لو قدِّر لك أن تزور «غابات الأمازون» وهي أدغال الأشجار الأسطورية الباسقة والكثيفة لأدركْت معنى المصطلح الذي يطلقه علماء البيئة على هذه الغابات، حيث يعرّفونها بأنها الغابات المطيرة (Rain Forests) باعتبارها المسؤولة عن تنظيم وترشيد الدورة المائية التي تشكل أكسير الحياة علي مستوى الكرة الأرضية بأسرها.

«غابات الأمازون» تمتد عبر مناطق ومقاطعات وساحات مشتركة بين دول عدة في قارة أميركا اللاتينية.. وفيما اشتهر من هذه الساحات منطقة «ميناؤوس» في قلب «البرازيل» (وقد زارها كاتب هذه السطور وأقام بين ظهراني غاباتها شبه الأسطورية أسابيع عدة)، إلا أن دولة «بيرو» لها بدورها نصيب من «غابات الأمازون» وخاصة في المنطقة الجنوبية الشرقية من هذه الغابات، حيث تعيش شعوب السكان الأصليين (الهنود الأميركيون، كما يسمونهم في بعض الأحيان).

أمازون بيرو

المشكلة أن أمازون بيرو اجتذبت أضواء كاشفة خلال الفترة القريبة الماضية حين بدأت دوائر عالمية شتى تتحدث عما تحويه المنطقة المذكورة من مناجم الذهب، وهي الثروات الطبيعية المذهلة التي سبق وان اجتذبت أسبانيا إلى احتلال أميركا اللاتينية أرض الذهب وأحلام الثورة في سالف الأيام. «لكن مشكلة مناجم الذهب في «بيرو» أنها باتت تشكل خطراً فادحاً وجسيماً ومتربصاً بصحة الأطفال المنتمين إلى شعوب السكان الأصليين».

هكذا كتب «دان كولنز» في رسالة صحافية من «ليما» عاصمة «بيرو» ونشرتها جريدة «الغارديان» اللندنية (عدد 17/9/2013).

الرسالة الصحافية تعزو هذا الخطر إلى أن مناجم الذهب، وكثير منها لا يزال غير مشروع، تحوي كميات غير مأمونة من تركيزات معدن الزئبق السام. والحقيقة أن «غابات الأمازون» في «بيرو» تضم عشرات الآلاف من هذه المناجم الواعدة بالمعدن النفيس الابريز من جهة، والمتوعّدة بخطورة الزئبق السام، وخاصة على صحة الأطفال من جهة أخرى.

 والمشكلة أيضاً أن عمّال ومهندسي مناجم الذهب يستخدمون مادة الزئبق من أجل استخلاص المعدن الكريم من قاع الأنهار ومن ثم لا يتورعون عن إغراق كميات مهولة حقاً من الزئبق في مياه الأنهار والبحيرات وبكميات تزيد كما تقول «الغارديان» على 30 طن زئبق تشهدها منطقة الأمازون كل عام.

انتشار الزئبق

ومع استخدام مياه الأنهار والبحيرات العذبة تزداد نسبة الزئبق في شرايين النساء الحوامل، ثم تنتقل النسبة الخطيرة إلى المواليد من ذكور وإناث، فيما تنتشر هذه النِسَب المهلكة بين سكان المجتمعات المحلية بشكل عام وخاصة ممن يتخذون من الأسماك المحلية طعاماً أساسياً لإعاشتهم.

من هنا فقد دلت أحدث البحوث الطبية أن هؤلاء السكان - وخاصة أجيال النشأة من أطفالهم أصبحوا يعانون من نسبة زئبقية تزيد بمقدار خمسة أضعاف على مستوى الأمان الذي حددته منظمة الصحة العالمية.. التي لا تفتأ تدق أكثر من جرس إنذار وتضيء كل ما تملكه من الأضواء الحمراء التي تحّذر من أن الزئبق يدخل ضمن قائمة ما يعرفه الاختصاصيون بأنه «نيوروتوكسين» بمعنى المادة السُمية التي يمكن أن تسبب تلفاً أو دماراً شديداً ودائماً في المخ بالنسبة لطفل لم يولد بعد.

السيدة العذراء

لهذا يطلقون صفة اللامشروعية على مناجم الذهب في «بيرو».. ولهذا يدأب أنصار البيئة وكبار الأطباء العالميين على رفع عقائرهم تحذيراً من مغبة تغليب الربح مهما كان وفيراً على تدمير صحة أجيال مازالت بعد في ضمير الغيب، ناهيك عما تسببه المسألة من أضرار ملموسة لأجيال من الكبار وخاصة في منطقة «مادري دي ديوس» التي أخضعوا سكانها لهذه الدراسات.

وبينما يعرّف أنصار دعوة الحفظ البيئي المنطقة المذكورة بأنها موئل «التنوع البيولوي» بحكم ما تحويه من فصائل وأنواع متنوعة نادرة أبدعتها يد الخالق عز وجل لصالح البشر.. فإن «مادري دي ديوس» التي يشير اسمها في اللغة الأسبانية إلى السيدة العذراء.. تعرّضت بدورها لغوائل الطمع البشري، حيث عمد «قراصنة المناجم» إلى اجتثاث غابات كثيفة من فوق سطحها ولدرجة أن أزيل الغطاء النباتي من مساحة تبلغ نحو 70 كيلو متراً من أرضها.

خطر لغوي يواجه إنجلترا

"مهارات بريطانيا في مجال تعلم واستخدام اللغات الأجنبية أصبحت في خطر".

هكذا تحذر الكاتبة "ربيكا رادكليف" في مقال منشور أخيراً (الغارديان، عدد 11/9/2013). ويكشف المقال الإنجليزي عن أكثر من شكوى صادرة عن وزراء في حكومة الملكة وممثلي الجامعات البريطانية ومسؤولي العديد من شركات الصناعة في إنجلترا. وتركز هذه الشكاوى علي الإجراءات التي اتخذتها أخيراً الجامعات الإنجليزية بتقليص تخصصات تعليم اللغات الأجنبية.

الظاهرة بدأت منذ عام 2004 حين قررت الحكومة أن تجعل من اللغات مقرراً اختيارياً، وبدعوى صعوبة تعلم لغات أجنبية - بخلاف الإنجليزية - وخاصة في المستويات الاستهلالية من مناهج التعليم الأساسي. الخبراء الإنجليز يرجعون هذا الانكماش في تعلّم اللغات الأجنبية إلى تراجع الاعتمادات المالية الموجهة لهذه الغاية. وهو ما أدى بالتالي إلى قلة عدد مدرسي هذه اللغات.

وهو ما كان راجعاً بدوره إلى انكماش أقسام اللغات في الجامعات، وبمعنى أن تقلّص عدد خريجيها ممن كانوا سيشقّون طريقهم إلى احتراف مهنة التدريس. لهذا لم تجد الجامعات البريطانية سوى أن تلجأ إلى أهل اللغات الأجنبية ذاتها ممن يتصادف وجودهم في "بريطانيا" ويفضل بطبيعة الحال المقيمون بشكل دائم في ربوع الجزر البريطانية.

لكن هذا الاعتماد المقصود علي الناطقين الأصليين لأي لغة أجنبية قد يكون له جانب إيجابي طبعاً. إلا أن معظم أفراد هذا "الصنف" ليسوا أصلاً مؤهلين تربوياً. فليس معنى أنك عربي الأصل والأرومة واللغة - أن تتحول، مع كامل الاحترام، إلى أستاذ معلم للغة العربية، فالتعليم له أصول، والتربية لا تقبل المعلمين الهواة.

وهنا يقول خبير تربوي ضليع اسمه "مايك كيللي": لابد أن نضع دوماً في اعتبارنا أحوال ونفسية وشخصية الأولاد (والبنات) في سن الثالثة عشرة مثلاً. هذه هي السن التي يتعين فيها عليهم أن يحددوا مسارات التعليم التي سوف ينتظمون في سلكها في مستقبل الأيام.

وبسبب الملل الرهيب الذي يمكن أن يصيبهم من جراء حكاية وصف اللعبة المفضلة أو القطة المدللة - ناهيك بحكاية ماذا فعلت في عطلة "الويك إند" نجد أن الدارس يصرف النظر عن حكاية الانتظام في سلك تعلّم اللغات الأجنبية ويختار بدلاً من ذلك مناهج ومقررات دراسية يمكن أن يستمتع بدراستها.

من هنا يدعو خبراء التعليم اللغوي في بلاد الإنجليز إلى إثارة اهتمامات الطلاب الدارسين، أو إلى فتح شهيتهم، كما قد نقول، إزاء تعلم اللغات الأجنبية من خلال تشكيلة أوسع تنوعاً وربما أكثر جاذبية بما يصلح معه غرس مهارات اللغة الأجنبية. وبدلاً من حكاية كلبك الأثير.. يمكن مثلاً - كما يضيف الخبراء - أن يُدعي الطلاب للحديث عن الأنشطة الثقافية.. من خلال المعارض الفنية والأفلام السينمائية.. واللقاءات الحية - الوقائعية مع شخصيات بارزة وخاصة كوكبة الفنانين والروائيين.. ومَنْ في حكمهم من المبدعين.

مرة أخرى يضيف البروفيسور "ليد كنغ" المتخصص في هذا المجال قائلاً:

- مشكلتنا هي أن الطلاب يتعاملون مع اللغات الأجنبية على أنها مهمة ولكنها ليست ضرورية أو لازمة.. يرونها أقل أهمية من منظومة ستم (stem) وهي الحزمة التي تضم تخصصات العلوم + التكنولويا + الهندسة ثم الرياضيات.

والمطلوب هو الربط بين اللغات الأجنبية وآفاق التقدم في المستقبل.

ليس صدفة إذن أن يكون البروفيسور "كنغ" أستاذاً لكرسي مستجد في الجامعات البريطانية ويحمل اسم: "فلنتكلم من أجل المستقبل".