لأن مجلس الأمن هو الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة،فلا عجب أن تتطلع كل الدول أعضاء المنظومة العالمية إلى نيْل عضوية المجلس ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

على أن تأسيس المنظومة الدولية عند منتصف أربعينات القرن الماضي جاء ليعكس حقائق القوة في تلك الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وكان بديهياً أن ينحاز هذا الواقع لصالح القوى الخمس التي حققت قصب السبق في تلك الحرب - وهي القوى التي خرجت منتصرة في الحرب، وتضم كلاً من أميركا.. إنجلترا.. فرنسا.. الاتحاد السوفييتي (روسيا) ثم الصين الوطنية في ذلك الزمان.

امتياز واحتكار

جاءت ترجمة هذه الحقيقة السياسية على شكل "امتياز" أو بالأدق "احتكار" أضفى على تلك الأطراف لقب الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، مع تجسيد هذه الميزة في تمتع كل منهم بحق النقض (ايتو) بحيث لا يصدر أي قرار عن المجلس إلا إذا حاز انعقاد الإجماع من جانب هذه القوى الخمس.. الكلية الاحترام. بعد ذلك يستكمل المجلس الدولي باقي عضويته بانتخاب عشرة أعضاء غير دائمين وهي مكانة تتطلع إليها بدورها سائر الدول أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة البالغ عددها حالياً 193 دولة.

إسرائيل المحرومة

في كل حال، وفي ضوء الأهمية المحورية التنفيذية كما أسلفنا- لمجلس الأمن، فمازالت عضويته دائمة أو غير دائمة- مرادفة للمكانة التي تتمتع بها هذه الدولة أو تلك من دول العالم.

من هنا تأتي أزمة إسرائيل الراهنة. ومن هنا أيضاً يكاد مؤيدوها في أميركا يذرفون دموع الإشفاق والتعاطف مع إسرائيل المحرومة المهيضة الغلبانة لأنها لم تحظ يوماً، وعبر تاريخها الذي يربو الآن على السنوات الخمس والستين، بعضوية مجلس الأمن الدولي في يوم من الأيام، هذا فيما نالت عضوية المجلس دول كثيرة في منطقة الشرق الأوسط.. منها إيران وأكثر من دولة عربية.

والحق أن سبب هذا الحرمان الإسرائيلي لا يرجع إلى نجاح الدعاية العربية المضادة لكيانها الاستعماري الاستيطاني العنصري.. بقدر ما ظل يرجع إلى قواعد ولوائح منظومة الأمم المتحدة ذاتها: هي القواعد التي تقضي وجوباً بأن لا يتم انتخاب أي دولة لعضوية مجلس الأمن بخلاف أعضائه الدائمين- إلا بناء على ترشيح، ومن ثم تأييد، المجموعة الإقليمية التي تنتمي إليها الدولة المطروحة للترشيح.

والحاصل أن إسرائيل لم يقيّض لها يوماً أن تكون عضواً في مجموعة جغرافية ولا كتلة تصويت إقليمية في المنطقة التي توجد على صعيدها.

تلفيق العضوية

وكان بديهياً أن يسعى الكيان الصهيوني إلى "تلفيق" عضوية كيان ما.. وهو ما حدث تحديداً في عام 2000 حين مارست أميركا ضغوطها كي تصبح إسرائيل عضواً في كيان إقليمي اصطفوه يوماً تحت الاختصار الإنجليزي ويوج (WEOG) ويصدق على ما وصفوه بأنه مجموعة الديمقراطيات الغربية بما في ذلك دول غرب أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا!

هنالك بدأت إسرائيل تتلمظ لنيل عضوية مجلس الأمن للفترة 2019-2020 حيث المطروح هو مقعدان لصالح مجموعة الديمقراطيات الغربية السالفة الذكر. يكا من جانبها أعربت عن ترشيحها لواحد من هذين المركزين المأمولين.. وطبعاً استعدت إسرائيل للفوز بالمقعد الثاني، ولأول مرة في التاريخ.

لكن جاء شهر أبريل الماضي بمفاجأة شديدة الإحباط للطمع الصهيوني: لقد أعلنت ألمانيا عن رغبتها في احتلال المقعد الثاني في مجلس الأمن.. وكان في هذا إحباط لأطماع المخطط الإسرائيلي.

الجهود مستمرة

مازالت الجهود مبذولة حتى كتابة هذه السطور ما بين التوسلات والرجاءات.. وما بين الضغوط السياسية البالغة أحياناً حدود الابتزاز.. ومنها مثلاً التلويح بعقدة "الهولوكوست" ومعسكرات الاعتقال النازية وتاريخ "ألمانيا" في هذا المضمار. لكن يبدو أن "برلين" مصممة على نيْل عضوية مجلس الأمن الدولي.. وهي تسوق في باب المسوغات حقيقة أن "ألمانيا" تمثل واحداً من اقتصادات القمة في العالم.. فضلاً عن كونها من أكبر الأطراف المانحة لميزانيات الأمم المتحدة الموجهة لخدمة الأغراض الإنسانية على مستوى العالم كله..

لسان حال برلين يكاد يقول: سوف نفوز بالمقعد الدولي. وعلى إسرائيل أن تنتظر إلى موعد ترشيح مقبل.. والموعد يحل كل 8 سنوات أي في عام 2029.. وساعتها لا يدري أحد ماذا ستكون عليه الصورة والأوضاع سواء بالنسبة للأمم المتحدة أو بالنسبة للشرق الأوسط أو بالنسبة لإسرائيل.