أجرومية علم الاقتصاد "الأصول" تضم مصطلحاً مألوفاً تعبّر عنه العبارة الإنجليزية "مايكرو كريدت" ويرادفها المصطلح العربي المعتمد في منظومة "الأمم المتحدة" وهو "الائتمانات المتناهية الصغر"، وكلاهما ينصرف بداهة إلى القروض من المبالغ الصغيرة التي تقدم لمساعدة الفقراء وصغار العاملين أو صغار التجار أو المنتجين بالدرجة الأولى.

محمد يونس

وربما يرجع الفضل في تأكيد وتعزيز هذه النوعية من القروض المتناهية الصغر إلى المفكر والمصلح الاقتصادي المسلم البروفيسور "محمد يونس"، وهو المثقف البنغالي الذي فاز منذ سنوات قليلة بجائزة "نوبل" العالمية الرفيعة تكريماً لجهوده الرائدة في إنشاء "بنك الفقراء" الذي حمل عنوان "مصرف غرامين"...

واستطاع من خلاله أن يتحول بجموع المعوزين من مواطني "بنغلاديش" نساء الأرياف بالذات - إلى حياة كريمة بفضل تزويد عملاء البنك المذكور بالقروض الصغيرة لكي يبدأوا بفضلها مشاريعهم. الصغيرة حجماً وتواضعاً، ولكنها أدت إلى انتشالهم من حياة الحرمان إلى معيشة أوفر قدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية بما يكفل الحد الأدنى المطلوب لحياة كريمة وجديرة بالإنسان.

في نيويورك

وإذ كان مألوفاً أن تتجه الدراسات والأحاديث عن "بنك الفقراء" إلى أرياف "بنغلاديش" وغيرها من الدول الأشد فقراً في عالمنا فالجديد هو:

أن تنتقل تجربة قروض تجربة قروض الفقراء والائتمانات المتناهية الصغر إلى أميركا بجلالة قدرها. وإلي مدينة "نيويورك"، وبالذات إلى واحد من أحيائها في ضاحية "كوينز" التي نعرفها من جانبيتنا حق المعرفة ويحمل اسم "اكسون هايتس".

هنالك رصدت الصحافية "شيلا ديوان" تجربة "بنك الفقراء"، من سكان "نيويورك" وهم بالذات من أعضاء الجاليات اللاتينية ممن هاجروا، أو هاجر آباؤهم من قارة أمريكا الجنوبية. وأطلق عليهم المثقفون الأميركان مصطلح "الهسبانك" بمعني ذوي الأصول والثقافة الإسبانية فيما راج مؤخراً مصطلح "اللاتينو" الذي شاع استخدامه على مستوى الشارع الأميركي بشكل عام.

فقط السلوك

هكذا صادفتْهم الكاتبة الأميركية وقد تجمعوا في حشد محدود داخل مكتب يموج بالضجيج بانتظار مناداة اسم كل منهم كي يتسلم الشيك الخاص به. وكان بصحبتهم أطفالهم. ومنهم من كان يلعب على درجات السلالم. ومنهم من كان لا يزال رضيعاً يأوي إلى حِجر الأمهات.

لم يكن ثمة جهاز للحاسوب، ولا آلة حديثة لتسجيل أسماء المستفيدين. قصاراهم أن يسجلوا الأسماء في دفتر عتيق يقوم المستفيدون بالتوقيع علي أهم بنوده- البند الذي يوصي بأن "يتوخى كل منهم أقصى درجات السلوك المالي المسؤول." وبعدها يتسلم الشيك المتواضع الذي لم تكن محتوياته لتزيد عن مبلغ يبدأ من 1500 دولار دون أن يتجاوز حداً أقصى بمبلغ 8 آلاف بحال من الأحوال.

المايكرو كريدت

في هذا السياق كان من أمانة العرض الصحافي أن سجلت الكاتبة "شيلا ديوان" (بنيويورك تايمز، عدد 28/10/2013) حقيقة الريادة التي بدأها الدكتور "محمد يونس في تجربته البنغالية التي ألمحنا إليها، فضلاً عما عرضتْه من إنجازات تلك التجربة الرائدة في تخفيف معاناة الفقراء.

ثم إذا بها توضح لقارئها كيف أن الأزمة المالية التي وقعت منذ عام 2008 بكل ما جلبته من معاناة العسر الاقتصادي، أدت إلى انطلاقة أسلوب "المايكرو كريدت" في "الولايات المتحدة" ذاتها حيث كان طبيعياً، إن لم يكن حتمياً، أن تجتذب آلاف من العملاء ممن لا تنطبق عليهم لا شروط حيازة بطاقات الائتمان، ولا شروط الحصول علي القروض من المصارف بالأساليب المتعارف عليها.

علي هذه الظاهرة الأميركانية المستجدة والكاشفة أيضاً يعلق البروفيسور "وناثان ميردوخ" من جامعة "نيويورك" وقد درس تجربة "بنك غرامين" موضحاً كيف أن هناك أوضاعاً مستترة من عدم المساواة في "أميركا" وأن هذه الحالة يستوي في معاناتها ذوو الدخل المنخفض وأصحاب الدخول المتواضعة علي السواء.