قد يكون مفهوماً أن تنشغل أجهزة التجسس ووكالات الاستخبارات بأمر المعلومات الدقيقة والأسرار الخفية التي تمس صميم الأمن القومي والسلامة العامة في وطنها..
لكن من غير المفهوم أن تشغل أجهزة ووكالات الاستخبارات آلياتها وعناصرها بأمر العلاقات الاجتماعية والصلات الدافئة والروابط الحميمة بين عامة المواطنين.
هذا هو ما أصبحت تشكو منه قطاعات شتى من شرائح المجتمع الأميركي.
كشف وتقصٍ
اكتشفت هذه القطاعات أن أفراداً عديدين منها كانوا منذ عام 2010 موضعاً لاستكشاف ورصد علاقاتهم الاجتماعية بواسطة الأجهزة والعمليات السرية لوكالة الأمن الوطني «إن. إس. إيه»، وأن الوكالة العتيدة المذكورة دأبت على تحديد الأفراد المرتبطين بهم وعلى رسم المواقع التي يتواجدون فيها في أوقات معينة، فضلاً عن تحديد مَن يرافقونهم خلال السفر.. إلى آخر ما يتصل بالمواطن.. أي مواطن من معلومات وسلوكيات وعوائد وتحركات.
بررت الوكالة هذه الخطوات غير المسبوقة التي أقدمت عليها في السنوات الأخيرة بأنها كانت بسبيل «كشف وتقصّي» الصلات التي تربط بين الأغراض المستهدفة مخابراتياً فيما وراء البحار وبين الأفراد المقيمين في داخل «الولايات المتحدة»، وهو ما وصفته مقالة مهمة نشرتها «النيويورك تايمز» (عدد 29/9/2013) بقلم الكاتبيْن «يمس رايس ولورا بويتراس» بأنه «تحّول في السياسات المتبعة»..
حيث كان السماح للوكالة إياها بأن تجري «تحليلاً واسع النطاق لمجاميع ضخمة من عمليات الاتصالات كي تحصل علي معلومات وبيانات مستقاة من المواقع الشبكية علي البريد الإلكتروني ومن المكالمات الهاتفية وما في حكمها.
حسابات البنك
وقد بلغت المسألة حد إضافة المزيد من المعلومات العامة - فضلاً عما سبق ذكره من المعلومات الشخصية الحميمة كما أسلفنا.. أما هذه المعلومات العامة أو البيانات الرسمية الموثقة فقد شملت بدورها رموز الحسابات المصرفية، وبيانات وثائق التأمين، ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك وما في حكمها) وكشوف الركاب علي متن سبل النقل والمواصلات، وسجلات الناخبين.. فضلاً عن سجلات الممتلكات وبيانات الضرائب.. إلخ.
وكان طبيعياً أن تثير هذه المعلومات التي رَشَحت عن أنشطة الوكالة شعوراً بالقلق الممزوج بالاستياء، وخاصة ما يتعلق بقاعدة الحفاظ علي «الخصوصية» التي ما زالت قطاعات الشعب الأميركي تتعامل معها بأقصى قدر من الاهتمام والمراعاة والتدقيق. ومن هنا كان التوجه إلى أعضاء السلطة التشريعية المعبرة عن رأي الناخبين سواء في إطار «مجلس النواب» أو علي مستوي «مجلس الشيوخ» في «واشنطن».
هدف أجنبي
في هذا الإطار ارتفعت الدعوة التي تكاد توجزها العبارة التالية:
.. مطلوب كبح جماح وكالة الأمن القومي.
وكان طبيعياً كذلك أن تبادر أوساط الوكالة ذاتها إلي تبرير ما اتخذته من خطوات ولو من باب الدفاع عن النفس.
في هذا الإطار يأتي التصريح الذي أدلت به علي نحو ما تنقل مقالة «التايمز»- سيدة مسئولة ناطقة باسم الوكالة وقالت فيه:
- كل ما قامت به وكالتنا كان يتوجه إلى هدف أجنبي في الأساس. وأنشطتنا تتركز على مجال مكافحة الإرهاب، ومكافحة انتشار (أسلحة ومواد الدمار الشامل) وتحقيق الأمن الإلكتروني.
ومع وجاهة مثل هذه الأهداف المرتبطة بداهة بمقتضيات الأمن القومي في بلد كبير في حجم «الولايات المتحدة»، إلا أن البعض ما برح يعبر عن الخشية من سوء استغلال المعلومات الشخصية البيانات الحميمة التي عملت الوكالة على استقائها وتجميعها ومن ثم تحليلها. وربما زاد إيقاع هذه الخشية في غمار ما كشفت عنه تصريحات «إدوارد سنودون» المحلل الأميركي الذي كان متعاقداً مع الوكالة الاستخباراتية قبل أن يقرر اللجوء إلى «روسيا».
ميتا داتا
في كل حال، فقد أضيف إل معجم المعلوماتية الحديث مصطلح «ميتا داتا» ويكاد يرادف معني البيانات المعلومات الدقيقة.. المتواترة.. البسيطة والموغلة في طابعها الشخصي، ومن ذلك مثلاً أن تعرف الجهة المسئولة رقم آخر هاتف كان علي خط الاتصال مع السيد المواطن.. أو عدد مرات اتصال المواطن بالطبيب المحلل النفساني أو رسائل الهزيع الأخير من الليل التي قد يتلقاها أحد الزوجين نتيجة علاقة غير مشروعة. والقوم يعترفون بأن مثل هذه الأمور قد تكون محدودة الأهمية لكنها في حال تجميعها ومضاهاتها وتحليلها قد تكشف عن الكثير.
