "قنبلة زمنية" تتمثل في زيادة تقدم السكان في السن لدرجة الشيخوخة.

بعدها أردفت "الغارديان" تفسيراً موجزاً لهذا العنوان وقالت فيه:

إن معدل الأجل منذ الميلاد.. بمعنى المعدل المتوقع للبقاء على قيد الحياة في حال من الارتفاع بين صفوف سكان "الصين" وهو ما يزيد من عدد الذين يبلغون سن الشيخوخة.. وفي نفس الوقت يجنح حجم الشباب وصغار السن بين سكان "الصين" إلى التناقص باستمرار.

والمعنى بداهة هو: شيخوخة أكثر وشباب أقل..

وسبب ازدياد الشيخوخة يرجع إلى ارتفاع مستوى الرعاية الصحية المتاحة لجموع السكان في الريف والحضر على السواء.

وسبب انكماش الشباب يرجع في المقابل إلى الفترات الطويلة التي ظلت فيها "الصين" تطبق بكل صرامة بوليسية في بعض الأحيان سياسة" طفل واحد- وحيد فقط لا غير" للأسرة الصينية الواحدة.

عام 2050

وبالأرقام: كانت الصين تضم في عام 2009 أكثر من 167 مليون مواطن ممن تجاوزوا سن الستين وبمعنى أن نسبة الثُمْن ( 8/1) من سكانها كانوا قد بلغوا سن التقاعد بل وما فوقها بكثير.

هنا يبادر الاختصاصيون إلى ممارسة قاعدة الإسقاطات التي تتنبأ باستخدام علم الرياضيات بما يمكن أن تؤول إليها الأحوال.

هنا أيضاً يتوقع أهل الاختصاص أن يشهد عام 2050 للميلاد وجود ما يصل إلى نحو نصف مليار مواطن صيني (480 مليون نسمة إن شئت الدقة) وقد تجاوز الستين من العمر ومن ثم خرجوا من إطار النشاط المعهود والمطلوب في العمل والجهد والإنتاج.

في هذا السياق أيضاً يذهب عالِم السكانيات "وانغ فنغ" في مركز "تسنغو" المشترك مع مؤسسة "بروكنغز" الأميركية للبحوث، ومقره في العاصمة الصينية "بيجين"، إلى أن ملايين العمال والمنتجين (من ذكور وإناث) وهم صانعو معجزة الإنتاج والاقتصاد الصيني التي ألمحنا إليها.. سواء من حيث حجمهم العددي ومن حيث انخفاض أجورهم ثم من حيث دأبهم وسلوكياتهم الجادة إلى حيث الصرامة هذه الملايين تقدمت في السن إلى الستينات والسبعينات وربما أكثر من العمر.. وهي في وضع الإحالة إلى التقاعد أو الاستيداع كما قد يقال.

حالة فريدة

 

صحيح أن أقطاراً أخرى في الشرق وفي الغرب الأوروبي أصبحت تهددها ظاهرة "شيوخة السكان" كما يسميها أهل الاختصاص الديمغرافي. لكن القضية هي أن "الصين" بدأت تواجه المشكلة قبل أن يكتمل نموها كي تصنَّف بحق وعن جدارة في عِداد الدول المتقدمة في عالمنا. وعلى حد قول الخبير الاقتصادي "وانغ ديوين" اختصاصي الشؤون الصينية في "البنك الدولي":

- الصين حالة فريدة: أصبحت أكبر سناً قبل أن تصبح أكثر ثراءً.

من هنا تُعقد آمال كثيرة على تحول الشأن الصيني عن سياسة الطفل الواحد في الأسرة الواحدة، وبمعنى تخفيف القيود المفروضة على الأسرة الشابة كي تنجب أكثر من هذا الطفل الوحيد.

من هنا أيضاً ترهن أوساط شتى على خطة التنمية الخمسية الجديدة في "الصين" لأنها تنطوي على إشارات بالتشجيع على زيادة الخصوبة ومما قد يزيد عدد الموالىد ومن ثم زيادة عدد الشباب القادرين على العمل.. وربما يصل الأمر يوماً في المستقبل إلى أن يفتح التنين الصيني أبواب بلاده أمام تدفق المهاجرين إليها من أجيال الشباب وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخها الطويل.