في الصين فريق جديد يستعد لممارسة دوره في ملعب السياسة الصينية.. أنجزت عاصمتها "بكين" عملية التحول السياسي إلى حيث تولى زعيم جديد شاب اسمه "شى جنبنغ" رئاسة البلاد.

شمر اللاعبون الجدد عن سواعد الجّد لأداء دورهم في خدمة مواطنيهم الذين يُعَّدون كما هو معروف بالمليارات.

لكن تشاء حظوظ الفريق المستجد أن ينزل الملعب فيما تلوح من قريب غيامات قاتمة تطل منها لافتة مجللة بالسواد ومفعمة بالتحدي وتقول كلماتها ما يلي: الأزمة الاقتصادية العالمية.

البلد المحسود

مع الكلمات يطرح السؤال

كيف السبيل إذن إلى الإصلاح الاقتصادي؟

والحق ان الإجابة ليست بالأمر اليسير على نحو ما قد يتبادر إلى الذهن..

صحيح أن الصين ظلت على مدار العقدين الأخيرين من الزمن محسودة كما قد نقول- على شطارتها، واندفاعتها الاقتصادية ومن ثم المكاسب التي حققتها والسمعة التي نالتها من حيث الأداء الاقتصادي.. وبالذات في عالم التصنيع السلعي الذي ملأت منتوجاته كل أسواق العالم.. لدرجة أن ترددت في أوساط أوروبية- أميركية أفكار بل وهواجس وعبارات من قبيل:

في زمان مضى غزونا "الصين".. ولكنها استطاعت أن تتحرر.. لكن ها نحن اليوم وقد خضعنا لغزوها (السلعي) وليس بمقدورنا أن نتحرر من صادراتها إلينا- وخاصة في مجال الاستهلاك. لماذا؟ .. لأن أولادنا ونساءنا هم أول من يفضلون منتوجات "الصين" ويستخدمونها.. وهم في عالم الأسواق أصحاب القرار.

ورغم هذه الصورة شبه الوردية.. إلا أن محللي الشأن الداخلي في "الصين" نفسها لهم آراء أخرى.. وفي منتصف أبريل الماضي نشرت جامعة "شيكاغو" الأميركية دراسة تحلل فيها أبعاد الأزمة التي تتصورها محدقةً بعملية الإصلاح التي يتعين على رئاسة "الصين" المستجدة أن تقوم بها لمجابهة الشكوى التي باتت عامة بين صفوف مواطنيها.

وتنبع هذه الشكوى أولاً من واقع ازدياد أعباء الديون الداخلية التي ينوء بها المواطنون العاديون وهي مستحقة للمصارف الوطنية فيما وصلت إلى مبلغ فلكي يصل كما قدرته الدراسة الأميركية- إلى 1.8 تريليون دولار.

دائرة إصلاح

وأخطر ما في أزمة "الصين" وزعمائها أنها أقرب إلى الحلقة المفرغة.

فإذا ما توسعوا في عمليات الإصلاح.. فكأنهم فتحوا بذلك سيولاً تتدفق من الشكاوى والاحتجاجات والمطالبات المتدفقة من مختلف أنحاء البلاد.

وإذا ضيَّقوا دائرة الإصلاح.. فهم بذلك يتركون عوامل السخط الكافية تحت السطح وبحيث تهدد السلم العام في طول البلاد وعرضها.. وكأنه يصدق عليها قولة الشاعر العربي القديم:

أرى خلل الرماد وميض نارويوشك أن يكون لها ضرام .

وصحيح أنه يمكن لقيادات "الصين" الجديدة أن تتعامل مع أبعاد الأزمة الداخلية التي تزيد حالات السخط وخاصة بين أجيال الشباب التي بدأت تتواصل إلكترونياً مع العالم الخارجي رافضةً في ذلك قيود النظام ورافعةً بذلك حواجز العزلة التي بدأت هذه الأجيال الطالعة تتندّر عليها.

وخاصة حين يعود بعضهم إلى تاريخ "الصين" القريب أيام الزعيم الأكبر "ماوتسي تونغ" حين كان الشاعر "شكسبير" نفسه ممنوعاً على المسرح الصيني.. لماذا؟.. لأن مسرحياته تتحدث عن الملوك والأمراء.. وهم أعداء الشعب والحزب الشيوعي كما كانوا يقولون.

شيخوخة السكان

لكن العقبة الأخطر أمام القيادة الصينية الجديدة تتمثل في مزيج من العوامل الداخلية والخارجية أيضاً. فقد بدأت نزعة الاستهلاك تضعف في أسواق الغرب بسبب الأزمة الاقتصادية التي مازالت تنشب مخالبها في حياة العديد من اقتصادات غرب أوروبا وتدعو من ثم إلى إعلان بل فرض سياسة التقشف على نحو ما يحدث في اليونان.. فرنسا.. إنجلترا.. إسبانيا والبرتغال.

مرة أخرى.. بدأت "الصين" تعاني من ظاهرة "شيخوخة السكان" كما يقول مصطلح الديموغرافيا، وبمعنى تقدم قطاعات حاشدة من شعبها في السن ومن ثم الإحالة إلى التقاعد طوعاً أو كرهاً، وهو ما يعني أيضاً قوى إنتاجية أقل وأعباء تقاعدية أكثر.

هكذا يعاني المشهد الصيني الراهن سلسلة من التعقيدات.. وربما لا يخفف منها ما دأبت عليه ميديا الحزب الحاكم من ترديد الشعار الأثير الذي يقول:

فلنحقق الحلم الصيني

 تؤكد دراسة جامعة "شيكاغو" أن تفعيل مثل هذا الشعار الطموح ليس بالأمر المستحيل وإن كان يستوجب إصلاحات عميقة الجذور.. ثم تضيف الدراسة قائلة:

تُحسن "بكين" صنعاً إذا ما أصغت إلى الكلمات التي رددها مؤخراً رئيس وزراء الصين الجديد "لي ككيانغ" وقال فيها: لا جدوى من الصراخ حول الإصلاح إلى أن تبحّ أصواتنا.. الأفضل أن نفعل شيئاً إيجابياً على طريق هذا الإصلاح.

الدانمارك بين شكسبير والسيدة كارينا

 هي مملكة وادعة.. هادئة تقع في أصقاع الشمال الأوروبي.. وطالما شغلت موقع العَشْرة الأوائل، بصورة أو بأخرى على المؤشر العالمي للتنمية البشرية وهو موقع أكثر من مرموق في كل حال. عرفها مثقفو العالم ربما قبل أن يعرفوا موقعها على الخارطة.. وذلك بفضل شاعر الإنجليز الأكبر ويليام شكسبير حين أصدر رائعته المأساوية الشهيرة بعنوان: هاملت أمير الدانمارك.

ظل البلد الوادع الصغير نسبياً ينعم بحياة تجمع بين وفرة الإمكانات وحسن التوزيع على مستوى عموم السكان.

كانوا يضربون بها المثل للتدليل على أن ما يوصف في حوليات الاقتصاد بأنه مجتمع "الرفاه" أمر يمكن أن يصبح حقيقة واقعة.

كانت آية هذا الرفاه بالنسبة للشعب الدانماركي تتمثل في مؤسسة اجتماعية- اقتصادية محورية هي: الإعانة الاجتماعية،إعانة الرفاه التي تدفعها الدولة لمواطنيها في حالة البطالة أو العجز أو المرض أو الشيخوخة، ثم لا يقتصر على هذه المدفوعات ولكنه يمتد أيضاً إلى تقديم سائر الخدمات للمواطنين بالمجان.

المشكلةأن هناك من مواطني الدانمارك من "عجبهم الحال" كما يقول المصريون وعاشوا على المعونة ورتبوا حياتهم على أساسها دون عمل.

وحاول واحد من نواب الحزب الليبرالي المعارض أن يغمز من قناة الدولة فأصدر تصريحاته بشأن الحياة الصعبة التي يحياها أولئك الذين يعيشون على حساب الدولة. وضرب النائب بذلك مثلاً بأم في السادسة والثلاثين واتخذت لها الميديا الدانماركية اسماً مستعاراً هو "كارينا" تمهيداً لأن تصبح السيدة "كارينا" رمزاً للمعاناة والمشقة.

بعدها نشطت الميديا إلى التنقيب في حياة السيدة المذكورة أعلاه. لكنهم وجدوا أنها فضلت أن تعيش على حساب دولة الرفاه ومن سن السادسة عشرة وأنها لم تكترث يوماً بأن تحصل على أي عمل. تحصل شهرياً على مبلغ يعادل 2700 دولار وهو أجر يحصل عليه العامل الدانماركي مقابل الكدح طيلة يوم كامل.

هكذا جاءت حكاية "كارينا" لتهز قوائم المجتمع الدانماركي، وتحفز مواطنيه ومسؤوليه على إعادة النظر في حكاية أن تتولى الدولة مهمة الصرف على مواطنين لا يعملون. بعدها انفتحت أبواب المشاكل المسكوت عنها لأجل طويل، منها مثلاً أن السكان يشيخون ويتقاعدون، وأن الاقتصاد بدأ يعاني من ذيول الأزمة العالمية، هذا فضلاً عن اكتشاف حقيقة تقول ان عدد من يعانون البطالة ويطلبون العمل فعلاً بات يتجاوز بكثير عدد العاملين.

لهذا بدأ فوران من الأسئلة بحثاً عن إجابات وتحول عدد من ساسة البلد الأوروبي الشمالي إلى ما يشبه كرسي الاعتراف.

منهم النائب "وكاييم أوسلن" الذي سبق وأن أثار حكاية المواطنة المظلومة "كارينا".. قال:

مشكلتنا أن دولة الرفاه إياها خرجت عن مسارها المرسوم في بلدنا، صحيح أنها قدمت أشياء طيبة ولكننا ظللنا نعزف عن الحديث حول الجانب السلبي من المسألة، ولهذا كان الحديث حول نوعيات من طراز الست "كارينا".. في حكم المحرّمات ولوقت طويل.

والمهم كما تقول الكاتبة سوزان دالي في مقال من العاصمة "كوبنهاغن" «نيويورك تايمز، 20/4/2013» - فقد بدأ الحديث يدور حول قيمة العمل وأزمة الاقتصاد، وهي أحاديث مازالت تعكر صفو مملكة الدانمارك التي نشأ في أحضانها "هاملت" في سالف الأيام.