كان ذلك عند أواخر الثلاثينات من القرن العشرين،أبلغوا الرئيس الأميركي الأسبق "فرانكلين ديلانو روزفلت" (1882-1945) أن الحكومة الأميركية بصدد إنشاء مكتب القضايا الاستراتيجية الذي أصبح بعد ذلك يحمل عنوان وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه).. يومها بادر "روزفلت" إلى ترديد ما سبقت إليه ملكة إنجلترا السابقة الإمبراطورة "يكتوريا" (1819-1901) حين أبلغوها بعملية تجسس قام بها أعوانها قالت:
- ليس من شيمة الرجال المحترمين أن "يفتحوا" رسائل الآخرين ويطلعوا على ما تحويه من أسرار.
وبديهي أن تجاوزت موازين التطور كل هذه الأقوال، فكان أن أصبحت الاستخبارات المركزية نموذجاً، لا لفتح رسائل الآخرين بل لمحاولة النفاذ إلى صميم ما يضمرونه من أفكار وما يخفونه من أسرار في عالم النشاط المدني والجهد العسكري على السواء، خاصة وقد اشتعلت نيران المنافسة المحتدمة بين وكالات الاستخبارات.. ما بين (السي آي إيه) في أميركا إلى (الكي. جي. بي) في روسيا.. وما بين (المكتب الثاني) في فرنسا إلى (إمْ- 15) في إنجلترا وخاصة خلال حقبة الحرب الباردة (1945-1990).
ووترجيت
مع هذا كله.. فقد ظلت عقدة الاطلاع على أسرار الآخرين مطروحة ويتم التعامل معها بكل تحوّط واحتراز..
هي بالذات عقدة ما أصبح يعرف في تاريخ أميركا المعاصر بأنه "فضيحة ووترجيت" التي يتمثل جوهرها ببساطة في محاولة الحزب الجمهوري الحاكم في مستهل سبعينات القرن الماضي، الاطلاع.. على أسرار الحزب الديمقراطي المعارض.. ومن خلال عملية سطو تقليدية استهدفت سرقة تلك الأسرار والمستندات من مقّر المعارضين في بناية "ووترجيت" في العاصمة "واشنطن".
ما بالنا إذن لو كانت هذه المحاولات لهتك الأسرار وقد تمت أخيراً.. وزاد من جسامتها أنها كانت اطلاعاً على أسرار أهل "السلطة الرابعة" في أي نظام ديمقراطي معاصر.. وهم المشتغلون بمهنة الصحافة وحرفة المعلومات بكل ما تحفل به من معلومات وأخبار.. وأسرار.
التجسس على الصحافة
تلك هي الأبعاد الجوهرية للقضية التي ما برحت تشغل أجواء الصراعات السياسية المحتدمة في "واشنطن" بعد أن انكشفت أخيراً عملية التنصّت على هواتف الصحافيين العاملين في وكالة "أسوشيتدبرس" العالمية الشهيرة للأخبار، والاطلاع على تسجيلات مكالماتهم بكل ما تحويه من أسرار ومعلومات.. وكان بديهياً أن تتربص المعارضة الجمهورية لشنّ حملة شعواء على نظام الرئيس "أوباما" .
وعلى أساليبه في إدارة الشأن العام في البلاد وهو ما تجلى بوضوح سافر من خلال تركيز المعارضة البرلمانية على قضية الاطلاع غير المشروع على أسرار "الأسوشيتدبرس"، وأيضاً على قضية التعنت المتعمد في التعامل الضريبي مع عناصر المعارضة اليمينية المعروفة باسم "جماعة حفلات الشاي".
الهدف أوباما
وبديهي أن الهدف هو تشويه الحقبة الثانية والأخيرة من رئاسة "باراك أوباما".. أولاً لقطع الطريق على تكرار هذا النموذج الكفيل في حال تكراره بأن يسمح من جديد لمرشح ملون- إفريقي الجذور- أو مرشح هسباني- لاتيني الأصول، أو لامرأة من أي جذور أو أصول ترتقي إلى منصب الرئاسة رقم واحد في البيت الأبيض.
يتم هذا كله في إطار استعداد مبكر لجولة انتخابات الرئاسة في عام 2016.. فيما يتم أيضاً تحت شعار الدعوة إلى صون حرية الصحافة وحرية تدفق وتبادل وتحصيل المعلومات باعتبار ذلك دليلاً معبراً عن سلامة الممارسة الديمقراطية، وهو شعار مضمون النجاح في كل حال.
اقتراح بقانون
وآية النجاح أن سارع الرئيس "أوباما" إلى دفع مؤيديه من أعضاء الكونغرس إلى معاودة اقتراح قانون يكفل مزيداً من الضمانات لحماية الصحافيين من طائلة الكشف عما يحتفظون به من معلومات وأسرار، وعن هوية مَنْ يتواصلون معهم من مصادر هذه المعلومات، وبحيث تشمل هذه الحماية بالطبع عدم تعريض اتصالاتهم الهاتفية لأي اختراق أو محاولة إطلاع.
ومن شأن مشروع القانون الجديد التأكيد على ضرورة أن يكون القضاء الأعلى هو المرجع الأوحد للبت في مدى ضرورة مثل هذا الكشف شريطة أن يكون ذلك على أساس اعتبارات تمس الأمن القومي للبلاد بالدرجة الأولى.. وهنا تُعلق عليه "النيويورك تايمز" قائلة إن فضيحة أسرار "الأسوشيتدبرس" جاءت لتوضح مدى الحاجة الماسّة إلى المزيد من تأكيد حريات الصحافة واحترام مهنة الصحافيين وهو ما يقضي به ويؤكده التعديل الأول للدستور الأميركي.
