بديهي أن أميركا بجلالة قدرها ـ هي أكبر طرف ـ مدين في العالم. وبديهي أيضاً أن أكبر طرف دائن له أكبر كمية نقود في ذمة أميركا هو الصين. وبديهي كذلك أن أول من يحرص على صحة وسلامة الأخ المدين هو الأخ الدائن قبل أي طرف آخر.

وفي ضوء هذه البديهيات جاء القلق العارم الذي ظل يستّبد بالعاصمة العتيدة "بيجين" خلال الأزمة المالية التي عاشتها، بل عانتها أميركا خلال الأيام القليلة الماضية.

مراجعة الدفاتر

وفيما كانت "الولايات المتحدة" تشهد إغلاق أبواب الدوائر الحكومية واحتجاجات الموظفين على اختلاف المواقع والمراتب خشية على أجورهم ورواتبهم ومعاشاتهم. كانت "الصين" عاكفة على مراجعة الدفاتر وتدقيق السجلات حرصاً على استقرار مركز الدولار ومن ثم على استقرار الاقتصاد الأميركي، خاصة وقد تواترت أنباء حول اشتداد الأزمة من حيث ارتباطها بالصراع الحزبي بين الطرف الديمقراطي الحاكم والطرف الجمهوري المعارض.

فضلاً عما تسرب من معلومات وآراء وتحليلات من أوساط غير أميركية شتى كان في مقدمتها مثلاً دوائر "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي".. وكلها تُحذّر من أن الأزمة الاقتصادية الداخلية في "أميركا" ربما تكون أشد فداحة وخطراً من الأزمة التي سبق وأن نشبت عند مغيب إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش- الابن في عام 2008.

التخلي عن الأمركة

من واشنطن يكتب الصحافي مارك لاندلر موضحاً أن الصين باتت ترى أن الأزمة التي كادت تنذر بأن حكومة أميركا ستعجز عن الوفاء بالتزاماتها (أو سداد ديونها) ومن ثم فالصين ترى أننا قد أصبحنا على شفا "عالم يتخلى عن الأمركة" أو فلنقل عالم يخرج من الشرنقة (هل نقول الوصاية) الأميركية.

والحق أن قلق الصين مفهوم تماماً باعتبار أنها أكبر مستثمر عالمي في الدين الأميركي العام، حيث يصل حجم هذه الاستثمارات إلى 1,3 تريليون دولار.

يتساءل الكاتب مارك لاندلر: تُرى.. ماذا يمكن أن تفعله الصين؟

ثم يبادر إلى الإجابة قائلاً:

- لا شيء.. ليس أمامها خيارات كثيرة سوى أن تجلس وهي تفرك أيديها (قلقاً وتوتراً وتحسباً وارتقاباً..)

سندات الخزانة

والحاصل أن ملحمة الإنتاج الزائد في الصين مازالت تدّر عليها أموالاً طائلة، وبشكل يدفعها إلى أن تلتمس موقعاً أو موضعاً لإيداع واستثمار تلك الأموال. ورغم ما تواجهه واشنطن من أحوال تقرب أحياناً من الاضطراب بل الفوضى إلا أن سندات الخزانة الصادرة عن الحكومة الأميركية تظل هي أكثر أنماط الاستثمار أماناً بالمقارنة مع العديد من البدائل الأخرى.

ربما يفسر هذا الأمر ما دأبت على نشره في الآونة الأخيرة وكالة "شينهوا" الصينية للأنباء من مطالبة بإلحاح متكرر بالإحلال محل الدولار الأميركي بوصفه عملة الاحتياطي في العالم وبحيث يتاح للمجتمع الدولي أن ينأى بنفسه باستمرار عن آثار الاضطرابات والمصادمات السياسية الداخلية التي تصيب أميركا بين حين وحين.

في هذا السياق.. فعندما وقعت الأزمة المالية الاقتصادية في عام 2008.. بادر شو سيا شوان "محافظ البنك المركزي الصيني" إلى اقتراح يقضي في تصوره- إلى تحجيم أهمية أي عملة وطنية أخرى ناهيك عن الدولار الأميركي.

سيادة الدولار

والمشكلة أن لم يلق الاقتراح قبولاً على نطاق واسع أو معقول. ورغم أن الصين حاولت أن تلتمس مسارات أخرى بخلاف الدولار. إلا أن المسارات البديلة بدت غير سالكة أو غير مأمونة، فهناك "اليورو" الذي لايزال يواجه أزمة على مستوى المنطقة التي تشهد تداوله كعملة أوروبية موحدة. وبالتالي فالخبراء الثقات يقدرون أن نسبة 60 في المئة من احتياطيات الصين البالغة 3,66 تريليونات دولار. مازالت مقوَّمة بالدولار الذي يرزح كما هو معروف تحت وطأة المديونية إلى حد ليس بالقليل.

ومن عجب أن حاولت الصين التحّول من اقتصاد يعتمد على الصادرات إلى اقتصاد مدفوع بعوامل الاستهلاك المحلي. إلا أن هذه المسيرة لم تُجد فتيلاً. وظلت الصادرات الصينية هي العنصر المهيمن لدرجة أن الربع الأول. مجرد الربع الأول من عام 2013 شهد أرباحاً تعادل ما جنته الصين طيلة عام 2012 بأكمله.

أخيراً يوضّح الكاتب الأميركي مارك لاندلر أن هذه الموارد السوبر- طائلة التي تملكها الصين تُشكّل رمزاً من رموز المَنَعة الاقتصادية العظيمة. لكنها في الوقت نفسه تغلّ يد الدائن الصيني عن حرية التصرف.

فيـا للتناقـض!

عواصف الطبيعة وأعاصير الفساد

في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي اجتاحت ربوع «المكسيك» اثنتان من العواصف المدارية العاتية. وأطلق عليهما علماء الأرصاد ودوائر الإعلام المكسيكي وصف «العاصفة التوأم» التي أغرقت المدن الساحلية، من «كندا» إلى الشمال و«المكسيك» إلى الجنوب .

وفيما دأبت القارة المذكورة على مواجهة تلك التقلبات، إلا أن "العاصفة التوأم" جاءت لكى تثير أعاصير من نوع آخر. هي عواصف سياسية بالدرجة الأولى.

ارتفعت معدلات الخسائر في أرواح البشر. واجتاحت المدن والأرياف الانهيارات الأرضية، وهبت أعاصير وعواصف الهجوم السياسي على تقصير الحكومات في "نيو مكسيكو" إزاء هذه الكوارث الطبيعية التي تخلّف آثاراً كارثية مدمرة على مرافق البلاد ومواطنيها.

في هذا السياق يقول أنغيل مارسياس غارزا وهو من كبار مسؤولي غرفة التجارة في المكسيك: « لو كان لدينا خطة تنمية صحيحة وفعالة لما وقع بلدنا في مثل هذه الفوضى الضاربة أطنابها في كل مكان».

وفي معرض التفسير والتفصيل يمضي المسؤول المكسيكي قائلاً.

- إنه الفساد.. تلك الآفة التي تغلغلت في أوساط الحكومة. بعد أن دأب مسؤولوها على أن يمنحوا للمقاولين تصاريح بالبناء وإقامة المنشآت على طول مجاري الأنهار..

حيث يتم شق الطرق وتعبيدها بغير تزويدها بجدران تكفل التحصين من غوائل الفيضانات. والقوم يوفرون بذلك مبالغ طائلة كي يقدموها على شكل مِنح وإكراميات- لمن بيدهم إصدار القرارات في هذا الخصوص. ومن هنا يكتفي مسؤولو الحكومة الفيدرالية باعتماد نسبة ضئيلة قوامها 5 في المئة فقط لا غير لحساب تدابير الحماية وإجراءات الوقاية إزاء النتائج الفادحة التي تنجم عن الكوارث الطبيعية.

ثم يختم المسؤول المكسيكي تصريحاته قائلاً:

- من الناحية السياسية فالوقاية (أو الحماية) لا تجرى من الناحية السياسية، ومن ثم فالمكسيك تفتقر إلى رؤية في تدبير أمورها بقدر ما تحتاج إلى الموارد اللازمة لهذا التدبير.

مرة أخرى تُردد دوائر البحوث وميديا الإعلام هذه الانتقادات التي تربط بين فداحة الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن مثل هذه الكوارث الطبيعية، بمعنى أنها تقرن بين الكوارث من صنع "الطبيعة" والكوارث من صنع "الإنسان"، حيث الطبيعة يستبد بها الغضب على شكل ريح استوائية عاتية فيما تشيع بين صفوف البشر آفة الفساد السياسي والمالي على شكل رشاوى وإكراميات وأطماع نهمة في التربح بشكل غير مشروع.

في هذا المضمار تقول مجموعة "سيداك" البحثية في المكسيك:

- يبدو أن اتخاذ تدابير الوقاية من مغبة الكوارث، ومن ذلك مثلاً نقل السكان ومساكنهم من المواقع الأكثر هشاشة وتعّرضاً للكوارث الطبيعية، أصبح أمراً لا يعود بالربح ولا يجدي في جمع أصوات الناخبين.

من هنا تركوا كثيراً من مناطق المكسيك وجمهرة من سكانها ضحايا مستضعفين أمام "مانويل" وهو الإعصار المداري الذي اجتاح المواقع السياحية الشهيرة في البلاد وفي مقدمتها منتجع "أكابولكو" إلى أن جاوبته عاصفة "أنغريد" العاتية التي اجتاحت من جانبها سواحل خليج المكسيك. فيما زادت وطأة كل من "أنغريد" و"مانويل" بفعل عاصفة ثالثة أعتى هبوباً وأفدح آثاراً وتحمل اسماً معيناً وهو "الفساد".