تلك كانت العبرة المباشرة والبسيطة من رحيل الزعيم الإفريقي التاريخي نيلسون مانديلا الذي طالما ملأ الدنيا وشغل الناس. وخاصة بعد خروجه من سجن العنصريين البيض، ثم توليه مقالىد الأمور، رئيساً- أول رئيس ملون لدولة "جنوب إفريقيا" بعد أن تحررت، كما هو معروف من حكم المستوطنين ذوي البشرة البيضاء الذين فرضوا- كما هو معروف أيضاً- نظام الفصل العنصري المعروف باسم "الأبارثيد".

درب الحرية

رحل "مانديلا"- التراث.. وهو تراث طويل بدأ بالنضال ضد السطوة العنصرية- والاستغلال الاستيطاني، ثم تحّول سلوكه إلى صمود- شبه أسطوري خلال محنة السجن التي أربت على ربع قرن من عمر الزمان.. بل هي بالأدق من عمر الإنسان. وبعدها انفتح الطريق إلى تذوق ثمار هذا الكفاح الطويل على درب الحرية على نحو ما وصفه "مانديلا" في سيرته الذاتية التي نشرت في الفترة القريبة الماضية.

وفيما كان، ويظل "مانديلا" "ماديبا" كما كان قومه ينادونه- رمزاً للنضال المرير والصبر الكفاحي الطويل في بلاده، فقد كان الرجل من أقرب رفاق الطريق إلى المناضلين الفلسطينيين في مسيرتهم الصعبة والطويلة لتحرير وطنهم وتخليص مقدراته من براثن نظام الاستيطان الاستعماري الصهيوني الذي فرضته الإمبريالىة العالمية المعاصرة تحت اسم "إسرائيل".

رفيق النضال

صحيح أن "مانديلا" لم يشأ أن يقحم نفسه كثيراً في صراعات الآخرين على نحو ما كتب مؤخراً الصحافي "ن كونوللي" مراسل الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) في الشرق الأوسط. لكن الصحيح أيضاً أن قادة "منظمة التحرير" ظلوا يعتبرون "مانديلا" خلال سنوات حبسه الطويلة- رفيقاً في النضال ومن منطلق تقارب القضايا، حيث كان كل من الطرفيْن الإفريقي والعربي يناضل ضد عدوّين تجمع بينهما أوجه تشابه عديدة بل كانت واضحة للعيان:

تعاون مشترك

لم يكن مصادفة إذن أن تكون "إسرائيل" طرفاً داعماً وصوتاً مؤيداً للنظام العنصري الأبيض في "جنوب إفريقيا"، رغم أن أصبح النظام المذكور منبوذاً على مدار السنوات الثلاثين الفاصلة بين 1960 عام استقلال إفريقيا و1992 عام إنهاء النظام العنصري في "جوهانسبرج" و"بريتوريا" وسائر أرجاء الجنوب من القارة السوداء.

بل كان هــناك- كما تفــيد مصادر دولية متعددة تعاون بين "إسرائيل" والنظام العنصري ما قبل "مانديلا" في مجالات شتى شمل بعضها مجال الطاقة النووية بكل ما ينطوي على ذلك من أخطار.

شراكة في النضال

من هنا كان ذلك الإحساس بشراكة النضال على مستوى القيادة الفلسطينية والزعامة الوطنية الإفريقية وحين رحل الزعيم "ياسر عرفات" وصفه الزعيم "نيلسون مانديلا" بأنه " كان رمزاً بكل ما تعنيه الكلمة" ثم أضاف "ماديبا" قائلاً:

-كان "ياسر عرفات" أحد أبرز المقاتلين من أجل الحرية في زمانه.. ومن المؤسف أن حلمه وحلم شعبه في دولة فلسطينية لم يجد سبيلاً بعد إلى التحقيق.

في نفس السياق، يلاحظ مراسل الإذاعة البريطانية أن "مانديلا" كان عزوفاً عن زيارة "إسرائيل": لقد تلقى 4 دعوات لهذه الزيارة مما كان يعكس سلوكاً إسرائيلياً من الملاحقة المستمرة والإلحاح المتواصل على مدار عقد التسعينات من القرن الماضي. فقط في عام 1999 قَبِل "مانديلا" الدعوة لزيارة "إسرائيل". لمــــاذا؟ لأن تلك الفترة شهدت خطوات من جانب "إيهود باراك" رئيس وزراء "إسرائيل" وقتها وكأنه أقرب ما يكون إلى تحقيق سلام مع الجانب الفلسطيني.

السلام والاحتلال

وطبعاً لم يتحقق هذا السلام.. وكان على "مانديلا" وقتها أن يطلق تصريحه الشهير الذي قال فيه:

- سوف يظل الحديث عن السلام حديثاً أجوف إن استمرت «إسرائيل» في احتلال الأراضي العربية.

انقضت على هذه الأحداث والأقوال سنوات تكاد الآن تصل إلى 15 عاماً.. ولكنها لا تزال تشهد بأن "مانديلا" كان مناضلاً أصيلاً بكل معنى الكلمة. وأن الإنسان سيرة تعيش عبر الأجيال بعد أن يرحل المرء- في موعده الموقوت والمحتوم.