وزير الخارجية الأميركي يريد لو يحفر لنفسه ولاسمه مكانة في سجل التاريخ. وبعد الرحلات المكوكية التي سبق وأن قام بها خلال الأشهر القليلة الماضية على ساحة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بادر جون كيري مؤخراً إلى الإعلان عن بوادر استئناف المحادثات بين الطرفين العربي الفلسطيني والصهيوني الإسرائيلي في محاولة للتوصل إلى اتفاقات يُعتد بها من أجل سلام منشود.
بناء المستوطنات
كانت المحادثات قد انهارت كما هو معروف منذ عام 2010 واتسع نطاق انهيارها، ولا يزال، بعد استشراء سطوة اليمين السياسي- العنصري الحاكم في إسرائيل. وخاصة ما يتعلق بالإمعان في حركة بناء المستوطنات غير الشرعية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية وإلى حد بدا في التماسّ مع محيط مدينة القدس. وكأنما يتمثل الهدف في المصادرة على أن تكون القدس الشرقية- عاصمة للدولة الفلسطينية المأمولة في يوم من الأيام.
إن الإطلالة على المشهد الراهن - ومن منظور سياسي موضوعي بالدرجة الأولى- لا تكاد تبشر بالكثير: صحيح أن الجانب الفلسطيني ممثلاً في دوائر السلطة في رام الله أظهر استعدادا مبدئياً لاستئناف المحادثات.
وصحيح أن حكومة «نتنياهو» أعلنت على لسان أحد وزرائها - أن بالإمكان بدء المحادثات في غضون أيام. إلا أن الطريق لا يزال وعراً ومحفوفاً بالمخاطر سواء للطرفين المباشرين فضلاً عن السيد «كيري» الذي يطمح إلى أن تكون جهوده كما أسلفنا- شيئاً مذكوراً في دفتر التاريخ.
على طرفي نقيض
ربما يكون هذا الطموح، وهو طموح مشروع بداهة، هو الذي دفع وزير الخارجية الأميركي إلى إعلان الاستعداد لدعوة الطرفين لبدء محادثاتهما في العاصمة «واشنطن» وفي غضون أسبوع تقريبا..
لكن هاهما الطرفان وقد عمد كل منهما إلى صبّ دشّ من الماء البارد على رأس تلك الفكرة. على نحو ما ذكرت مؤخراً جريدة «النيويورك تايمز» الأميركية.
الفلسطينيون من ناحيتهم قالوا إنهم لن يشرعوا في بحث أي اتفاق بين الطرفين إلا إذا جاء على أساس الحدود التي كانت قائمة قبل يونيو حزيران من عام 1967.
الإسرائيليون طرحوا حججاً- لوجستية وإجرائية في معظمها، ويدور أغلبها حول ضرورة استطلاع رأي الائتلاف الحاكم حالياً في إسرائيل، وهى حجة يلجأ إليها عادة أي طرف متفاوض لتقليل المفروض أن يقدمه من تنازلات بدعوى أنه جزء من ائتلاف سياسي يجدر الحفاظ عليه.
تنس طاولة
هنا تلمح «النيويورك تايمز» في مقالها الافتتاحي (عدد 25/7) إلى أن المسألة أصبحت أقرب إلى لعبة تنس الطاولة: كرة مقذوفة وكرة مرتدة. وكرة تنطلق إلى ساحة الخصم وأخرى تعود من الساحة المذكورة. وهكذا:
إسرائيل أعلنت عن إطلاق سراح 82 سجيناً فلسطينياً كانوا رهن محابسها منذ اتفاقات «أوسلو» إياها في عام 1993ثم وعدت بإطلاق سراح المزيد من هؤلاء «الأسرى» الفلسطينيين.
إسرائيل تعلن عن تباطؤ حركة الاستيطان التي كان من شأنها كما هو معروف تقليص مساحة الأرض المتاحة لإقامة دولة فلسطينية.
الفلسطينيون ألمحوا إلى أنهم لن يواصلوا خطاهم خلال سير المحادثات المفاوضات لرفع مستوى تمثيل فلسطين في محافل المنظمات الدولية.
الاتحاد الأوروبي ظهر في الصورة: يعلن ضغوطاً على إسرائيل فيهددها بخفض معوناته إليها في حال امتناعها عن المفاوضات.
الاتحاد الأوروبي أيضاً يتخذ من جانبه خطوة تقضي بوضع حزب الله اللبناني على قائمة عناصر الإرهاب الدولي.
أنصاف الحلول
هنا تعلق افتتاحية «النيويورك تايمز» قائلة في غير مواربة:
بعدها تناقش «التايمز» نية «جون كيري» تعيين مبعوث أميركي متفرغ تماماً للإشراف على المفاوضات.
وبصرف النظر عن أسماء وهويات المرشحين فالأجدى بالتأمل- في تصورنا- هو ما خلصت إليه الجريدة الأميركية الكبرى حين أنهت تحليلها السياسي على النحو التالي :. لا مصلحة في أن يتبدد حلم الدولة المستقلة التي طالما ظل يطمح إليها الفلسطينيون.
ولا مصلحة أيضاً في أن تتحول إسرائيل من دولة ذات أغلبية يهودية إلى دولة ذات أغلبية عربية في ظل التزايد المطرد للسكان الفلسطينيين (الواقعين تحت الاحتلال).
