بعد القفزة التي سبق وحققتها "اليابان" خلال عقود طويلة من القرن العشرين، ظلت الأنباء تترى من "طوكيو" حاملة أخباراً عن سلبيات أعاقت استمرار تطور "اليابان"، فضلاً عن عقبات ومشاكل وأحياناً فضائح- سياسية وسلوكية جعلت الناس يتصورون أن الأحوال في بلاد الشمس المشرقة كما يسمونها يمكن أن تؤول إلى كسوف أو خسوف.
تحول جديد
لكن الآونة الأخيرة جاءت لتشهد تحولاً مجدداً في حركة الاقتصاد الياباني وهو تحوّل إيجابي بكل المقاييس. ومن ذلك مثلاً : صعود سوق الأوراق المالية في "طوكيو" بنسبة 65 في المئة منذ أشهر الخريف الماضي. وفي الربع الثاني من العام الحالي توسع الاقتصاد الياباني بنسبة 3.8 في المئة وهو معدل يعد الأسرع بين سائر دول الاقتصاديات المتقدمة.
مع هذا كله فما زال ثمة شعور سائد في أوساط رجال الأعمال وأرباب الاستثمار في اليابان. وهو يتأرجح ما بين الحماس لما استطاع أن ينجزه رئيس وزراء اليابان "شنزو آبي" في هذا المضمار. وبين هواجس القلق التي ما برحت تنتاب هذه الأوساط لأن الإصلاحات الهيكلية التي وعدت بها حكومات "طوكيو" لم تجد بعد طريقها إلى التنفيذ.
الجمود
مشكلة "اليابان" كما يحاول تشخيصها خبراء الاقتصاد الكلي هي مشكلة "الجمود". بمعني عدم التجاوب مع متغيرات ومتطلبات المراحل والتحديات الراهنة. صحيح أن من صناعات اليابان ما لا يزال قادراً بكفاءة ملحوظة على المنافسة في سوق العالم ومنها مثلاً صناعة السيارات بعد أن فقدت "طوكيو" أسبقيتها التقليدية في صناعة الإلكترونيات إلا أن مرافق الاقتصاد المحلي في "اليابان"....
وكما يقول الكاتب الأميركي المتخصص "ستيفن راتنر" (في مقال منشور بتاريخ 19/10/2011)، أصبحت الآن مكّبلة بقيود تجمع بين تعقيدات البيروقراطية واتباع الأعراف القديمة والإفراط في اتباع اللوائح التي كانوا يقصدون بها تنظيم مسيرة الاقتصاد.
الإصلاحات المطلوبة
الإصلاحيون بحُّت أصواتهم في مطالبة النظام الحاكم حالياً في البلد الآسيوي المذكور كي يفي بوعوده في تنفيذ مصفوفة واسعة النطاق تقضي بإصلاح نظام الاقتصاد الجزئي (مايكرو إيكونومي) ما بين السماح ببيع العقاقير الطبية عبر شبكة الإنترنت إلى زيادة عدد النساء المشاركات إلى قوة العمل في اليابان، وهو ما يستوجب قبل كل شيء توسيع وترشيد نظم رعاية الأطفال، فضلاً عن الأخذ بأسلوب الشركات المساهمة في إدارة وتنشيط الصناعات الزراعية في "اليابان".
لا يعارض رئيس الوزراء "شنزو آبي" هذه القائمة من الإصلاحات المطلوبة.. بلغ من تحمسه إزاءها أن أطلق عليها وصفاً مجازياً هو: السهم الثالث.
لكن المشكلة أن هذا السهم لم يبدأ بعد في الانطلاق ولدرجة أن بات النقاد ينعون علي "اليابان" ما صارت إليه وهي التي طالما كانت عنواناً للنشاط المتواصل والحيوية المتدفقة. ولكن دلت أحدث الإحصاءات علي أن إنتاجية العمالة علي صعيدها سجلت نسبة 71 في المائة فقط من نظيرتها في "الولايات المتحدة" وهو ما يضاهي بلداً أوروبياً يعد متوسط الأداء على نحو أو آخر اسمه "إيطاليا".
شيخوخة السكان
ثم هناك ضرورة لنوع من المكاشفة أو المصارحة التي يطالب البعض بتفعيلها علي الصعيد الوطني.
وأصْل الحكاية أن "اليابان" أصبحت بلداً يعاني من شيخوخة السكان. حيث يزيد الأجل المتوقع للحياة ومن ثم يصل السكان إلى خريف بل وشتاء العمر دون توافر الأعداد اللازمة بل الحيوية من صغار السن- الشباب الذين تتطلبهم عجلة الإنتاج وتنفيذ الخدمات. مع ذلك، فلم تشهد "طوكيو" أي جهود جادة ومبذولة من أجل إصلاح نظم وقوانين الهجرة التي يصفها الكاتب "ستيفن راتنر" بأنها ما زالت تتسم بصرامة استثنائية من حيث القيود التي تكبلها.
رفع الأجور
أما الإيجابية التي لوحظت مؤخراً فهو ما عمد إليه رئيس الوزراء من رفع أجور العاملين في طول البلاد وعرضها، وهو ما أدى إلى توسع المواطنين في شراء واقتناء السلع الكمالية، على عكس سلوك التقشف التقليدي المتعارف عليه عبر أجيال. وهذا التغير في سلوك المستهلكين أعطى دفعة معقولة إلى حركة الاقتصاد. التي ما برحت حتى لا ننسى بانتظار "سهم ثالث" ينطلق لإعادة "اليابان" إلى مكانة كانت تتمتع بها في سالف الأيام.
