في السنوات القليلة الماضية ظلت قيادات الحزب الحاكم في "الصين" توجّه خطابها إلى الجموع المليونية من أبناء وبنات الشعب الصيني قائلة:
- أيها الرفاق.. لدينا فوائض في العملة الوطنية (الرومبينى). والحل هو أن تنفقوا أموالاً أكثر وتشتروا بضائع وأغراضاً أكثر، الحل هو مزيد من الاستهلاك.
المزيد من الاستهلاك
وكان بديهياً أن تنفتح إزاء هذه الدعوات شهية منتجي الكماليات ومستلزمات الترف في العالم، فالصين باتت قادرة أصلاً على إنتاج الضروريات وما فوق الضروريات، لكن الأجيال الجديدة في البلد الآسيوي الكبير أصبحت في حال من التواصل- الإلكتروني بالذات- مع العالم. ومن ثم كانت رغبة هذه الأجيال في استهلاك الجديد، والمزيد أيضاً، وخاصة بعد أن أثبتت اقتصاديات الصين قدرتها وأدخلت بلدها كما هو معروف- في إطار مجموعة "البريكس" الشهيرة من الاقتصادات الناهضة والواعدة وهى تضم إلى جانب "الصين" كلاً من "البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا".
هنالك ظهرت على أبناء الأجيال الجديدة وخاصة كبار مسئولي الحزب والحكومة في "ين" العاصمة وسائر حواضر البلاد، مخايل سلوك الكماليات: ما بين اقتناء ساعات اليد الفاخرة بأسماء مصمميها الأصليين في سويسرا وغيرها، إلى إقامة الحفلات الباذخة .
حيث تقدم أفخر مستوردات الطعام إلى بناء الدور السوبر- أنيقة بعد طول حرمان، على مدار فترات سبق وأن عانتها أجيال الآباء والأجداد، وخاصة في حقبة زعيم الصين التاريخي "ماوتسى تونغ" التي امتدت من مطلع الخمسينات إلى أواخر السبعينات من القرن العشرين.
التقشف
لكن عام 2013 الحالي جاء ليشهد دعوة معاكسة لتيار الاستهلاك والفخفخة والكماليات: والدعوة جاءت لتحمل عنواناً من كلمة واحدة تعرفها جيداً الأدبيات الاقتصادية في "الصين" وهى: التقشف
هذا ما دعا إليه، ولايزال يشدد عليه السيد "ساو جنبنغ" زعيم الصين الجديد، منذ أن تولى منصبه القيادي رئيساً للحزب الحاكم في شهر نوفمبر من العام الماضي.
من يومها بادر الزعيم المستجد إلى ترجمة دعوته إلى ما وصفه بأنه "شد الحزام" حيث أصدر قرارات تحول دون سلوكيات البذخ سواء في استيراد السلع الكمالية، أو في تشييد المباني الحكومية الفاخرة وعلى مدار الخمس سنوات قادمة.
هدف آخر
ورغم الهلع الذى أصاب منتجي ومصدري هذه الكماليات في أصقاع شتى من الغرب الأوروبي- الأمريكي، إلا أن أوساطاً عديدة في الغرب أيضاً بادرت إلى طرح السؤال الذى يقول:
- ترى: هل عمدت الصين إلى إعلان التقشف لأنها أصيبت بأدواء الأزمة المالية - الاقتصادية التي ما برحت تصيب الكيان الأوروبي وتكاد تودى ببعض أجزائه وفروعه إلى إلى شفا الإفلاس؟
ومن عجب أن الإجابة تحمل المصطلحين معاً وهما: "نعم".. و "لا" !
نعم: إن "الصين" أعلنت مؤخراً سياسة التقشف- لكن ليس على طريقة "التحول إلى التقشف" على نحو ما يصفه الاقتصادي الأمريكي، حامل جائزة نوبل العالمية "بول كروغمان" حين أكد على ضرورة "التحول نحو التقشف" باعتباره طوق الإنقاذ لاقتصادات أوروبا التي ما برحت تعانى من عقابيل "أزمة اليورو".
ثم لا: لان التقشف في "الصين".. له هدف آخر تلخصه بدوره عبارة واحدة لها دلالات لا تخفي.. والعبارة هي: مكافحــة الفســاد.
تعاليم كونفوشيوس
في هذا الإطار يقول البروفيسور "ون ديلورى"، الأستاذ بجامعات كوريا الجنوبية:
- إن دعوة "الصين" إلى التقشف لا تستند إلى أفكار "كينز" ولكنها مستمدة من تعاليم "كونفوشيوس". والمعنى هو أن "الصين" لن تتقشف استجابة لما سبق ودعا إليه الاقتصادي البريطاني "ون ماينارد كينز" (1883- 1946) قبيل وبعد الحرب العالمية الثانية من أجل إعادة بناء أوروبا.
"الصين" تتقشف لأنها تستلهم تعاليم فيلسوفها التاريخي "كونفوشيوس" في الدعوة إلى بساطة أسلوب الحياة وفي عدم الإغراق في سلوك الترف وفي عدم الانسياق وراء إغراءات الإسراف والمغالاة.. والانغماس في نعيم الحياة وهو ما أدى إلى انهيار حضارات غبرت، وزوال دول وممالك سبقت في سجل التاريخ.
عن «الزيتا» في البحر الكاريبي
"الزيتا" اسم مازال يثير الرعب في نفوس شعوب وأوساط كثيرة في نصف الكرة الغربي من عالمنا. فأما الشعوب فهم سكان "الأميركتين" وخاصة في منطقة "أمريكا الوسطى" المطلة على البحر الكاريبي، وهى المنطقة الفاصلة بين قارة أمريكا الشمالية ونظيرتها القارة الجنوبية المعروفة بحكم ثقافتها الإسبانية بقارة أمريكا اللاتينية. أما الأوساط التي مازالت مشغولة بأمر "الزيتا" فمعظمها يتمثل في دوائر إنفاذ القوانين وخاصة ما يتعلق بقوانين ملاحقة ومحاكمة عتاة المجرمين.
أصل الحكاية هي أن "الزيتا" هي أكبر عصابة لتهريب المخدرات والإتجار بها في تلك المنطقة من العالم.. وهى تتخذ مقرها الرئيسي في "المكسيك" حيث تمثل أخطر منظمة إجرامية في تلك المنطقة على نحو ما تقول الدراسة التي نشرتها مؤخراً مجلة "السياسة الخارجية" (فورين أفيرز- بتارخ 5/8/2013).
ورغم أن العالم- وخاصة في الشطر الغربي الذى أشرنا إليه- حافل بعصابات المخدرات، إلا أن خطورة "الزيتا" إنما تتمثل في كونها أقرب إلى "المنظمة العسكرية" المزودة بأحدث وأعقد أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة على السواء.
يرجع تاريخ تشكيلها كعصابة إجرامية إلى عام 1997 حيث عمدت إلى تجنيد العساكر الهاربين من خدمة الجيش المكسيكي وبالذات من سلك القوات الخاصة المحمولة جواً من فروع الجيش المذكور وكان أن ورثت كما تقول دراسة "الفورين أفيرز"- تركة منظمة أخرى كانت عاتية بدورها وتحمل اسم "الكارتل" بمعنى الاحتكارية بعد أن قبضوا على زعيم "الكارتل" إياها وسلموه إلى سلطات الولايات المتحد.
ومن ثم بدأ نفوذها يذوى كي تتسلم راياتها الإجرامية منظمة "الزيتا" التي تميزت عن سواها بأنها عمدت إلى تنويع مصادر دخلها. وبدلاً من التركيز فقط على أنشطة تهريب المخدرات انطلقت "الزيتا" في ممارسة أنشطة خبيثة أخرى ما بين القرصنة إلى الابتزاز، وما بين الاختطاف إلى تهريب المهاجرين، إلى سرقة البترول من داخل أنابيب توصيل البترول. أما السمة الخطيرة الأخرى .
فقد تمثلت في ممارسة أبشع أنواع العنف بحق الضحايا، وإلى حد لم يتورعوا معه عن قطع الرؤوس أو تذويب الجثث في الأحماض، ومن هذه الفظائع ما كانوا يرتكبونه بهدف أساسي هو: مزيد من سمعة الترويع والترهيب.
والحاصل أن استمرت هذه السمعة الفظيعة والخطيرة إلى أن جاء منتصف الشهر الماضي: في 15 يوليو نجحت أجهزة الأمن في القبض على زعيم عصابة "الزيتا" واسمه "ميغيل تريفينو موراليس"، ورغم أن الكثيرين تنفسوا الصعداء، إلا أن المجلة الأمريكية لا تفتأ تحذّر من أن الأمر لن ينتهى بهذه السهولة: صحيح أن العصابات تهتز قوائمها وتضعف قواها بعد توقيف (أو اغتيال) رؤوسها، إلا أن من السابق لأوانه تصّور أن في توقيف وسجن "موراليس".
معناه كتابة نعى يشيّع "الزيتا" إلى غياهب التاريخ. والسبب الأساسي في ذلك هو أنها أصبحت "نموذجاً" قابلاً للاحتذاء في طول الأصقاع الأمريكية وعرضها: تنظيم مسلح وقوة جبارة من خارج الشرعية القانونية، وموارد بغير حدود بحكم تنويع أنشطة الإجرام.
لكن يظل الأمل معقوداً في أن توقيف زعيم العصابة جاء حلقة مستجدة في سلسلة هجمات من دوائر إنفاذ القانون ومع ذلك فلأنها أصبحت نموذجاً في الإجرام المسلح، فالتحذيرات متواصلة وموجهة بخاصة إلى حكومات أمريكا الوسطى، ومضمون هذه التحذيرات تقول: حافظوا على حراسة مواقعكم الحيوية وخاصة مواقع إنتاج وتصدير البترول.
