"لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، هكذا عبرت الثقافة العربية في تجلياتها الإسلامية عن موقفها من الفقر، ليس صدفة إذن أن يعّبر شاعر عربي محدث هو المرحوم "صلاح عبد الصبور" ( في رائعته مأساة الحلاج) عن الفقر قائلاً: ليس الفقر هو الجوع إلى اللقمة والعُرى إلى الكسوة ..

الفقر هو القهر.

الفقر هو استخدام الفقر لإرهاق الروح.

والمعنى أن حالة الفقر لا تقتصر على مجرد نضوب الموارد بقدر ما أنها تنصرف بشكل أشمل حيث تغطى الجوانب الروحية والسلوكية والنفسانية للإنسان.

الغايات الإنمائية

من هنا جاءت محاربة الفقر، وبالأدق "القضاء على الفقر،" لتتصدر قائمة ما اصطلح عليه المجتمع الدولي مع بداية القرن الجديد تحت الشعار التالي: الغايات الإنمائية للألفية.

وفي إطار هذه الغايات جاء بالتحديد هدف تخفيض عدد الفقراء في عالمنا إلى النصف وبحلول عام 2015.

ساعتها وفي قمة الألفية إياها التي التأم عقدها سبتمبر عام 2000.. بدا عام 2015 بعيداً، ومن ثم تَصّور قادة العالم آنذاك أن حكاية "تنصيص" حجم الفقر العولمى أمر ممكن التحقيق.

ورغم أن أحوال العالم ما زالت عصية على الإحراز الكامل لهذا الهدف، إلا أن أوساط المنظومة الدولية أفادت مؤخراً بأنه أمكن التعامل الإيجابي مع الفقر ولكن من زاوية التركيز على "الفقر المدقع" على وجه الخصوص، وهى حالة تقاس بمبلغ دولار واحد فقط لا غير يحصّله الفقير المدقع في اليوم، وبديهي أنه لا يكاد يصل بذلك حتى إلى حد الكفاف.

شيء من التفاؤل

من هنا تنفست المنظومة الدولية بعضاً من الصعداء كما قد نقول حين أفادتها أحدث الإحصاءات المقارنة بما يلي.

٪ 1990 - - 43 ( 1.9 ).

٪ 2000 1.2 ( 21 ) 1.25 . 4 .

المهم أن هذا التحسن في مكافحة الفقر بات يمثل عامل تشجيع سواء للمحللين والأكاديميين أو لمسؤولي المؤسسات المالية الدولية.

عام 2030

ومن هنا شهد إبريل الماضي عقد مؤتمر صحافي في سياق دورة الربيع للمؤسسات المالية الدولية في "واشنطن". وفي سياق المؤتمر ناقش المجتمعون قضية مكافحة الفقر الكوكبي أو العولمي. وفي هذا السياق أيضاً رفع "يم يونغ كيم" رئيس البنك الدولي ورقة كتب عليها بقلمه عبارة واحدة هي: عام 2030

ثم ردد على مسامع الحاضرين قائلاً:

- نعم أيها السادة هو عام 2030 الذي نراه بمثابة الهدف العالمي المنشود لإنهاء حالة الفقر فوق سطح الكرة الأرضية.

وهنا تعلق مجلة "الإيكونومست" البريطانية قائلة:

- إن رئيس البنك الدولي كان بهذا يردد أصداء الوعد الذي سبق وأن قطعه في شهر فبراير الماضى الرئيس الأميركي "باراك أوباما" حين قال:

- إن الولايات المتحدة سوف تمّد أيديها كي تشارك حلفاءها من أجل استئصال شأفة الفقر المدقع في غضون العشرين سنة المقبلة.

فهل نردد من جانبنا القول المأثور: أفلح إن صدق.

 الشباب يشعلون الحرائق في السويد

 السويد بلد يرتبط في الذهنية العالمية بالرخاء وراحة البال وسكون الحياة، وفي أذهان مثقفي العالم ترتبط السويد بالجائزة الدولية الرفيعة التي رصدها مواطن سويدي كان اسمه "ألفريد نوبل" (1833 - 1896) تكفيراً من جانبه وإراحة لضميره المعذّب لأنه شارك في اختراع الديناميت الذي يستخدمه المتحاربون والإرهابيون في عمليات القصف والدمار.

وفي الذهنية العربية ترتبط السويد بالوسيط الدولي الكونت "برنادوت" الذي ندبته الأمم المتحدة للتوسط خلال ملابسات الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 وإقرار هدنة بين الطرفين العربي والإسرائيلي وإذ لاحت من السياسي السويدي بادرة عدل في صف العرب أصحاب الحق والأرض الشرعيين، لم يتردد الإرهابيون الصهاينة في اغتيال الوسيط السويدي نفسه دون خشية من حساب أو عقاب.

ترتبط السويد أيضاً في الذهنية العربية بموقف محترم لمواطنها "داغ همرشولد" الذى هدد بالاستقالة من منصب الأمين العام للأمم المتحدة احتجاجا على شن العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.

هذه هي السويد التي ظل الكثيرون يحسدونها: وطناً وشعباً على صورتها الهادئة الهانئة لأنها لم تخضْ حرباً على خلاف ما حدث في أوروبا في عامي 1914 و1939 ولا ذاقت مرارات مجاعة ولا ويلات أزمة في يوم من الأيام.

مع هذا كله فالصورة بدأت تتغير في الفترة الأخيرة الماضية، وبصورة غير متوقعة لدرجة أن بدأت أوساط الميديا الدولية تطلق على الوضع في السويد الوصف التالي: المفاجأة الملتهبة بنيران الحريق!

نعم لقد اندلعت النيران مؤخراً في ضواحي العاصمة "ستوكهولم" لم تشعلها عناصر وافدة يستسهل أهل الغرب- الأمريكان بالذات - أن يطلقوا عليها أوصاف الإرهاب، لقد اندلعت الحرائق على يد الشباب السويدي الذي لم يتردد أفراده في إشعال النيران في السيارات. ولم يكن السبب مجرد مقاطعة ثقافية أو انفلات في الأعصاب بل كان السبب يرجع ياللغرابة- إلى سوء الأحوال الاقتصادية في السويد!

هنا تلخص الدوائر المتخصصة معنى هذا السوء في الأحوال على النحو التالي، بطالة واسعة النطاق اتساع الهوة الفاصلة بين الدخول الاقتصادية والإيرادات زيادة التوترات التي لم يعد بالوسع إخفاؤها بين مواطني السويد وبين المهاجرين إلى أراضيها وخاصة من أقطار العالم الثالث، أو بين من يسمونهم أهل السويد من ذوي البشرة البيضاء (وهم أحفاد شعوب اايكنج من قدامى سكان سكندنايا النورماندية في شمال أوروبا) وذوي البشرة الغامقة أو القمحية أو السوداء من القادمين هجرة أو لجوءً عبر الحدود.

كل هذا جاء في غير صالح الحكومة الحالية على نحو ما شهدت به أحدث استطلاعات الرأى العام، وهو ما يصبّ- كما يقول المراقبون في صالح المعارضة التي يمثلها الاشتراكيون الديمقراطيون. ومحور هذه القضية الشبابية يتمثل في ظاهرة سلبية محورية هي: البطالة.

خاصة وأن ثمة معاناة ناجمة عن أزمة اليورو التي ما برحت تهز قوائم اقتصاد الاتحاد الأوروبي وتكاد اليونان تشكل أفدح نموذج لعقابيلها، ولدرجة أن تأتي آخر الأنباء لتفيد بأن حكومة "أثينا" بادرت إلى إغلاق هيئة الإذاعة والتليفزيون الرسمية ولو من باب توفير النفقات.