بالأمس القريب، عبر الرئيس المصري محمد مرسي جنوبي المحيط الأطلسي في زيارة إلى البرازيل. وصحب مرسي وفداً حافلاً بمن وصفوهم بأنهم «رجال أعمال» وبلغ عددهم نحواً من 25 فرداً. وجاء ذلك تحت شعار جذب البرازيل إلى الاستثمار في مصر العربية.
والحق أن البرازيل ليست بحاجة إلى من يحاول جذبها، لا بالزيارات البروتوكولية حتى ولو كانت رئاسية ولا بوفود البيزنس مهما كانت المبالغة في عددها.
قوة صاعدة
البرازيل أصبحت قوة إقليمية عظمى في موقعها القيادي بالقارة الأميركية الجنوبية. ومن ثم جاء طموحها إلى دور أوسع وتأثير أعمق على مستوى أصقاع أخرى من عالمنا. وفيما استجابت البرازيل إلى مفاتحات الغَزَل التي تعزفها حالياً إدارة «أوباما» وخاصة في ضوء سياسته الجديدة في التقارب والتفاهم مع جيران الولايات المتحدة ما بين أميركا الوسطى إلى أميركا اللاتينية.
فالبرازيل لم تقصّر أيضاً وبفضل عضويتها في مجموعة «بريكس» للاقتصادات الصاعدة- الناهضة كما يسمونها، فإذا بها تلتمس موطئ قدم في أوروبا من خلال روسيا- رفيقة الدرب في «بريكس»، فيما تستثمر نفس الرفقة، ولكنها في هذه المرة هندية وصينية الجنسية، لبناء جسور مستجدة لصالح برازيليا في قارة آسيا.
أما الساحة الأكثر ترحيباً والأسخى وعوداً بالنسبة لروسيف رئيسة البرازيل فلها اسم يرتبط بسحره الخاص في وجدان صانعي السياسة المدنية، والعسكرية في البرازيل . والاسم السحري هو: إفريقيـا.
سلفا دا لولا
منذ إدارة رئيسها السابق سيلفا دا لولا عمدت البرازيل إلى استغلال مواريث الماضي واستثمار نجاحات الحاضر.
ستغلت شراكة الثقافة واللغة البرتغالية التي تجمع بين البرازيل وبين دول إفريقية مازالت تستخدم اللغة المذكورة المنحدرة من عصور الاستعمار وفي مقدمتها كل من أنغولا وموزمبيق.
ثم استثمرت السمعة الطيبة التي نالتها «برازيليا» العاصمة بعد نجاح إدارة «دا لولا» في القضاء على الفقر وفي إنهاء ظاهرة أطفال الشوارع وفي تطوير وتحديث أحياء العشوائيات (ااس) التي كانت أكثر من وصمة في الثوب البرازيلي بقدر ما كانت مباءات للجريمة والتعاسة وانقطاع الرجاء..
.. بل نجحت البرازيل في تعزيز سمعتها الدولية بعد أن احتضنت على مدار عقدين أهم تجّمعين لكل دول العالم لمناقشة أخطر أجندة في زماننا وهي أجندة البيئة الكوكبية.. أمراضها وأخطارها وآفاق مستقبلها.. وكان ذلك في مؤتمر «ريو» الدولي الأول لعام 1992 (وقد شارك فيه كاتب هذه السطور) ثم مؤتمر «ريو 20» المعقود في العام الماضي.
التدريب في الغابات
من ناحية أخرى تحرص «البرازيل» على تذكير الدنيا كلها بأن أرضها تضم ما يمكن وصفه موضوعياً بما يلي: رئة الأوجين التي يتنفس بها العالم.
هي الغابات المطيرة في حوض نهر «الأمازون» الواقع بدوره في ولاية «ميناؤس» المدارية. وفيما يهتم العالم بصحة هذه الغابات وثرواتها النباتية السرمدية، فقد عمدت الإدارة البرازيلية إلى إنشاء مركز عسكري عالمي فريد في بابه ويحمل العنوان التالي: مركز التدريب على حرب الأدغال
هنالك ينخرط في سلك تدريبات أكثر من شاقة وخطيرة، وعلى مدار 9 أسابيع، عناصر من فرق المغاوير- الصاعقة- القوات الخاصة ممن جاءوا إلى هذه الأصقاع النائية من حوض «الأمازون» وينتمون إلى دول من مناطق شتى.. ما بين «السنغال» إلى «فرنسا» وما بين «أنغولا» إلى «اميركا» للتدريب على حروب الغابات والأدغال.
وبدهي أن الهدف من مثل هذه المنشآت والمشاريع ليس مجرد التدريب لوجه الله. الهدف يلخصه الصحافي «سايمون روميرو» في رسالة بعث بها من ضفاف «الأمازون» وقال فيها:
إن إتاحة الفرصة لتدريب هذه العناصر العسكرية الإفريقية بالذات هو الكفيل بتعزيز صورة «البرازيل» على الجانب الآخر (الإفريقي) من المحيط الأطلسي.. وفي الوقت الذي تشهد فيه التجارة ازدهارا ملحوظاً بين «البرازيل» وأقطار شتى من القارة الإفريقية (النيويورك تايمز، عدد 6/5/2013).
«البرازيل» لديها الكثير مما تقدمه في هذا المضمار فهل نالت زيارة الرئيس المصري نصيباً من هذا الكثير..
أم تظل الأمور في حدود آداب البروتوكول ومراسيم المجاملات؟
