ثمة جريدة ناطقة بالإنجليزية عمرها الآن 126 عاماً.. اسمها «إنترناشونال هيرالد تربيون» لكنها توقفت عن الصدور تحت هذا الاسم عند منتصف أكتوبر الحالي، ليصبح اسمها الجديد منذ أيام قلائل هو: «إنترناشونال نيويورك تايمز».
تغيير الاسم
ورغم أن مجرد تغيير أي صحيفة عتيدة لاسمها مازال مصدر قلق أو تبّرم أو حتى سخط من جانب القارئ الذي طالما تعوّد على أن يحتسي مع مطالعتها قهوة الصباح.. حتى ولو اكتفى بعناوين الصفحة الأولى- إلا أن الصحافي المخضرم «سيرج شيمان» كتب مقاله نعى فيها «التربيون» وتوقّفها عن الصدور تحت اسمها العتيق.. لكنه استهل المقالة موجهاً خطابه إلى القارئ قائلاً:
- صحيح أنك لن تقرأ جريدة اسمها «الهيرالد تربيون».. لكن أرجوك لا تذرف الدموع..
بعدها تسترسل مقالة الكاتب المذكور (عدد النيويورك تايمز، 13/10/2013) موضحة أن المسألة لا تستحق التأسي أو البكاء، فجريدة «الهيرالد تربيون» ظلت في حال من تغيير وتبديل اسمها على مدار المئة وستة وعشرين عاماً من عمرها الطويل..
بدأت في عام 1887 تحت اسم «باريس هيرالد»، وبعدها أصبحت «ذي نيويورك هيرالد».. إلى أن تحولت إلي «إنترناشونال هيرالد تربيون».. وها هي تتحول منذ أيام قلائل ليصبح اسمها «إنترناشونال نيويورك تايمز».. مع الأمل في أن تستقر على هذا الاسم إلى أجل ليس بالقصير.
الوراثة الصحفي
بقي أن نقول إن الصحافي «سيرج شيمان» هو عضو مجلس تحرير «النيويورك التايمز»، فيما يعد مسؤولاً عن «الإنترناشونال هيرالد» ومن ثم فهو كاتب مرثية الصحيفة المتحولة.. وإن كان قد استخدم مصطلح الحمض الوراثي (د.إن.إيه) ليؤكد علي أن الوليد الجديد ما هو إلا وريث بيولوجي من صُلب الصحيفة الأم الراحلة، التي بدلوا اسمها كي ينسبوه إلى «النيويورك تايمز» التي ربما شعرت أن صفة «الدولية» مازالت تنقصها.
رغم كونها، مع زميلتيها «وول ستريت جورنال» ثم «واشنطن بوست» مازالت تمثل أهم القوى الإعلامية المؤثرة بالضرورة في عمليات هندسة وصنع، ومن ثم اتخاذ القرارات الاستراتيجية الصادرة عن بيت الرئاسة الأبيض وما يتفرع عنه من دوائر الحكم والسياسة العليا في العاصمة «واشنطن».
الصحيفة العالمية
وتوضح سيرة «الإنترناشونال هيرالد تربيون» المأسوف علي اسمها أنها ظلت تصدر في العاصمة الفرنسية «باريس» منذ عام 1924 بوصفها الطبعة الأوروبية من «النيويورك تايمز» الأميركية.
وعندما احتفلوا بعيدها المئوي في عام 1987 وأقاموا الاحتفال الباذخ علي مقربة من برج «إل» الشهير أعلنوا تكريمهم لصالح «التريب»- اسم التدليل «للهيرالد تربيون» حيث وصفوها بأنها «الصحيفة العالمية رقم واحد» وأنها الجريدة اليومية التي ما زالت محل ثقة من جانب الأميركيين وسائر الناطقين بالإنجليزية، بمن في ذلك المسافرون ورجال الأعمال والدبلوماسيون والمغتربون والصحافيون عبر أوروبا وآسيا علي السواء.
وعندما كان الصحافي «سيرج شيمان» مراسلاً في «الاتحاد السوفييتي» منذ 35 عاماً.. كانوا ينتظرون في لهفة عارمة وصول حِزَم «الهيرالد تربيون» من «باريس» إلى «موسكو». ورغم أنه كان عمر الأعداد التي يطالعونها يزيد على عدة أيام، إلا أنهم كانوا يلتهمون ما تحويه من آراء وتعليقات وموضوعات خفيفة وفنية وما في حكمها كي تحمل إلى وجدانهم مشاهد الحياة في «باريس».. أما الأخبار فكانوا على إلمام بها بفضل المتابعة المهنية عبر الإذاعات المُرسلة عبر البحار.
التطور التقني
في مقاله أيضاً يربط الصحافي المذكور بين تطور «الهيرالد تربيون»- الراحلة.. و»الإنترناشونال نيويورك تايمز»- الوليدة، وبين تطور سبل الاتصال والتصنيع في عالمنا.. فاكتشاف البخار دفع أثرياء الأميركيين إلى السفر إلي أوروبا «باريس» بالذات، ومن ثم كانت حاجتهم إلي جريدة ذات طابع أميركي.. واستخدام التلغراف منذ عام 1858 أتاح سبل التواصل عبر المحيط الأطلسي بين أوروبا وأميركا..
إلى أن جاءت نهايات القرن العشرين بأسلوب كابلات «الفايبر أوبتك» (الخيوط المضيئة) التي أحدثت ثورة في سرعة ودقة نقل الرسائل والمواضيع الصحافية بين «باريس» و»نيويورك»، فما بالنا بثورة تكنولوجيا المعلومات واتصالات الحاسوب وهو ما ينتظر صحيفة «التايمز الدولية» المولودة منذ أيام.
