خمسون سنة بالتمام والكمال انقضت على تأسيس الكيان الذي بدأ تحت اسم "منظمة الوحدة الإفريقية" وتحولت بعد ذلك كي تتخذ اسما جديداً هو "الاتحاد الإفريقي"، أوساط دولية مختلفة تابعت وقائع الاحتفال الذي أقيم مؤخراً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بهذا الخصوص، كان بديهياً أن تنشر الصورة التقليدية الجامعة لأصحاب الفخامة من رؤساء الدول الإفريقية وعواهلها، ممن راودهم الاعتزاز .

ولا شك بأن منظمتهم الجامعة استطاعت الصمود والاستمرار على مدار هذه العقود الخمسة من عمر الزمن المعاصر. وكان طبيعياً أن يوجه المشاركون في هذا الاحتفال سيلاً من النقد إلى المحكمة الجنائية الدولية في "لاهاي" خاصة وقد صدرت عنها وثيقتا توقيف بحق كل من رئيس "السودان" ورئيس "كينيا".

الخروج الجماعي

لكن كان للمناسبة وجه إيجابي آخر. هو ما أنجزته إفريقيا في مجال النمو الاقتصادي. بيد أن أخطر ما يواجه إفريقيا كما يؤكد الخبراء- هو ظاهرة الخروج الجماعي الكثيف للنُخب من أبناء القارة السمراء مهاجرين إلى بلاد الله الواسعة، وهو ما أصبح يطلق عليه في الأدبيات السياسية العالمية الوصف التالى: الأكسودس. (الخروج الجماعي).

تذكر الأرقام أن مايتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف من الأفارقة يغادرون القارة في هجرات دائمة أو مؤقتة حسب التساهيل كما قد نقول. والخطورة أن هذا "الأكسودس" يضم في غالبيته المهارات والكفاءات التي طالما تعبت إفريقيا في تربيتها وتعليمها وانتظار أن يأتي على يديها خير أو تنمية في هذا القطاع أو ذاك.

أما سبل ومسارات الخروج على نحو ما يذكر "ريتشارد داودن" (في كتابه عن إفريقيا) فيشمل عشرات الآلاف الذين يحاولون شق طريقهم عبر الصحراء الإفريقية الكبرى على متن ما يمكن وصفه بأنه حافلات الشقاء وشاحنات الفرار، آملين- كما يقول الباحث المذكور- في أن يلتمسوا لأنفسهم سبيلاً عبر مياه البحر المتوسط إلى أوروبا. أما أهل "الأكسودس" الآخر فهم لا يتورعون عن ركوب قوارب تعيسة بدورها تبحر.

أو تحاول أن تبحر، من سواحل غرب إفريقيا المطلة على المحيط الأطلسى في محاولة أن يبلغوا بدورهم أية موانئ أو مواقع في إسبانيا أو البرتغال. وبديهى أن ترتبط هذه الظواهر من مفارقة الأوطان بأكثر من مأساة حيث يموت عدد لا يحصى من هؤلاء المفارقين الذين تردمهم رمال الصحراء أو تطويهم لجة المياه العارمة في جنبات الأطلسي.

تحويلات إلى إفريقيا

لكن "الأكسودس" مستمر بغير انقطاع. وهو مرتبط عضوياً بظاهرة تحمل إسم "الدياسبورا الجديدة" ظاهرة الشتات الإفريقي التى تنطوي- كما تدل على ذك أحدث ألإحصاءات على جانب إيجابي بكل تأكيد. ويتمثل هذا الجانب كما يعترف المراقبون في قوة الوشائج التي ما برحت تربط الفرد الإفريقي المهاجر ومجتمعه الأصلي حيث الأسرة.. العشيرة..

والأقارب ومن في حكمهم من أفراد أو جماعات.. فالإفريقي ينجح في الهجرة الفرار كما يصر على ذلك الكاتب "ريتشارد دازدن" ولكنه لاينسى قط الأواصر التي تظل تربطه بمجتمع القرية.. الغابة.. البلدة .. القبيلة التي نشأ في كنفها.

تحويلات المهاجرين

وهنا تتجلى إيجابية التحويلات الخارجية التي تصبّ في شرايين الاقتصادات الوطنية للقارة الإفريقية، وبالعملات الصعبة طبعاً تلك التي تعمد إلى تحويلها ولو بمبالغ محدودة حسب ما يتيسر جموع الأفارقة المهاجرين إلى أقطار أوروبا والأميركتين..

وهذه التحويلات عملت على تقديرها منظمة الأمم المتحدة منذ نحو 4 سنوات وأفادت بأنها زادت على 40 مليار دولار في العام الواحد، هذا بالإضافة إلى ما قد ينفقه المغتربون المهاجرون من مبالغ لا يستهان بها خلال فترة عودتهم للإجازة أو الزيارة في ربوع الوطن الإفريقي الأم.

ولا تزال الظاهرة مستمرة.