لأن السياسة الخارجية لأي بلد في عالمنا هي بشكل موضوعي، انعكاس لسياسته الداخلية. فقد رصد المراقبون محاولة تجرى حالياً لترجمة هذا المبدأ على مستوى وزارة الخارجية الأميركية.

المحاولة يقودها وزير خارجية واشنطن ون كيري. لا يتردد المسؤول الأميركي المذكور في الإفادة من تجارب ومحاولات من سبقوه إلى هذا المنصب المحوري في سلك الإدارة الحاكمة في واشنطن، التي درجت تقاليدها على التعامل مع وزير خارجية البلاد على أنه بمثابة الوزير الأول، وربما كبير الوزراء باعتبار أن الهيكل الحكومي في الولايات المتحدة لا يضم منصب رئيس الوزراء أساساً.

دبلوماسية المكوك

من هنا رأينا كيرى ينسج على منوال سلفه هنري كيسنجر الذي اصطنع كما هو معروف - دبلوماسية «المكوك» وخاصة في مقاربة قضايا الشرق الأوسط بشكل عام. وقضية الصراع العربي - الإسرائيلي على نحو خاص.. وهو ما تجلى في الفترة الأخيرة على شكل رحلات متوالية. وزيارات متلاحقة مكوكية إن شئت- قام بها كيري إلى أكثر من عاصمة من عواصم الوطن العربي.

لكن الجديد الذي أتى به وزير خارجية أوباما بات يتمثل في العمل على وضع الرأي العام المحلي الأميركي في صورة ما تشهده سياسة بلاده الخارجية وأنشطتها الدبلوماسية من مخططات وأنشطة وجهود. هذا هو ما أوضحه مايكل هامر مساعد الوزير الأميركي للشؤون العامة، في مقال نشرته مجلة «السفراء» الصادرة عن مجلس السفراء الأميركيين (عدد ربيع عام 2013) تحت عنوان طريف يقول:

٪ : اب اب.

.

احتكار الدبلوماسية

وفي هذا المضمار يوضح المسؤول أن وزيره يقصد إلى بناء جسور من التواصل بين دوائر صنع وإدارة وتفعيل السياسة الخارجية لأميركا وبين قطاعات الرأي العام الداخلي في البلاد. وبمعنى أن لا تظل الدبلوماسية احتكاراً لفئة محترفة وكأنها أقرب إلى كهنوت العمل الدولي.

فيما يظل الناس أهل البلد، كما قد نصفهم في غيبة عما تقوم به هذه النخبة من صانعي ومديري السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لبلد في حجم ومحورية الولايات المتحدة وكان القوم يترجمون على طريقتهم كلمة السياسي الفرنسي القديم «كليمنصو» (1841- 1929) وهي: «إن الدبلوماسية شيء خطير.. أخطر من أن تُترك للدبلوماسيين».

وعندنا أن هذا التوجه من جانب «كيري» إنما يشكل ترجمة بدورها لكون وزير الخارجية الأميركاني لم يأت إلى منصبه من صفوف الدبلوماسيين المحترفين فلم يكن سفيراً ولا وزيراً مفوضاً ولكن كان سياسياً غارقاً حتى أذنيه في قضايا الشأن المحلي وفي تلافيف المشكلات الداخلية في بلاده.. سواء عندما كان عضواً نائباً في الكونغرس أو كان مرشحاً رئاسياً عن الحزب الديمقراطي ومنافساً عند فاتح القرن الحالي لمرشح الجمهوريين الذي فاز أيامها وهو ورج بوش- الابن.

في ضوء هذه الحقيقة.. وكما تؤكد المقالة المنشورة في مجلة أصحاب السعادة سفراء أميركا يؤكد كيري ومساعدوه على الربط بين ما يدور في «بومبورا» (بوروندي) وفي «بوسطن».. ما بين ما تشهده «باكو» (أذربيجان) و»بروكسل» (يكا) وما يعرفه سكان «باتون روج» (لويزيانا) بالولايات المتحدة.

وهنا يدرك الأميركيون أن ما يدفعون من ضرائب إنما يتم إنفاقه واستثماره بما يعود بالنفع القومي العام وباعتبار أن «جهود» الدبلوماسيين الأميركيين كما يضيف المقال المذكور- تؤدي إلى دعم قطاع التجارة والأعمال الناشط خارج الحدود، وفي مواقع شتى من خارطة العالم بكل ما يوجده ذلك من وظائف وما يعود به من مكاسب على اقتصاد البلاد.

 

تجنب العسكرة

هذه الجهود تؤدي في الوقت نفسه إلى تعزيز الأمن القومي من خلال عكوفها على تدارس ومواجهة أسباب النزاعات والصراعات الناشبة في العالم والمؤثرة بصورة أو بأخرى على المصالح الأميركية وهو ما يؤدي في رأي المسؤول الأميركي كاتب المقال - إلى تجنب الحاجة إلى العمل العسكري.

من هنا يتعامل المراقبون مع الإحاطة الصحافية الموجزة التي لا تلبث الخارجية الأميركية تقدمها يومياً في مؤتمرات الناطق (أو الناطقة) باسمها على أنها موجهة إلى دوائر السياسة والدبلوماسية في الخارج، بقدر ما أنها موجهة أيضاً إلى تنوير وتوعية الجمهور الداخلي دافع الضرائب وصاحب بطاقة الانتخاب. ويضاف إلى ذلك كما يوضح المقال أيضاً - شبكات التوعية والتثقيف التي ما برحت خارجية جون كيري تديرها للتواصل بين دوائر صنع الدبلوماسية وجماهير الشباب في المعاهد والجامعات.

 

في مديح البحر الأبيض المتوسط

سكان الأقطار العربية والأوروبية المطلون على البحر الأبيض المتوسط يستطيعون الحديث مطولاً عن البحر المتوسط بحرنا كما وصفته بعنجهية واضحة إمبراطورية روما القديمة وذلك حين يسهبون الكلام عن بحر الحضارات وموئل المدنيات وبطل الأساطير الإغريقية والفينيقية وفي مقدمتها طبعاً ملحمة «الأوديسة» التي ينسبونها إلى شاعر الإغريق القديم «هوميروس».

في أواخر فبراير الماضي نشرت مجلة نيو إنغلاند نتائج دراسة أجريت أخيراً حول أمراض القلب وأسبابها وسُبل اتقائها.

انتهت الدراسة إلى أن نسبة 30 % من النوبات القلبية الخطيرة والإصابة بالجلطات وحدوث الوفيات من جراء أمراض القلب يمكن اتقاؤها وخاصة من بين صفوف المرضى المصنّفين عند خط الخطر الجسيم ولكن بشروط توقفت عندها الدراسة العلمية بشكل متأن وبالغ الدلالة. هذه الشروط كما أكدت الدراسة هي التحول إلى الرِجيم النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط. لماذا؟ لأنه غنيّ بزيت الزيتون وأنواع الجوز واللوز وما إليها المكسرات أو الياميش كما يقول أخوتنا في مصر وأنواع البقول الحبّية (بفتح الحاء) ومنها مثلاً الفول ومشتقاته وأبناء عمومته ثم الأسماك والفواكه والخضروات.

الحديث عن «نظام البحر المتوسط الغذائي» كان حديث الناس والأطباء والباحثين لسنوات عديدة سبقت. ولكن الدلائل كانت ضعيفة على نحو ما تقول الباحثة الأميركية «ينا كولاتا» وكان محورها يقتصر على تبيان أن أهل المتوسط هم أقل شعوب العالم تعرضاً للإصابات القلبية.

لقد اختار الباحثون الأكاديميون عينة عشوائية ضخمة تألفت من 7447 فرداً في إسبانيا. فيما اتسم هؤلاء الأفراد بالتالي:

إفراط الوزن وإدمان التدخين والإصابة بمرض السكرّي أو غيره من عوامل الخطر الأخرى بالنسبة للأزمات القلبية. وقد رسموا لجزء من أفراد العينة إتباع «نظام البحر المتوسط الغذائي» على نحو ما ألمحنا إليه من مكونات، فيما رسموا لجزء ثان إتباع نظام غذائي آخر يتسم بانخفاض عنصر الدهون.

هنا تأتى شهادة الدكتور ستيفن نيسن رئيس قسم القلب في مؤسسة «ند» العلاجية. يقول: إن نظام الدهون المخفضة لم يسفر عن نتائج مفيدة في هذا الصدد. فضلاً عن صعوبة إتباعه وسخافة عناصره بالنسبة للمرضى المستهدفين. ومن هنا اتضحت النتائج الإيجابية للفريق الآخر الذي ظل يتبع النظام المتوسطي الذي يقوم فيه زيت الزيتون بدور البطل ومعه أنواع الجوز والسمك والخضر والفاكهة الطازجة.

والحاصل أن نتائج الدراسة مازالت محل أخذ وردّ بين العلماء والباحثين. وصحيح أن هناك من يفضل عليها التوصية بالتحول إلى الوجبات النباتية إلا أن هناك من الأفراد من يضيق ذرعاً فلا يصبر على حكاية الوجبات النباتية التي يمكن أن توصل إلى حال من الاكتئاب. المهم أن سألوا صفوة الباحثين في هذا الشأن عن أهمية النتائج التي توصلوا إليها. وبدلاً من حديث الإحصاءات والمعادلات قالوا:

- لقد غيّرنا نظام طعامنا وأصبحنا الآن نتبع نظاماً في الأكل يحمل اسماً واحداً هو «غذاء البحر الأبيض المتوسط».