نفد الصبر وفرضت الأوضاع ضروراتها. هذا هو لسان الحال في بلد صغير وادع من أقطار أميركا اللاتينية اسمه إكوادور. ظلت عاصمته كيتو تشهد طيلة الأشهر الماضية تظاهرات واعتصامات واحتجاجات كانت في مجملها ترفع شعاراً يقول:

- لا تسمحوا بالتنقيب عن البترول في "ياسوني".

لكنهم سمحوا للأسف بالتنقيب عن البترول في "ياسوني".

حماة البيئة

كانت خطوة أرسلت سحابات من القلق بل والحزن في أفئدة أنصار البيئة وحماة التوازن الأيكولوجي والحادبين على سلامة ونوعية الحياة فوق كوكب الأرض.. لماذا؟.

. لأن "ياسوني" هي منطقة الغابات المطيرة في "إكوادور" الغابات الباسقة التي تغطي حوض نهر "الأمازون" ويصفها أنصار البيئة بأنها تكاد تمثل رئة كوكبنا بحكم ما يصدر عنها من كمية الأوكسجين اللازم لاستمرار الحياة، هذا فضلاً عما تتميز به "ياسوني" من تنوع الحياة البرية، وهي ميزة أصبحت مهددة بالخطر باعتبار أن الأنشطة الصناعية المرتقبة كفيلة بأن تصل بأنواع وفصائل حيوانية ونباتية إلى مصير الاندثار والانقراض.

مبادرة دولية

ذوالحق أن ولاة الأمور في البلد اللاتيني الصغير لم يقصروا في حماية، بالأدق في محاولة حماية "ياسوني": في سنة 2007 أعلنوا عن مبادرة دولية تهدف لحماية هذه المنطقة الحافلة بالأدغال والأحراش والغابات.. طلبوا مبلغاً ليس بالجسيم وقوامه 3.6 مليارات دولار بما يكفل هذه الحماية، فضلاً عن تلبية ضرورات التنمية البديلة..

لكنهم لم يحصلوا سوى على كسر ضئيل من المبلغ المطلوب، ولأن فقراء البلد أصبحوا في حاجة أكثر من ماسّة إلى مشاريع للتنمية ومحاربة آفة المسغبة وتردي الأحوال المعيشية التي يكابدون، ولأن رئيس الإكوادور رافائيل كورييا..

يستند في شعبيته الواسعة إلى تأييد ورضا جموع الفقراء والكادحين في بلاده، هذا فضلاً عما تتطلبه الأحوال من مصادر التمويل السخية من أجل الإنفاق على المشاريع التي يحرص "كورييا" على تنفيذها لصالح أوسع القواعد الشعبية في بلاده، وخاصة في ميادين الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية فضلاً عن مشاريع البنية الأساسية التي تمسّ الحاجة إليها لهذا كله..

وكما توضح "الغارديان" البريطانية (عدد 4/10/2013) كان لابد من السماح بالتنقيب عن البترول كمصدر متوقع للموارد المالية المطلوبة، حتى ولو كان ذلك في منطقة "ياسوني" المذكورة أعلاه.

شرط البرلمان

ذويذكر أن المشروع المرتقب سوف يشكل أكبر حقل للبترول في هذه المنطقة وإن كانت الجمعية الوطنية (البرلمان) قد اشترطت ألا يترتب على هذا النشاط الاستخراجي والصناعي سوى أقل وأخّف الآثار سواء بالنسبة للبيئة أو بالنسبة للقبائل التي تقطن المنطقة من شعوب السكان الأصليين.

ذورغم هذه التحوطات، إلا أن المشروع لايزال يواجه مع بدايته باحتجاجات واعتراضات، سواء من جانب جماعات "الخُضر" أو حتى من منظمات منبثقة عن تلك الشعوب الأصلية، ولدرجة أن جمعوا حتى الآن 680 ألف احتجاج موّقع من المواطنين يدعو إلى إجراء استفتاء شعبي عام بشأن إجراءات التنقيب البترولي المقترح.

هروب الاستثمارات

ذوفيما يتوقف المحللون السياسيون عند وضعية "إكوادور" ذاتها باعتبار أنها عضو محترم في منظمة الأقطار المصدّرة للبترول (أوبك) وهو ما يضفي على اقتصادها ومواردها مكانة عالمية لا سبيل إلى إنكارها.. إلا أن مشكلة "إكوادور" ..

وهي أصغر أعضاء الأوبك تتمثل في أن ناتجها البترولي مازال يعاني من الركود منذ عام 2010 حين فرضت على المستثمرين عقوداً رأوها أقل ربحية.. وخيّرتهم بين توقيع هذه العقود أو مغادرة البلاد، فما كان منهم إلا أن أقروا الخيار الثاني ومنذ ذلك الحين تضيف "الغارديان"- لم تقم شركات البترول بتوظيف استثمارات في مجال الاستكشاف.

ذمن هنا عهدت الحكومة إلى شركة "بترو أمازونا" التابعة لها بمهمة استخراج المعدن النفيس من موقعين في منطقة "ياسوني" إياها حيث ثبت وجود ما يعادل 800 مليون برميل من النفط الخام، ومن ثم فمن المتوقع أن يصل معدل الإنتاج إلى 225 ألف برميل يومياً، علماً أن معدل إنتاج "إكوادور" نفسها يبلغ حالياً 540 ألف برميل في اليوم.