هذا هو جيل "مِي. مِي. مِي". هكذا تسميه مجلة "تايم" في واحد من أحدث أعدادها الصادرة (عدد 20 مايو). ومؤدى هذه التسمية ما يمكن أن يطلق عليه الوصف التالي: "أنا.. وأنا فقط". هو الجيل الذي تعرّفه المجلة الأميركية بأنه ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين جيل "الميلينيا" كما تسميه.. ثم تصف أفراده بأنهم يجمعون بين روح الكَسَل والنرجسية في آن معاً. ثم لا تلبث أن تستدرك كي تضيف القول بأن هذا الجيل هو الذي سيتولى إنقاذ العالم في نهاية المطاف.
وفيما درج المؤرخون والمحللون على رصد تمردات الجيل الطالع على مؤسسات وشخصيات الجيل السابق.. إلا أن الكاتب "جويل شتاين" لا يلبث أن يدلي بملاحظة نراها جديرة حقاً بالتأمل حين يقول على صفحات "التايم":
- إن شباب "الميلينيا" جيل الألفيين- كما أسميناهم لا يسعى إلى السيطرة على مؤسسات الحكم أو المجتمع أو منظومات الأخلاق والسلوكيات.
في هذا الإطار تسعى "التايم" في هذه الدراسة إلى رصد زمني مقارن بين أجيال عدة توالي ظهورها في تاريخ عالمنا الحديث: يبدأ هذا الرصد من حقبة ثمانينيات القرن 19 التي شهدت مولد جيل الصفقة الجديدة (نيوديل) التي أسندت دوراً رئيسياً للدولة في تحقيق نوع من العدل الاجتماعي في المجتمع الأميركي.. وهناك أيضاً جيل مطالع القرن العشرين الذي خاض معارك الحرب العالمية الثانية ولمّا يبلغ عشرينيات العمر.. ثم جيل طفرة المواليد (بيبي بومرز) .
وقد رأى أفراده النور مع مغيب أربعينيات القرن إلى مطلع الخمسينيات.. وأصبح أفراده الآن في سن التقاعد (ومنهم مثلاً الرئيسان بيل كلينتون وورج بوش- الابن).. ثم هناك جيل الميلينيا، وقد عاش معظم أبناء هذا الجيل الذي رأى النور خلال الأعوام العشرين الفاصلة بين عام 1980 إلى فجر الألفية الثالثة عام 2000.
جيل الألفية الثالثة ولد وسط هذا الاكتمال الراهن لما أنجزه عالم النصف الثاني من القرن العشرين. آباؤه، وربما أجداده كانوا قد أنجزوا منذ الستينيات تحولات جذرية، أكثر من مبشرة في مسار التاريخ الإنساني.. ما بين التلفزيون الملون إلى الاتصالات الفضائية عبر الأقمار الاصطناعية إلى ثورة الحواسيب الإلكترونية إلى طفرة الهواتف المحمولة، إلى التمهيد لظاهرة كوكبية حملت عنوان "العولمة"..
فضلاً عن التوصل إلى ما أصبح يعرف باسم "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات" (آي . تي). حلت أولى سنوات القرن الوليد فإذا بالجيل الطالع وقد أصابته صدمة الحادي عشر من سبتمبر في "نيويورك" بكل أصدائها النفسية والانفعالية.. فما بالنا وقد أتيح لهذا الجيل سبل التواصل اللحظي والشخصي عبر شبكة الإنترنت و"فيسبوك"، وهو ما يضع هذا الجيل البازغ في حال من الازدواجية.. البناءة.
في عبارة واحدة.. يُجمل الكاتب "جويل شتاين" تصوراته عن جيل الألفية الثالثة موضحاً أن أفراده نرجسيون بمعنى الاعتداد الشديد بالذات بفضل ما أصبح متاحاً تحت أيديهم من سبل التواصل والضبط والتدقيق، وبمعنى أن هذا الاعتداد يجعل إعجابهم بالمشاهير لا يصل إلى حدود تقرب من التقديس على نحو ما كانت تفعل أجيال سابقة: هم عاطفيون، ولكنهم لا يندفعون في عواطفهم ولا في تجاربهم مع الآخرين.. ألا ترى أن أقصى أمانيهم أن يوصف الفرد منهم بأنه كول (cool) أي أقرب في عواطفه إلى الانضباط إن لم يكن الفتور أو البرود.