«روسيا اليوم» بدلاً من «نوفوستي» . هذا هو التغيير الذي طرأ مؤخراً على المشهد الإعلامي في موسكو، المصادر العليمة في العاصمة الروسية أفادت بأن التغيير تمّ في غمار الأزمة السياسية المحتدمة حالياً في أوكرانيا وبأنه جاء ليصدر عن رؤية مازال يتبناها قصر الحكم في "الكرملين" ومؤداها أن ثمة مؤامرات تحاك ضد روسيا ومكانتها في العالم على نحو ما يلاحظه مراقبو الشأن الروسي من خلال تصريحات وقرارات الرئيس فلاديمير بوتين..

ومنها قراره الحاسم بإنهاء عمل وكالة نوفوستي للأنباء لتحل محلها كما أسلفنا وكالة "روسيا اليوم" التي يلاحظ المراقبون السياسيون الأميركيون أن رئيسها ديمتري كيسليوف يعدّ من أشد مؤيدي الرئيس بوتين الذي لم يلق قراره بشأن "نوفوستي" ترحيباً في بعض أوساط المثقفين والسياسيين في بلاده، ولدرجة أن هناك من وصفه بأنه "بوتين الثاني" في إشارة واضحة إلى حوليات التاريخ الروسي التي شهدت حكم القياصرة من أسرة رومانوف وكان آخر أباطرتها يحمل لقب نيكولاي الثاني (1868- 1918).

مدفيديف الليبرالي

من الصحافيين الأميركان من كتب أيضاً في "رثاء" وكالة "نوفوستي" وعمد إلى وصفها بأنها كانت ــ رغم سطوة الدولة الروسية ــ البوتينية كما قد نسميها ــ أقرب إلى نهج التحرر، حيث كانت تعكس النهج الليبرالي لديمتري مدفيديف رئيس الدولة السابق ورئيس الحكومة الحالي وهنا تحرص الصحافة الأميركية على إضفاء صفات بالغة الإيجابية على مدفيديف ومن ذلك مثلاً أنه كان يواصل السعي نحو تحديث الاقتصاد الروسي ومكافحة الفساد وإصلاح هيئات وأساليب إنفاذ القانون.

لا يفوت الأوساط الأميركية أيضاً ملاحظة أن رئيس وكالة "روسيا اليوم" معروف بعدائه الشديد للولايات المتحدة. فيما عمدت هذه الأوساط إلى التذكير بأن بوتين مابرح يضمر خصومة ضد "نوفوستي" التي سبق وأن نشرت على نطاق واسع وبارز أخباراً عما وصفته بالاحتجاجات الجماهيرية ضد إعلان بوتين عن ترشيح نفسه من أجل العودة إلى منصب رئاسة البلاد مرة أخرى في عام 2012.

هجوم على الكرملين

في هذا الصدد أيضاً يشير مراقبو الشأن الروسي ومنهم مثلاً سيرجي شميمان الذي ينشر تحليلاته في الصحف الأميركية إلى ما تنشره في الآونة الأخيرة بعض المطبوعات الروسية المتميزة ومنها مثلاً ما ذكرته جريدة «فيدوموستي» اليومية المعنية بشؤون المال والأعمال في افتتاحيتها التي قالت فيها:

- "إن الكرملين بات يعترف بأنه خسر المجتمع المتعلم وأنه بات مفتقراً إلى السبل وأيضاً إل» الإرادة المفضية إلى إجراء حوار بشأن القيم الثقافية. ومن ثم فقد عمد بدلاً من ذلك إلى فرض الأيديولوجية بدلاً من الثقافة وفرض البروباجندا الدعائية بدلاً من الأخبار والمعلومات..".

أحداث أوكرانيا

وكان طبيعياً أن تركّز الأوساط الإعلامية الأميركية على أحداث أوكرانيا. باعتبارها تجسيداً حياً وبليغاً للتنافس - إن لم نقل الصراع المحتدم- بين القوى التي تؤيد مواصلة الارتباط بموسكو والاتحاد الروسي ورابطة (كومنولث) الدول المستقلة..

وهي قوى ما بعد الوجود السوفييتي السابق- وبين نظيرتها من القوى التي باتت تتطلع إلى مزيد من التوجّه والتواصل مع الاتحاد الأوروبي ومنها بطبيعة الحال قوى شعبية جديدة ـ الشباب بالذات ــ ممن تأثروا ولاشك بما حققته أوروبا الغربية وحلفاؤها الأميركان من إنجازات أو اختراقات أقرب موضوعياً إلى الفتوحات في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وهو ما كان له، ولايزال له، بالغ التأثير على أجيال الشباب الطالع في مناطق ما بعد الحقبة السوفييتية، بل وفي سائر أرجاء العالم.

رموز الماضي

فضلاً، عما تراه هذه الأجيال - السلافية كما قد نسميها- من أن شخصيات مثل الرئيس بوتين والدوائر المؤيدة له عبر اختلاف المواقع والمناصب هي رموز تنتمي بحكم السن والخبرة والتكوين إلى ماضٍ أفلحت ميديا الغرب في إحاطته بعوامل الرفض والتبغيض ومازالت تواصل جهودها في هذا المضمار.. ولدرجة أن تورد الصحافة الأميركية وصفاً لأسلوب الحكم في "كرملين- بوتين" الحالي فتلخصه في العبارة التالية:

-إنه حكم بالبارانويا «بمعنى حكم يجمع بين عقدة العظمة وجنون الاضطهاد».