الدستور الأميركي ينص في كثير من مواده وبنوده وخاصة في التعديل الدستوري الرابع على «حماية الخصوصية». لكن هذه الحماية ما برحت مطروحة للبحث والحوار على مدار الفترة الأخيرة. وبالتحديد منذ إعلان عمليات التجسس المنسوبة إلى "وكالة الأمن القومي" في الولايات المتحدة وهي العمليات التي لم تقتصر آثارها على التجسس على مكالمات واتصالات المواطن داخل "أميركا". بل امتدت إلى التصنت على المكالمات والهواتف الشخصية لرؤساء دول أوروبية ــ حليفةً وصديقة، وكان أشهر هذه "الحالات" ما خضع له الهاتف الشخصي للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وفي محاولة إيجابية لاحتواء الضرر، بادر البيت الأبيض إلى تشكيل لجنة استشارية خاصة مُكلفة بدراسة ومراجعة عمليات الوكالة السابقة الذكر، وهي اللجنة التي خلصت كما يقول المحلل الأميركي ديفيد سانجر- إلى التوصية باستمرار برنامج الوكالة في جمع البيانات بشأن كل مكالمة هاتفية تتم في الولايات المتحدة، ولكن في ظل قيود جديدة ومتسعة وتقصد إلى زيادة جوانب الحماية للخصوصية.
في نفس السياق يضيف سانجر- في تحليل نشرته "النيويورك تايمز"، ( عدد 12/12/2013) - موضحاً أن تقرير اللجنة الرئاسية المذكورة يوصي بصياغة وإعلان الخطوات التي تزمع الولايات المتحدة اتخاذها لحماية خصوصية المواطنين الأجانب الذين تتولى "وكالة الأمن القومي جمع معلومات عن سجلات هواتفهم واتصالاتهم عبر شبكة الإنترنت. وتنوي اللجنة الاستشارية أيضاً التوصية بأن يتولى كبار مسؤولي البيت الأبيض، وصولاً إلى رئيس الدولة نفسه، استعراض القوائم التي تضم أسماء الشخصيات والزعماء الأجانب الذين تقوم "وكالة الأمن القومي" برصد اتصالاتهم.
بيد أن "النيويورك تايمز" ما لبثت أن أضافت موضحة أنه رغم اعتذار الرئيس "أوباما" للمستشارة الألمانية "ميركل"، مؤكداً بأن هذا الإجراء قد تم إيقافه، ولن يتم استئنافه بحال من الأحوال. إلا أن الرئيس، والعهدة على مقالة "التايمز" وكاتبها "سانجر"، "أوباما" رفض أن يقطع نفس الوعد بالنسبة للقادة في كل من "المكسيك والبرازيل".
ومن التوصيات المتوقع صدورها عن اللجنة الاستشارية ما يتمثل في أن يُسند إلى البيت الأبيض المسؤولية عن المراجعة الدورية لأنشطة تجميع البيانات من الداخل والخارج ومن ثم إخضاعها لإجراءات فرز وتمحيص وتقييم. أسوة بما هو متّبع في عمليات تقييم الأنشطة السرية التي مابرحت تضطلع بها وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.إيه) وعلى أن تتم هذه المراجعات سنوياً وبانتظام.
ولقد كان طبيعياً أن تبدر شكاوى من "أهل الحرفة" ومؤداها أن اللجنة الاستشارية ربما ذهبت بعيداً من حيث التوصية بتحجيم نشاط جمع المعلومات، التي يقول جامعوها إنها مهمة في حماية الأمن القومي فضلاً عن أهميتها في مقاومة آفة الإرهاب التي مازالت تجتاح مواقع ومرافق شتى في أنحاء العالم الذي نعيش فيه.
يلاحظ في هذا الصدد بالذات أن الاختصاصيين في جمع المعلومات المستقاة من وسائل الاتصال الهاتفية يتطلعون إلى وسيلة يتم التوصل إليها بحيث تحفظ سجلات المكالمات بما يزيد على 18 شهراً وهي القدرة الحالية المتاحة لكبرى شركات الاتصالات المذكورة في العالم. وهنا تحيل دراسة "التايمز" إلى حديث سبق وأدلى به الرئيس "أوباما" إلى إحدى القنوات المتلفزة وأشار فيه إلى أهمية اتّباع "وكالة الأمن القومي لما وصفه بأنه "إجراءات ضبط النفس وتنفيذ إصلاحات من شأنها بث المزيد من الثقة بين الناس".