في سنة 1787: بعد 11 سنة فقط لا غير من حرب الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، أصدرت الولايات المتحدة الأميركية دستورها العتيد. وفي 21 يونيه عام 1788 تم التصديق على الدستور فأصبح نافذاً ساري المفعول حتى كتابة هذه السطور.
ورغم إسهاب الأحاديث والتحليلات والتخمينات حول الفقه والاجتهاد الدستوري في الولايات المتحدة، فالحاصل أن الدستور الأميركي يشكل وثيقة بالغة الاختصار حيث يتألف من 7 مواد أساسية فقط لا غير ولأن الدساتير - بحكم التعريف - لابد وان تساير مستجدات التطور. فقد اصطنع الأميركيون آلية تكفل لدستورهم إمكانية الاستمرار. والآلية تحمل وصف «التعديلات الدستورية» التي قاربت الثلاثين تعديلاً على متن الدستور الأميركي.
التعديل الثاني
وفيما جاء أول التعديلات في سطور جليلة حقاً لينصّ على إطلاق حرية الاعتقاد وحرية التعبير وحرية الاجتماع (الجمعيات والتظاهر.. إلخ) فالذي يهمنا في السياق الحالي هو التعديل الثاني للدستور الأميركي، وهو التعديل الذي بات حالياً موضع أخذ وردّ.. رفض وقبول في طول الولايات المتحدة وعرضها.
جمعية البندقية
المشكلة أن هناك من لايزال يؤيد تداول وإباحة الأسلحة في أيادي المواطنين العاديين بزعم الحماية الشخصية. وأخطر من يجسد هذا الاتجاه هو تلك المنظمة العاتية التي تحمل اسم «جمعية البندقية الوطنية « (التي ما برحت تمثل أكبر «لوبي» مؤيد للإبقاء على التعديل الدستوري الثاني.
وبمعنى الإبقاء على الأسلحة النارية بين أيادي الناس. وهذا اللوبي يستمد عنفوانه، إن لم نقل جبروته، من واقع صلاته الوثيقة مع احتكارات صنع الأسلحة في أميركا بكل نفوذها وإمكاناتها المالية الجبارة ومن ثم قدرتها في التأثير على مجريات الأمور في البلاد).
وليس أدل على ما تستمتع به هذه القوى العاتية من نفوذ ما لايزال متمثلاً في عجز الرئيس «أوباما» وإدارته عن حمل الكونغرس على تغيير القوانين، وبحيث يتم التراجع، أو محاولة التراجع عن التعديل الثاني المذكور أعلاه في دستور البلاد.
ضغوط على أوباما
صحيح أن «أوباما» ومعاونوه شمّروا عن سواعد الدعاية في محاولة لإدخال تعديل على.. التعديل إياه وكان ذلك منذ 9 أشهر. وفيما جاء ذلك بالتحديد بعد حادثة مدرسة «نيوتاون الابتدائية» في ولاية «كونيتكت» التي راح ضحيتها 20 طفلاً بريئاً تحت وابل الرصاص المنطلق من رشاش طالب مراهق ملتاث من أهل الجيرة.. اقتحم المدرسة وارتكب جريمته الشنعاء.
وصحيح أن أنصار «أوباما» من دعاة تشديد القوانين المناهضة لإباحة حمل السلاح. حققوا بعض الفوز خلال هذه المدة. إلا أنهم واجهوا أخيراً سلسلة من الهزائم، على نحو ما تؤكد الكاتبة «أريكا جودي» (نيويورك تايمز، عدد 15/9/2013) وخاصة عندما رفض الكونغرس عدة تدابير مقترحة للحد من حمل السلاح.. وكان آخر هذه الهزائم ما حمل العنوان البليغ التالي:
الريكول (بمعنى الاستدعاء الدستوري). وهو الإجراء الذي يتيح للناخبين أن يسحبوا تأييدهم للمرشح الذي سبق وان انتخبوه لتمثيلهم إلى مجلسي الكونغرس في «واشنطن».. بمعنى أن «يرجعوا في كلامهم»، كما يقول التعبير الشعبي المتواتر.
عقاب المعارضين
والذي حدث هو ما شهدته ولاية «كولورادو» في الأسبوع الماضي عندما سحب الناخبون تأييدهم لاثنين من أعضاء مجلس الشيوخ عن الولاية وبمعنى أن جردوهم من صفتهم النيابية.. لماذا؟
لأنه ثبت أن كلاً منهما كان من غلاة المعارضين للحق في حرية حمل السلاح في أميركا والمطالبين بتفنيد هذا الحق.
وكان بديهياً أن تهلل «جمعية البندقية» إياها لهذا الحدث وتعده انتصاراً.
بقدر ما كان بديهياً كذلك أن واصلت أميركا دفع الثمن.. على شكل أحداث مأساوية، وكان آخرها هو استخدام السلاح الناري المباح في حادثة شهدتها الأيام القليلة الماضية داخل مبنى «البحرية» في «واشنطن» وأدت إلى مصرع 12 شخصاً وإصابة ثمانية آخرين.
