في مناسبات الوداع ينطلق الحديث من عواطف إنسانية شتى، ما بين لوعة الفراق وروعة الذكرى ومكابدة الحزن العميق ــ ما بالنا والمناسبة كانت وداع رجل عظيم.. اسمه نيلسون مانديلا لم يستمد عظمته من كنوز المال ولا قبضة السلطة ولا اتساع الجاه العريض ـ بل استمدها من سيرة طويلة وحافلة بكل صنوف المعاناة في غمار التصدي لسطوة الظلم وغربان الظلام.

ميراث الزعيم

من هنا كان الحزن على رحيل الزعيم الإفريقي الكبير حزناً عميقاً ونبيلاً وشاملاً لكل أرجاء الكرة الأرضية خلال الفترة القريبة الماضية..

لكن مانديلا لم يكن رجلاً عادياً. كان قائداً لأمة. ورئيساً لدولة وزعيماً لشعب. لكنه كان إنساناً قبل كل شيء. وبمعنى أن كان الرجل عُرضة لأخطاء السلب بقدر ما كان شامخاً من حيث الإيجاب والإنجاز.

من هنا كان التحليل الذي عمدت إلى نشره مؤخراً مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) بعنوان رئيسي لافت هو "الأعمال التي لم يكملها مانديلا". ثم عنوان فرعي أكثر تفصيلاً هو "التركة المنقوصة التي خلّفها الزعيم المؤسس لجنوب إفريقيا".

أحوال البلاد

في هذا السياق يقول التحليل الذي توّصل إليه أكاديمي متخصص في شؤون جنوب إفريقيا- البروفيسور ريان أروين أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك:

- رغم أن سيرة نيلسون مانديلا مازالت تشكّل واحدة من أعظم قصص الحياة في القرن العشرين. ورغم أن الزعيم الإفريقي ناضل بحق في سبيل الحرية والمساواة والتنمية. إلا أن جنوب إفريقيا مازالت تمثّل قصة تنطوي أحوالها وفصولها على الكثير من المشاكل التي مابرحت بانتظار الحلول. واستعرض ريان أوين الصورة في جنوب إفريقيا، على النحو الموجز التالي:

.. معدل البطالة يحوم حول نسبة 30 في المئة (وهو معدل بالغ الخطورة بطبيعة الحال) بينما يعيش ما يقرب من ربع السكان (السود طبعاً) تحت خط الفقر أو قرب هذا الخط المريع إن شئت التدقيق.

وقد نشرت الأمم المتحدة تقريراً في الآونة الأخيرة يكشف عن أن 1.4 مليون من أطفال جنوب إفريقيا مازالوا يعيشون في بيوت تفتقر إلي مياه الشرب النظيفة فيما يعيش 1.7 مليون من أطفال البلد المذكور في عشوائيات محرومة تماماً من كل المرافق الصحية اللازمة أساساً لحياة الإنسان.. هذا فضلاً عن أن ما يقرب من 6 ملايين من أهل البلاد مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية المرتبط بوباء الإيدز اللعين.

بين البيض والسود

تتجلّى مرارة هذه الصورة، بكل أبعادها المؤسية وبكل ظلالها القاتمة، من خلال حقيقة أخرى تفيد بأن شرائح السكان البيض من مواطني جنوب إفريقيا مازالت تعيش في يسر وفي رغد نسبي من العيش على نحو ما كانت عليه أحوالها في ظل نظام "الأبارثيد" الذي فرضته الأقلية البيضاء من أحفاد المستوطنين القادمين من أوروبا.

وهي بالطبع مرحلة ما قبل "مانديلا"، فيما ظلت الأغلبية الإفريقية السمراء من أبناء البلاد متعثرة الخطى خلف هذه المسيرة، حيث يلجأ شبابها إلى التطوع في مواقع الأعمال الخيرية ارتقاباً لفرصة تعيينهم في وظائف ومهن تساعد على العيش الكريم.. وفي هذا السياق تفيد أحدث الإحصاءات أن الثغرة الفاصلة من حيث الدخل المالي بين السود والبيض وصلت إلى 30 ألف دولار سنوياً لصالح البيض بطبيعة الحال.

نصائح الزعيم

تعترف هذه الدراسة بالجهود المضنية والحكمة الفائقة التي تبدّت من جانب "مانديلا" خلال حقبة رئاسته لبلاده على مدار عقد التسعينات. وقتها نجح الزعيم في الحيلولة دون أن تتحول عقود السيطرة البيضاء والقهر والفصل العنصري إلى مراجل تغلي بالغضب وتؤذن بالانفجار. وفي غضون تلك الفترة ظلت كلمات الزعيم ماثلة في وجدان بني قومه السود كي يتذرعوا بالصبر والثبات وهم يدرجون على طريق التحرر والتنمية..

فيما ظل ينصح البيض بعدم مغادرة البلاد ومواصلة المشاركة في تنميتها. لكن السنوات التي طالت وتدهورت خلالها صحة "مانديلا" اثر تخليه عن مقعد الرئاسة. ناهيك بمن جاء بعده من رؤساء لم يحسنوا إدارة البلاد ومنهم من شابت حقبته آفة الفساد الإداري والمالي. وهو ما أعاق المسيرة الجسورة والبنّاءة التي قاد الزعيم التاريخي خطواتها الأولى على طريق طويل طويل.

إنجازات.. ولكن

صحيح أن إنهاء فترة "الأبارثيد" العنصرية المقيتة وبعدها رئاسة "مانديلا" شهدت إنجازات لا سبيل إلى إنكارها على نحو ما تسجله "النيويورك تايمز" «في تحليل نشرته ليديا بولغرين وماركوس مابري» في مجالات تجمع بين المزيد من إسكان الفقراء وإدخال الكهرباء والتوسع في التعليم.. إلا أن "هذه الأمة التي أعاد مانديلا صياغتها. مازالت المساواة على صعيدها عسيراً".

في كل حال.. فالواقع الجنوب إفريقي مازال يقول بكل بلاغة المشهد المفعم بالأسى على رحيل نيلسون مانديلا..

- وداعاً للزعيم الذي كافح بكل جسارة وقاد البلاد بكل جدارة واجتهد بكل مقدرة وإخلاص، لكن المسيرة مازالت بحاجة إلى المزيد من الجهد والعمل إلى أن تتحقق الغايات التي كان يستهدفها.. والدرس المستفاد هو: كان "ماديبا" إنساناً عظيماً.. لكنه كان إنساناً قبل كل شيء.