محطته الأولى كانت «داكار» عاصمة «السنغال». على أرضها وضع «باراك أوباما» قدمه على أرض القارة الإفريقية التي ما زالت تضم أصوله وجذوره في مجتمع «كينيا»- بل مجتمع مسلمي كينيا على وجه الخصوص.
صحيح أن الحالة الصحية للزعيم «مانديلا» شكلت ستاراً قاتماً كان لابد وأن ينال من وهج الزيارة التي طال انتظارها من جانب رئيس أميركي ينتمى من حيث الجذور إلى القارة السمراء، إلا أن «أوباما» سلّم أمره كما يبدو إلى الله، وقرر بالطبع أن يتعايش مع تطور الأحداث، وتكلم عن الزعيم «مانديلا» فأطلق عليه الوصف التالي: « إنه بطل الإلهام العالمي».
جزيرة غورية
والحاصل أن واضعي برنامج رحلة «أوباما» لم يفتهم أن يدرجوا في جدول الأماكن المقصودة زيارة موقعين لكل منهما دلالته الخاصة:
الموقع الأول هو جزيرة «غورية» القريبة من عاصمة «السنغال». لماذا؟.. لأنها تعد بنظر المؤرخين المحطة الرئيسية لتجارة العبيد- من الأفارقة الذين كان يتم «صيدهم» من الأدغال والغابات والأحراش التي تغطي رقعة غرب إفريقيا، ومن ثم كان يجري شحنهم بضاعةً بشرية بائسة على متن سفن الشقاء عبر مياه الأطلسي إلى أراضي «العالم الجديد» الذي عرفه الناس بعد ذلك باسم «أميركا».
وثمة سنة فاصلة في هذا التقويم غير الإنساني وهي عام 1619 التي شهدت كما تقول «موسوعة كولومبيا الأميركية»- وصول أول سفينة عبيد أفارقة إلى ولاية «فرينيا» حيث استخدمهم مُلاّك الرقيق في زراعات القطن والقصب وتحت وهج الشمس المحرقة، وخاصة في الأصقاع الجنوبية من الولايات المتحدة، وفي ظل ظروف غير إنسانية، على نحو ما صوّرته الكاتبة «هاربيت بيتشر ستو» (1811-1896) في روايتها الشهيرة بعنوان «كوخ العم توم» الصادرة عام 1852.
الجزيرة- السجن
المحطة الثانية التي أدرجوها ضمن جدول زيارة «أوباما» هي جزيرة «روبن» المتاخمة لمدينة «كيبتاون» وهي التي شهدت كما أسلفنا- سجن المناضل - الشاب وقتها- «نيلسون مانديلا» على مدار 27 عاماً كاملة انتهت عام 1990، وقد حدث أن «مانديلا» حين زار القاهرة خلال عقد التسعينات أبدى رغبته في زيارة ضريح الزعيم الراحل «عبد الناصر» وعلّق يومها قائلاً:
كان بيني وبين «ناصر» موعد للتباحث في قضايا النضال المشترك في إفريقيا. ولكنني لم أستطع الوفاء بالموعد، فقد ظللت رهين المحبس على مدار الأعوام السبعة والعشرين.
وبالنسبة لأوباما فقد كثرت التساؤلات عن سبب تفضيله «السنغال» كأولى محطات زيارته الإفريقية التي طال انتظارها. وتمثلت الإجابة في رغبة الرئيس الأميركي الملون في تسليط الأضواء كما يقول الصحفيان «آدم نوسيتر» وزميله «ألان كويل» على الثقافة الديمقراطية التي تتميز بها «السنغال» التي لم تشهد أي انقلاب لنظام الحكم في يوم من الأيام.
ترحيب مبالغ فيه
ومن جانبهم، رحب أهل «السنغال» بهذه البادرة من جانب رئيس الولايات المتحدة.
وفي تصورنا أنهم بالغوا في هذا الترحيب إلى حد غير مقبول في بعض الأحيان.. إلى حد تزويق صورة إفريقيا بعيداً عن حقيقة الواقع، وكان أن بادروا إلى تنظيف غير معهود لشوارع العاصمة «داكار»، وطردوا جحافل المتسولين وأفواج الباعة الجائلين وسحبوا صفوف السيارات المكدسة في شوارعها الرئيسية وزرعوا بدلاً من ذلك عدداً لا يستهان به، كما يقول الصحفيان الأميركيان - من الأعلام الأميركية الصغيرة كي تزين الأعمدة المضاءة بالأنوار المبهرة وفيما تحرسها دوريات الشرطة السنغالية على طول ساحل المحيط الأطلسي.
محللو السياسة الإفريقية فسّروا مثل هذه الخطوات على أنها محاولات للتقرب- ربما التزلف- للرئيس «أوباما».. لعله يمد يد العون إلى «السنغال» وما في حكمها من أقطار إفريقيا. لكن الصحفيين الأميركيين ينقلان عن مواطن سنغالى اسمه « أمادو (أحمدو) دياللو» عبارات قال فيها:
لست أتوقع شيئاً من «أوباما». لقد انتخبه الأميركيون من أجل أن يطوّر «أميركا» وليس «السنغال».
في السياق نفسه يضيف الكاتبان «نوسيتر» وزميله «كويل» عبارات تقول:
«أمادو دياللو» يعمل مقاول بناء، لقد نطق هذه العبارات وهو يقف خارج محل بسيط في «داكار» حافل بالأواني والقدور، أما في داخل المحل فكان ثمة شاب سنغالى عاكفاً على تلاوة القرآن.
