في مصر العربية أصوات تتردد وكتابات يتم نشرها ودعوات يجري توجيهها، وكلها تكاد تجمع على أمر يلخصه سؤال يقول:

.. إلى متى تهملون التوجه إلى «روسيا»؟

إن معاودة تدفئة العلاقات مع «موسكو» يمكن أن تشكل رسالة بليغة بكل معنى إزاء المواقف المتعنتة التي تتخذها حالياً، بحق القاهرة، دوائر وأوساط شتى سواء في الاتحاد الأوروبي أو في الولايات المتحدة.

عبدالناصر وموسكو

وبديهي أن ليس مطلوباً استحداث محور سياسي مع «روسيا» ليشكل قطباً مناوئاً أو معادياً لأميركا أو غرب أوروبا. ربما كان ذلك مطلوباً، بقدر ما كان ممكناً خلال سنوات الخمسينات والستينات من القرن العشرين.. أيامها اتجه «عبدالناصر» إلى «موسكو» بعد أن امتنعت «واشنطن» عن تزويده بالسلاح المتطور والعتاد الحديث.

 كان ذلك في عام 1955.. وبعدها عاود «ناصر» توجهه إلى «الاتحاد السوفييتي بعد أن ضغطت «الولايات المتحدة» على «البنك الدولي» كيلا يسهم في دعم «القاهرة» لبناء «السد العالي».. أكبر مشروع مائي في القرن العشرين.

الاتحاد الروسي

راحت وانقضت هذه الأيام.. وراح معها الهيكل السياسي الديناصوري الذي كان يعرف باسم «الاتحاد السوفييتي» استخرج له «ميخائيل جورباتشوف» رخصة الهدم والإزالة. وتسلم المقاليد في «موسكو» التسعينات نظام «بوريس يلتسين» الذي أرجع مكانة روسيا عقوداً إلى الوراء. إلى أن دخل إلى مكتب الرئاسة الأولى في قصر «الكرملين»..

«فلاديمير بوتين» الذي عقد العزم كما أصبح معروفاً- على استعادة مكانة «روسيا» التي لم تعد سوفييتية ولا شيوعية، ولكنها أصبحت طرفاً رئيسياً في الكيان الذي دخلت به «موسكو» برئاسة «بوتين» حقبة القرن الواحد والعشرين واسمه «الاتحاد الروسي».

المنتدى الاقتصادي

ولأن استعادة المكانة ليست بالأمر الهين، ولا تتم بداهة بمجرد رفع الشعارات أو التعلل بالأمنيات - فقد بدأ الرئيس «بوتين» يفصح عن خطة «الاستعادة» فإذا به يعلن في المنتدى الاقتصادي الدولي الذي استضافته في يونيو الماضي، مدينة «بطرسبورغ» - عاصمة القياصرة التاريخية، أن «روسيا» تنوى توظيف استثمارات هائلة في منطقة آسيا الباسيفيكية.

وأنها تخطط لتعزيز اتصالاتها مع تلك المنطقة من الشرق الآسيوي من خلال تطوير خط سكة حديد «سيبيريا» الواصل من الأصقاع الباردة في «روسيا» إلى سواحل المحيط الهادئ، هذا فضلاً عن تطوير عمليات تصدير النفط الروسي إلى «الصين».

. ويلاحَظ أن تلك الخطوات مازالت محل رصد وتحليل من الجانب الأميركي على نحو ما عرضت له الدراسة التي نشرتها مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) في أحدث أعدادها (31 يوليو 2013) قائلة: إن «بوتين» أفصح بذلك عن عزمه أن يقتطع صفحة من كتاب «الولايات المتحدة» وأن ينافس محورها نحو الشرق.

قلق أميركي

ورغم تحفظات الجانب الرسمي في «واشنطن» في هذا الخصوص، إلا أن دوائر إعلامية أميركية بدأت تعبر عن استيائها وتحذيراتها إزاء محاولات «بوتين» استعادة دور قيادي، أو كان دوراً قيادياً ومحورياً وفاعلاً لروسيا خلال سنوات الحرب الباردة التي تشغل الفترة بين أواخر الأربعينات إلى مستهل التسعينات من القرن العشرين.. هنا تنشر صحيفة «الواشنطن بوست» مقالاً ينضح بالانفعال للكاتب «دد كريمر» الذي جعل عنوانه هو:

- مطلوب التصدي لبوتين.. واسترسل عنوان المقال مفسراً ليضيف ما يلي: لا يمكن تجاهل مواقف الرئيس الروسي المعادية لأميركا.

وبصرف النظر عن طبيعة ما آلت إليه علاقات الروس والأميركان. وخاصة بعد استضافة «موسكو» المواطن الأميركي «سنودون»، المتهم بكشف الأسرار الأميركية..

فالمهم أن «بوتين» يبحث لروسيا عن دور قيادي.

والأهم أن «روسيا» مازالت طرفاً يُعتد به ويُحسب حسابه من النواحي الصناعية والنفطية والتكنولوجية فضلاً عن نفوذ سياسي لا سبيل إلى تجاهله، وهو ما يمكن أن يفيد الطرف العربي لا بقصد تدمير علاقاته مع هذه الجهة أو تلك، ولكن بقصد التوصل إلى قدر معقول من التوازن في علاقات العرب مع سائر الأطراف في شرق عالمنا وغربه على السواء.

«سـالك» مطلوب في إفريقيا وآسيا

 يصفونه بأنه الوحش الكاسر الغادر الذي يعصف بالطفولة البريئة. اسمه الأجنبي «بوليو». واللفظ مشتق أو منحدر من أصل في اليونانية واللاتينية يشير إلى النخاع الرمادي اللون، وترجمته المعروفة في العربية هي «شلل الأطفال».وفي هذا الإطار ظل أهل الكرة الأرضية يلهجون بالثناء على اسم يردده الأطباء والبسطاء على السواء:

والاسم هو «سالْك» وبالتحديد الدكتور جوناس إدوارد سالك (1914-1995). الذي يرتبط اسمه باكتشاف العقار «البلسم» المعروف للوقاية من الإصابة «بشلل الأطفال»، وكان ذلك في سنة 1957.

أجيال أمكن تحصينهم ضد شلل الأطفال، وبات المرض اللعين على وشك الانقراض، لكن ها هي النذر تعود لكي تدق أجراس الخطر محذّرة من أن اثنتين من قارات عالمنا هما إفريقيا وآسيا، أصبحتا تواجهان انتشاراً خطيراً لمرض «البوليو» من جديد.

يوضح الصحافي الأميركي دونالد ماكنيل (نيويورك تايمز، 22/8) أن شهر مايو الماضي شهد حالتين من الإصابة بشلل الأطفال في «الصومال». وتفيد إحصاءات منظمة الصحة العالمية بالأرقام الدالة التالية:

- عدد حالات شلل الأطفال في العالم كله بلغ في العام الماضي 223 حالة فقط لا غير.

- عدد حالات الإصابة بالوباء المذكور في مخيم اللاجئين الصوماليين وصل في الفترة القريبة الماضية إلى 121 حالة.

وبعد إفريقيا يأتي دور آسيا، في «باكستان» على وجه التحديد، ورغم أن الإصابات اقتصرت على ثلاث حالات بين أطفال الإقليم، إلا أن الأطراف المسؤولة تضع أيديها على قلوبها خوفاً من أن يكون في ذلك نذير بانتشار المرض اللعين، خصوصاً في ضوء ما أذيع بشأن منع التحصين ضد شلل الأطفال في غمار ما تناثر أيضاً عن أخبار ومعلومات عن جهود بذلتها دوائر الاستخبارات الأميركية لنشر إصابات «الكبد الوبائي» خلال مطاردتها زعيم تنظيم القاعدة «أسامة بن لادن».

والحاصل أن العالَم في سبيل اعتماد خطة قوامها 5.5 مليارات دولار بهدف القضاء نهائياً على شلل الأطفال بحلول عام 2018، باعتبار ذلك جزءاً من تفعيل الغايات الإنمائية للألفية التي اعتمدتها قمة رؤساء العالم المعقودة بمقر «الأمم المتحدة» مع مطلع القرن الواحد والعشرين.

من هنا يبذل المسؤولون في «منظمة الصحة العالمية»، ومعهم أيضاً الاختصاصيون في «باكستان»، جهوداً بغير هوادة لمواصلة حملات تحصين الأطفال ضد الوباء المذكور، خاصة وأنه وباء قابل لإصابة الآخرين بفعل العدوى، ولدرجة أن هؤلاء المسؤولين عمدوا إلى إقامة مراكز التطعيم المؤقتة والمتنقلة على الطرق الرئيسية وفوق متن الحافلات والقطارات في طول «باكستان» وعرضها.

ومن مستشفيات المدن ما عمد إلى تجهيز «عقار سالك» في عبوات خاصة مزودة بالثلج كي تستخدمه العائلات الراغبة والمستعدة لتهريبه إلى جيرانها في البوادي والأرياف.

وفيما تطالب أوساط «الصحة العالمية» بتنظيم حملات توعية وتثقيف في هذا الصدد على صعيد «باكستان»، تطالب نفس الدوائر بشنّ حملات فعالة لتأمين طرق الوصول إلى مخيمات اللاجئين الصوماليين، حيث يخشى العاملون الطبيون من اعتداءات العصابات الإجرامية على قوافلهم وسرقة معداتهم ومتعلقاتهم.

وكان الله في عون الأطفال.