أحداث مستجدة في غانا- غرب إفريقيا تجلت مع أواخر يونيه الماضى.. فإذا بها توضح نوعية المشاكل التي أصابت مؤخراً قطاع المناجم في البلد الإفريقي المذكور الذي مازال يشار إليه على أنه في طليعة من ناضلوا للحصول على الاستقلال عن الإستعمار البريطانى منذ عام 1957 وكان ذلك على يد زعيمهم الرائد «كوامى نكروما» (1909-1972).

الصين هناك

لقد جاءت دلالات الأحداث الأخيرة في غانا لتوضح أموراً أوسع وقضايا أكثر عمقاً وأهمية، ويمكن تلخيصها بإيجاز شديد في التالي:

.. إن «الصين» تمارس دوراً بالغ الأهمية والخطورة في طول القارة الإفريقية وعرضها.

إن ثمة نشاطاً تمارسه «الصين» في «غانا» يتم في قطاع «نفيس» بكل معنى وهو: مناجم الذهب.

وبديهي أن اسم «غانا» قبل أن يضفيه «نكروما» ورفاقه على وطنهم الإفريقي مع نيل استقلاله كان كما يلي:» ساحـــل الذهـــــب «

والحاصل أن جاء رجال التعدين من «الصين» في أقصى الشرق الآسيوي ليعملوا في ميدان الصناعات الاستخراجية في «غانا» عند أقصى الغرب الإفريقى.

الفساد والجريمة

لكن مشكلة هؤلاء الوافدين من «الصين» أنهم صادفوا مشاكل عاتية ومتشابكة وشديدة التعقيد. وكان في مقدمة هذه المشاكل آفة الفساد السلوكي الضاربة أطنابها، كما يقول الصحافي الأميركي «دان ن»، في صفوف جهاز الشرطة الغاني.

فضلاً عن عصابات اللصوصية «الوطنية» كما قد نسميها، وهي التي ما برحت تمارس نشاطها في مداهمة مخيمات الباحثين عن الذهب من العناصر الصينية لسرقة محتوياتها سواء من الآلات المستخدمة أو المعدات المجلوبة فضلاً عن كميات. بل هي كنوز الذهب التي يتم استخراجها وتجميعها تمهيداً لتصديرها إلى خارج الحدود.

حمّى البحث عن الذهب

والحاصل أن الوافدين من «الصين» جاءوا على متن طائرات تجارية مستأجرة ومن منطقة «غوانغسى» الصينية المتمتعة بالحكم الذاتي، في موجة عارمة للبحث عن الذهب الإفريقى من مناجمه البالغة السخاء. استدانت جحافل القادمين من «الصين» كى توفر نفقات البحث عن المعدن النفيس.

شمّرت عن ساعد الجهد في «غانا» باعتبارها ثاني أكبر بلد يحوى مناجم الذهب في القارة السمراء (بعد جنوب إفريقيا). صادف الصينيون الذهب الذي به يحلمون لكن صادفتهم من جانب آخر صنوف المتاعب التي مازالوا من جرائها يكابدون. المشكلة أن كانت المسألة أقرب إلى مغامرات حمّى البحث عن الذهب (The Gold Rush) التي صورتها أفلام الكوميديان العبقري «شارلي شابلن» منذ بواكير صناعة السينما.

فرحة لم تتم

جاء الصينيون بغير غطاء رسمي من جانب حكومتهم. بمعنى أن جاءوا أقرب إلى جحافل من مغامرين اقترضوا أموالاً طائلة. فادحة من شركات تمويل خاصة في بلادهم. وكم كانت فرحتهم، وأطماعهم. وأحلامهم بعد أن عثروا على مناجم الذهب في «غانا». ولكن ها هم يتعرضون لإغارات اللصوص، ولغضبة الأفارقة من سكان القرى المحدقة بمناجم الذهب، ولدرجة باتت تهدد حياة الكثيرين منهم.

وهى درجة ينقل معها الكاتب الأميركي «ن» شكوى الصيني «شن ايكوان» الذي ينعى مصير ابنه العامل المستثمر حالياً في مناجم «غانا» الذهبية.. وهنا يقول الأب: ابنى قد يواجه مصير القتل إذا بقى في «غانا».. وهو يواجه مصير القتل أيضاً إذا جاء إلى «الصين». ولسوف يطالبه الدائنون بمبلغ الثلاثة مليون/نمنبى التي اقترضها لبدء مشروعه في إفريقيا (تعادل نحو نصف مليون دولار).

المهم أن مثل هذه الأحداث بكل مالاتها التراجيدية. تأتي كي تهدد سلامة وكيان العلاقات مع غانا التي طالما اعتبرتها بيجين «درة التاج» كما يسمونها في صرح استراتيجية «الصين» على صعيد القارة الإفريقية، خاصة وقد زاد حجم التبادل التجارى- الرسمى هذه المرة بين البلدين في عام 2012 ليصل إلى 5.5 مليارات دولار.