قارة أنتاركتيكا.. إمبراطورية البطريق

القطب الجنوبي محمية طبيعية عملاقة

اسمها "أنتاركتيكا" . يأتي ترتيبها رقم خمسة بعد القارات الأربع المعروفة في الكرة الأرضية. وتغطي منطقة مساحتها القطب المتجمد الجنوبي للأرض وتغطيها الثلوج علي مدار العام كله حيث تنخفض درجة "الحرارة" إلي 57 مئوية تحت الصفر.

كان أول من ارتادها هو المكتشف "روالد أموندسن" الذي وصل إلي القطب الجنوبي لأول مرة في التاريخ يوم 14 ديسمبر عام 1911 فيما كان "ريتشارد بيرد" هو أول من حلق بالطائرة فوق "أنتاركتيكا" يوم 29 نوفمبر 1929. أما أهم الأحداث الدولية التي ارتبطت بهذه المنطقة القطبية الجنوبية فيتمثل في توقيع "معاهدة أنتاركتيكا" في عام 1959 التي تحظر العمليات العسكرية علي أرضها فيما تحظر أي تفجيرات نووية أو التخلص من النفايات المشعّة في تربتها.

إمبراطورية البطريق

في الفترة القريبة الماضيةا تسامع الناس بالقارة المتجمدة المذكورة.. وكان السبب هو صدور كتاب يحمل عنواناً لافتاً للنظر وهو: إمبراطورية أنتاركتيكا.

وقبل أن يتملكنا العجب إزاء هذه التسمية التي اختارها مؤلف الكتاب المذكور "فن فرانسيس"، نبادر فنقول إن المؤلف استخدم لفظة "إمبراطورية" نسبة إلى سلالة البطريق وهي فصائل طائر "البنغوين" التي يحمل الفرد منها وصف "إمبراطور"..

وهي التي تعيش بأعداد غفيرة وسط ثلوج القارة المتجمدة الجنوبية التي أقام فيها الطبيب "جيفن فرانسيس" علي مدار 14 شهراً أمضاها في حال من الوحدة والتأمل بعد تخرجه من كلية الطب في "أدنبرة- اسكوتلندا" ثم راق له أن يعيش كما يقول عنوان كتابه أيضاً- وسط الثلوج وتحت غلالة الصمت المطبق بالطبع على أرجاء المكان.. رغم أنه أمضى فترة إقامته تلك في محطة "هالي للبحوث" وهي مركز بريطاني لدراسة أحوال القطب الجنوبي.

والحاصل أن تركزت جهود الطبيب الشاب في علاج العاملين بالمحطة المذكورة وعددهم 13 فرداً، حيث تمثلت أولى خطوات العلاج في تدريبهم على قواعد الإسعافات الأولية. وإن كان الدكتور المحترم قد أوكل إليه شأن الزملاء- التخلي مؤقتاً عن مهنة الطب من أجل أداء مهام أخرى لا تقل خطورة ومنها مثلاً جمع النفايات وشق المسالك واستخراج كتل الجليد اللازم تذويبها أو صهرها للحصول علي مياه الشرب اللازمة لاستمرار الحياة.

بين التحرير والسجن

من هنا، يعترف الطبيب المذكور أن القاعدة البحثية ما لبثت أن تحولت، من خلال هذه الجهود والممارسات إلي ساحة للتفاعل الاجتماعي بين أفرادها. ما جعله يصفها بأنها أصبحت "موقعاً متناقضاً يحرر البشر بقدر ما يسجنهم أيضاً". ولما كان الدكتور "فرانسيس" قد جاء إلي أقصي جنوب العالم المعمور لينشد السكينة والانفراد وراحة البال.

. فقد أدرك أن عليه الهرب بحثاً عن مزيد من العزلة أو الوحدة بعيداً عن التفاعلات اليومية التي كانت تشهدها قاعدة البحوث. ولذلك فقد آثر أن يشق طريقه في كل يوم من خلال التزلج علي جليد القارة الجنوبية جيئةً وذهاباً..

متمتعاً على طريقته بالهواء المنعش النقي البارد، ومتوحداً، كما أراد واختار، مع الثنائي الذي يتألف من "طبقات الثلوج وأجواز السموات". علي أنه لم يجد بأساً خلال هذه التجربة الغريبة كما نراها من أن يستعيد حكايات وذكريات الرواد الذين سبقوا إلي اكتشاف "أنتاركتيكا" والإقامة علي سطحها. وتعريف العالم الخارجي بمعالمها ومواقعها.

قوة التحمل

وبالإضافة إلي هذه القصص العلمية والإنسانية أيضاً كان يحلو للطبيب، الوافد طوعاً من أصقاع الشمال الأوروبي، أن يخلو إلي أسراب طائر "البطريق" من فصيلة "الإمبراطور" كما ألمحنا وهي فصائل الطيور الوحيدة القادرة علي العيش والتناسل فوق صفائح الجليد المنبسط منذ الأزل.

وهنا يعترف مؤلف الكتاب الذي ذكرناه أنه منذ طفولته كان مسحوراً بهذه الطيور التي يصفها بأنها "سادة التحّمل" بعد أن طالعها لأول مرة في حديقة الحيوان في "أدنبرة"، مدينته الأم، فما بالنا وقد تعلّم كيف أن هذه الفصائل تستطيع تحمّل مكاره العواصف العاتية والأعاصير المدمرة، وقد تسلم نفسها إلي حالة من السكون والبيات طيلة مواسم الشتاء الرهيبة البرودة، وبعدها.. ت

حل فصول الربيع والصيف في القارة المتجمدة حيث الدفء النسبي بطبيعة الحال، وحيث يعيش "أباطرة البنغوين" في مستعمرات يمكن بفضل هذه القدرة على التحمل والصمود أن تحمل وصف "إمبراطوريات" إلى حد ليس بالقليل.

 حكاية مسؤول مفصول من البيت الأبيض

 اسمه "جوفي جوزيف". وظيفته، أو "كانت" وظيفته، هي مدير إدارة منع الانتشار النووي في "مجلس الأمن القومي" بالبيت الأبيض في واشنطن.

آخر أخباره كما أشارت إليها صحيفة "الغارديان" البريطانية (عدد 23/10/2013) تتمثل في صدور قرار رئاسي بفصله من منصبه الرفيع.

تهمته: توجيه إهانات مسيئة إلى كبار الشخصيات من أركان إدارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما".

هذه الإهانات تم توجيهها عبر رسائل التغريد (التويتر) التي ظل مرسلها غير معروف إلى أن كشفت التحقيقات الجنائية والإلكترونية عن أن الصوت الذي يكمن وراء تغريدة منها كان صوت السيد "جوزيف". الذي ما إن بدأ التغريد حتى انتهى به المآل إلى الاستبعاد من الموقع الرئاسي الخطير.

والموقع الخطير استمد المزيد من أهميته بحكم ما كان من مشاركة شاغله المذكور أعلاه في مراحل التفاوض التي تمت بخصوص قضايا النشاط النووي لإيران. وإن كانت القضية قد اتسعت أيضاً بحكم ما دأب عليه السيد "جوزيف" من تدبيج رسائله وتغريداته الإلكترونية التي طالما شملت إهانات شخصية موجهة إلي كبار المسئولين..

وعلي مدار عامين كاملين، فيما ظل يتيه في التغريدات المذكورة عجباً بقدراته ومؤهلاته، واصفاً نفسه بأنه "مراقب دقيق وحصيف" لما يدور على مسرح السياسة الخارجية والأمن القومي. وكانت تغريداته لا تفرّق أحياناً بين شخصيات المعارضة الجمهورية وشخصيات الإدارة الديمقراطية التي كان يعمل لحسابها في المقر الرئاسي:

هكذا كان يهاجم "سارة بالين" المرشحة الرئاسية السابقة من الحزب الجمهوري ويلصق بأسرتها لفظة النفايات، فيما كان يهاجم أيضاً "هيلاري كلينتون"، وخاصة في ما يتعلق بما يسميه "تهربها أو تملصها من تحمل المسؤولية عن اغتيال السفير الأميركي الأسبق في ليبيا".

مع ذلك كله.. فالمتصور أن "جوفي جوزيف" وقع في شر أعماله أو بالأدق شر تغريداته عندما وجه جانباً من هجومه أو إهاناته إلي أهل الصحافة والإعلام، ومنهم مثلاً الصحافي "جوش روغن" مندوب مجلة "دايلي بيست" الذي قال عنه الموظف الكبير في البيت الأبيض:

- إن ثمة شعوراً يراودني بأن هناك الكثيرين ممن يودون أن يوجّهوا لكماتهم إلي وجه الصحفي "جـوش روغن".

ويبدو أن مثل هذه التغريدات هي التي آذنت بالنهاية الوظيفية لصاحبها، ولم يكن مصادفة أن خبر فصله من وظيفته تم نشره وترويجه علي صفحات مجلة "دايلي بيست" السابقة الذكر، وبقلم مندوبها ""جـوش روغن" الذي أراد أن يثأر فيما يبدو من حكاية توجيه اللكمات.

يبلغ "جوفي جوزيف" الأربعين من العمر. وقد أكد البيت الأبيض خبر استبعاده من وظيفته رغم أهميتها في وقت يشهد الجهود الراهنة في التعامل من جانب أميركا والغرب الأوروبي بصفة عامة مع الشأن الإيراني الذي كان صاحبنا واحداً من المسؤولين عنه في "مجلس الأمن القومي" في "واشنطن".

يسترعي الانتباه أن السيد "جـوزيف" نفسه أعرب لمصادر إعلامية شتى عن أسفه العميق، إن لم يكن ندمه، علي ما أطلقه علي حسابه الإلكتروني من سهام الإهانة بحق الآخرين. من هنا نشر تغريدة جديدة يقول فيها إن ما بدأ بوصفه تعليقات ساخرة إزاء الثقافة السائدة في واشنطن ما لبث أن تحّول مع الوقت إلى سلسلة من التعليقات النابية والمهينة. وأنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الفعل. واعتذر لكل من وجهت إليه الإهانة. وهكذا كان الاعتذار ولكن طبعاً بعد فوات الأوان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات