غريب أمر هذا الشهر ـ سبتمبر من كل عام. دَرَج الناس على أن يقلبوا روزنامة العام فإذا بهم يحددون يوم الحادي والعشرين من سبتمبر بداية لفصل الخريف الذي يسميه الأميركيون بفصل "السقوط" (Fall) بمعنى الفترة التي تنفض فيه الأشجار أوراقها وتسقط هذه الأوراق على أديم الثرى مؤذنة بأن العالم ـ وفي الغرب الشمالي بالذات ـ مقبل بعد مئة يوم، قد تقل وقد تزيد على صقيع الشتاء.

شهر الأحزان

لكن تشاء الأقدار أن يكون سبتمبر أيضاً شهراً للأحزان: في بلادنا يذكر التاريخ المعاصر أيلول الأسود بكل ما احتواه في عام 1970 من مآسي القتل ومَصارع البشر في ساحات الأردن، ولم يشأ أيلول في نفس العام أن ينقضي إلا بعد أن يشهد الرحيل الجليل للزعيم المصرى العربي "جمال عبد الناصر". كان ذلك بالتحديد في 28 سبتمبر من العام المذكور.

وبعدها حفلت الأيام الثلاثة المتبقية من هذا الأيلول بمظاهر الأسى العميق والحزن الصادق الشامل الذى انتاب جموع الجماهير العربية، ولدرجة أن سجّلت مدرسة العلوم النفسية في "كندا" مبحثاً كان مستجداً وقتها تحت عنوان "ظاهرة الحزن الجماعى عند الشعوب".

11 سبتمبر

في نصف الكرة الغربي كان لأيلول ـ سبتمبر شأن آخر ولكنه سار على نفس النهج التراجيدي في كل حال.

وهاهم الأميركيون، وقد دأبوا في كل عام على إحياء الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ذكرى الحادثة الفاجعة التي شهدت تدمير برجي "مركز التجارة العالمي" في "نيويورك" .

وهي الحادثة التي مازال لها تأثيرها البالغ العمق في النفسية الجمعية للشعب الأميركي.. بقدر ما أنها بداية تفجير الصدام الكوني الذي لايزال مستعر الأوار بين الغرب في مجمله وبين عناصر ترفع رايات الإسلام.. وهو الظاهرة الخطيرة التي سبق إلى التنبؤ بها المفكر الأميركى الراحل "صمويل هنتنغتون" في أطروحته الشهيرة التي أذاعها مع مطالع التسعينات تحت عنوان "صدام الحضارات".

حدث في تشيلي

٪ .. .. 11 1973.

هذا الموقع الجنوبي من أميركا اللاتينية هو تشيلي التي شهدت في اليوم السبتمبري المذكور حادثة تراجيدية بكل المقاييس بلغت ذروتها باغتيال رئيس جمهورية " شيلى" "سلفادور الليندي" على سلالم قصر الرئاسة في العاصمة "سنتياغو".. وبعدها اجتاح بلاده كابوس مفزع وعميق وطويل تَجَّسد كما هو معروف في حقبة.. الحكم الديكتاتوري الذي فرضه الجنرال "أوغسطو بينوشيه" بدعم من الدوائر الأميركية في "واشنطن" .

وهو الدعم الذي جاء مخططاً شاركت فيه وكالة الاستخبارات المركزية ودوائر الخارجية (هنري كيسنجر بالذات) ثم شركة الهاتف والبرق العالمية "آي. تي. تي". وبالمناسبة فقد أزيح الستار مؤخراً عن بعض أسرار هذه المأساة السبتمبرية التي اجتاحت نظام الحكم في "شيلى" وفرضت حكماً إرهابياً على ذلك البلد اللاتيني الذي عانى شعبه ويلات شتى ما بين تكدس السجون بالعناصر التقدمية بل اختطاف واختفاء الآلاف من الوطنيين من مثقفين ونشطاء ومفكرين وقادة جماهيريين.

وثائق سرية

أربعون سنة انقضت على مصرع "الليندي" وحكم "بينوشيه" الذي ما لبث أن دارت عليه الأيام شخصياً وتحولت بمقاديره إلى مصير النبذ والإدانة واللعن على ما اقترفت يداه بحق بلاده وشعبه.

مع ذلك.. فقد ظل للصحافة الاستقصائية دورها في تتبع مسار الأحداث في إطار البحث عن الحقيقة.. ولصالح جماهير القارئين بطبيعة الحال.

في 11 سبتمبر من عامنا الحالي نشرت "الغارديان" البريطانية تحقيقاً للكاتبة "غريس لفنغستون" تناولت فيه الوثائق السرية للحكومة البريطانية التي أذيعت مؤخراً لتكشف عن دور الخارجية البريطانية في التواطؤ بمعنى التغطية وإغماض العين عن الفظائع التي ارتكبها نظام "بينوشيه" الدموي في "شيلي"، سواء فيما يتعلق بسجن المعارضين أو تعذيبهم أو اغتيالهم.. أو استئصال شأفتهم بعمليات الخطف والإخفاء إلى الأبد..

وبلغ هذا التواطؤ الإنجليزي الحد الذي جعل أفراد الدبلوماسية البريطانية في تلك الفترة يشاركون في "طبخ" المعلومات والأفلام التي كان من شأنها "تبييض" وجه النظام الدموي الذي فرضه "بينوشيه" في "سنتياغو".

ورغم ضغوط الرأي العام في "بريطانيا" التي أدت إلى سحب سفير جلالة الملكة من "شيلي" في عام 1977 إلا أن "بينوشيه" الدموي ما لبث أن وجد مُدافعاً عنه بحرارة في رئاسة الوزارة البريطانية.. ولدرجة أن أعيد السفير الإنجليزي وازدهرت العلاقات بين "لندن" و"سنتياغو". وكان هذا المُدافِع المتحمس هو السيدة "مرغريت ثاتشر" التي تولت رئاسة الوزارة في "لندن" عام 1979.

في كينيا.. الوزيرة تكتشف كنز مياه

 بدت الأمور كأنها محاولة لمجاملة المرأة الإفريقية وإتاحة فرصة أمامها للمشاركة في قضايا الشأن العام، صحيح أن المرأة في إفريقيا وصلت هنا أو هناك إلى كرسي رئاسة الدولة ـ كما في "سيراليون" على سبيل المثال، لكن الأصح أن النساء الإفريقيات مازلن يواجهن أشد المعاناة إذ يتحملن بأعباء فادحة تحكي عنها الوثائق والتقارير الدولية وخاصة تلك التي تتناول بنداً ينبغي أن يحظى بأقصى قدر من الاهتمام .

وهو "فقر المرأة"، وهو البند الذي يتناول معاناة النساء الفقيرات في أرياف القارة السمراء، حيث يتعين على المرأة أن تمضي يوم عمل بالغ المشقة يبدأ من طلوع الفجر، حين تقطع المرأة الإفريقية عدة كيلومترات في مسيرة غير مأمونة بل محفوفة بأخطار غير متوقعة كيما تجلب لأسرتها كمية من المياه اللازمة لاستمرار الحياة، وبعدها تتنوع أنشطة المرأة بين أعمال المنزل ورعاية الصغار أو كبار السن.

من هنا تَعَامل الناس بروح من التقدير عندما أسندوا منصباً وزارياً في "كينيا" إلى السيدة "ودى واخندو". صحيح أنها كانت أستاذة جامعية قديرة.. وصحيح أن المنصب لم يكن في وزارة الخارجية أو العدل دعك من الداخلية والأمن الوطني، بل كان المنصب هو وزيرة لشؤون البيئة. ومع ذلك فقد كانت مشجعة بالنسبة لمستقبل المرأة الكينية، بقدر ما كانت خطوة إيجابية على طريق طويل.

لكن تشاء حظوظ البروفيسور "ودي" أن تنطلق من مكتبها الوزاري ـ المتواضع كما ألمحنا ـ تصريحات ترددت أصداؤها في أنحاء كينيا، بل وصلت هذه الأصداء إلى مسامع العالم الخارجي على السواء.

التصريحات قالت ببساطة شديدة ما يلي: اكتشفنا مصادر جديدة، واعدة من المياه الصالحة لاستخدام الإنسان.

توقَّف عند هذه التصريحات مراقبو الشأن البيئي العالمي وعمد الاختصاصيون إلى تسجيل الملاحظات الجوهرية التالية:

إن هذا الكشف المائي الذي أعلنت عنه الوزيرة تم في مقاطعة "توركانا" الواقعة شمال غربي "كينيا" وتعد واحدة من أفقر مناطق البلاد وأدناها على الإطلاق في مقياس التطور والتنمية.

إن المنطقة المذكورة كانت تعاني باستمرار من غوائل مواسم الجفاف التي كانت تندر فيها الأمطار اللازمة كما هو معروف لاستمرار الحياة.

إن هذا الكشف ـ الكنز المائي كما قد نسميه ـ لم يأت عبثاً ولا مصادفة ولكن جاء باستخدام أحدث منجزات التكنولوجيا الجديدة التي تتمثل في استخدام الأقمار الاصطناعية القادرة على تشغيل رادارات اختراق سطح الأرض لاستكشاف ما تحويه أعماقها من موارد طبيعية وفي مقدمتها المياه بطبيعة الحال.

إن الاكتشاف الحديث أسفر عن وجود مستودعْين في منتهى الثراء من مخزونات المياه الجوفية الصالحة للاستخدام البشري وهما يحتويان على مليارات مكعبة من هذا المعين المائي الثمين.

إن هذا الكشف جاء بمثابة مؤشر واعدٍ حقاً بإمكانية التوسع في استخدام ثمار البحث العلمي والتطور التكنولوجي على نطاق أوسع شمولاً وأرقى طموحاً. هنالك تصريح الوزيرة الكينية قائلة: لقد ضاعف من حماسنا أن أصبحنا قادرين على رسم خارطة قومية تكشف عن كل الموارد المائية في طول بلادنا وعرضها. المهم أن "توركانا" التي يسكنها نحو 700 ألف نسمة ويعيشون على رعي الإبل والأغنام ويعانون درجة حرارة مرتفعة طوال العام، فضلاً عن شح المياه في بيئتهم القاحلة شبه الصحراوية ـ "توركانا" أصبح لديها أمل في حياة جديدة، إن لم تكن مترفة، فهي تومئ على الأقل بأن الغد سيكون أفضل في كل حال.