موازين القوى العالمية تتغير

بوتين يسعى لاستعادة مكانة روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين البيان

صحيح أن دهاقنة السياسة الخارجية في أميركا مازالوا يتابعون باستمرار تطورات الأحداث التي تشهدها أوكرانيا ولاسيما الاحتجاجات الجماهيرية على عدم توقيع حكومتها اتفاقية مهمة مع الاتحاد الأوروبي.

لكن الأصح ــ وهو ما رصدناه في أميركا خلال زيارتنا الأخيرة التي استغرقت شهر نوفمبر الماضي أن خبراء السياسة الخارجية الأميركية يولون اهتمامهم أكثر بتطورات ومن ثم مآلات العلاقة الراهنة بشكل عام بين روسيا وجاراتها في أقاليم القوقاز والبحر الأسود وشبه جزيرة القرم.

الانهيار السوفييتي

ذلك لأن الأمر بات يختلف عما شهده عقد التسعينات من القرن العشرين.. يومها أجهزت إدارة ميخائيل غورباتشوف على الأعمدة التأسيسية للكيان الذي كان يحمل اسم الاتحاد السوفييتي. وعلى مدار العقد الأخير من القرن كان بوسع واشنطن أن تزهو وتحتفل بانتصارها في الحرب الباردة التي كانت قد بدأت منذ أواخر أربعينات القرن وخاصة بعد أن تهاوى نفوذ الغريم الروسي سواء بسقوط النظرية "الماركسية ـ الشيوعية" أو بزوال "الاتحاد السوفييتي" نفسه.

يومها كان من حق الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش- الأب أن يرفع عقيرته قائلاً: نحن على أعتاب نظام دولي جديد.

وكان المفهوم أن النظام المستجد إياه سيكون هو نظام القطب الأوحد الذي يحمل بداهة اسم الولايات المتحدة الأميركية.

الدول المستقلة

لكن عند مغيب التسعينات استجد على مسرح السياسة الروسية عامل جديد اسمه فلاديمير بوتين الذي تهيأ لدخول قصر الحكم في الكرملين رئيساً لما أصبح يعرف باسم الاتحاد الروسي ومن ثم مهيمناً بصورة أو بآخرى على كيان أوسع دخل عالم السياسة في القرن الواحد والعشرين تحت اسم جديد بدوره وهو: رابطة (كومنولث) الدول المستقلة.

وهذه الرابطة ضمت بداهة روسيا وجاراتها الحليفات ممن كانوا من العناصر التي كانت تُشكّل دولة الاتحاد السوفييتي في سالف الأيام.

لكن ها هي الأمور تتطور سلباً في أوكرانيا، وهي من أكبر وأهم عناصر هذه الرابطة التي تتمتع فيها روسيا بالمرتبة الأولى: رفضت حكومتها توقيع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي.

وجاء هذا الرفض بمثابة نقطة إنجاز لصالح الكرملين الروسي وثمرة للضغوط التي مارسها بوتين. لكن المرصد السياسي الأميركي له رأي آخر عبرت عنه جريدة "الواشنطن بوست" (عدد 29 نوفمبر) قائلة: إن علاقات موسكو بجيرانها ظلت عند منحدر على مدار سنوات عديدة دون أن تبدي إشارات تنبئ بأي تحسن.

استعادة النفوذ

وعلى مستوى التفصيل تنقل الجريدة الأميركية عن مكتبها في العاصمة "موسكو" حقيقة هذه التوترات التي ما برحت تصيب هذه العلاقات بين "روسيا" وأطراف في "الاتحاد الأوروبي" منها مثلاً ألمانيا وبولندا وهولندا وليتوانيا (جمهورية البلطيق الصغيرة) وذلك منذ أن عاد فلاديمير بوتين رئيساً لروسيا في عام 2012.

هذا التحليل يغمز ــ كما يقول بلغاء العرب ــ من قناة بوتين شخصياً.. لماذا؟ لأنه ما برح يسعى إلى استعادة نفوذ روسيا السابق بالنسبة لجيرانها من الدول التي كانت ذات يوم بمثابة نيازك أو توابع تدور في فلك النجم السوفييتي علي مدار سنوات خلت من القرن العشرين.

انشقاق وتوتر

لكن، عجلة التمرد على هيمنة «موسكوــ بوتين» لا تزال تدور: وبالإضافة إلى ما تشهده أوكرانيا من احتجاجات. فمازال هناك أطراف ــ سوفييتية سابقاً ــ تستعد لتوقيع اتفاقات اقتصادية مع "الاتحاد الأوروبي ويأتي في مقدمتها ــ كما تضيف الواشنطن بوست ــ كل من ملدوفا وجورجيا.

وبديهي أن أي انشقاق أو توتر على الجبهة الروسية أمر يسعد الطرف الأميركي الذي مازال قادته ينظرون بعين الريبة والتوجس إزاء جهود بوتين في محاولة استعادة موسكو مكانتها لا على صعيد منطقتها الإقليمية المباشرة وحسب ولكن أيضاً على صعيد مناطق أخرى. في مقدمتها بالطبع العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

ولا يزال السجال مستمراً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات