فيما تلجأ حكومة واشنطن إلى اتخاذ اجراءات «دراكونية» كما تسميها الدراسة التي نحن بصددها، والمنشورة في (مجلة الشئون الخارجية «فورين افيرز»، عدد فبراير 2013)، وبمعنى أنها إجراءات شديدة الوطأة من حيث القسوة في الاستقطاعات المخصومة من بنود الإنفاق على أغراض الرعاية الاجتماعية.. يظل المعنى مجسداً في أن أميركا لا تزال تدعم أمن «ألمانيا» وأمن «اليابان»، وهو ما تصفه الدراسة كذلك بأنه يشكل دعما من اجل رفاه الأغنياء في التحليل الأخير.
التحديات الرئيسية
ليس معني هذا دعوة إلى ان تدخل أميركا في شرنقة من العزلة السياسية عما يجري في عالمها. ولكن معناه، عند صاحب الدراسة، ان تعيد واشنطن تكثيف جهودها وتركيز نفقاتها على مواجهة تحديات رئيسية ثلاثة تلخصها الدراسة فيما يلي:
.. (1) الحيلولة دون الإخلال بتوازن القوى العالمي الراهن بفعل تصرفات طرف منافس أو غريم متربّص (تكاد الدراسة تضع اسم «الصين» في هذا السياق..).
.. (2) محاربة الإرهاب (وتلك غاية موروثة كما هو بديهي من تركة الحقبة الثمانية لإدارة ورج بوش- الابن).
.. (3) الحد من ظاهرة انتشار الأسلحة النووية (وذلك هدف يكاد يرادف في تصورنا غاية أخرى مفادها: الحفاظ علي ظاهرة (أو ميزة) احتكار السلاح النووي بيد القلة القليلة من أعضاء النادي النووي على مستوى العالم).
في كل حال يدعو الأكاديمي الأميركي إلى سياسة الانضباط أو كبح الجماح (Restraint) بوصفها المبدأ الذي ينبغي ان تتبعه السياسة الخارجية للولايات المتحدة وهي بصدد التعامل مع الغايات الثلاث السابق ذكرها.
ثم يضيف ان تطبيق او تفعيل هذه الغايات يقتضي من أميركا ان تنسحب من الهيكل القيادي لمنظمة التحالف الأطلسية (الناتو) بكل ما يترتب عليها من تكاليف، ومن ثم تعود المنظومة الأطلسية إلى حيث تصبح منظمة سياسية بالدرجة الأولى، وأيضا بحيث يضطلع أطراف التحالفات سواء في غرب اوروبا او اليابان بمسؤولياتهم وأدوارهم، ومن ثم بنصيبهم المطلوب من حيث تكاليف الأمن المكفول لصالح دولهم وشعوبهم بدلا من ان تظل ميزانيات أميركا تنوء بتحمل تلك التكاليف.
الوجه الآخر للعملة
على الضفة المقابلة من هذه الطروحات.. نصادف الوجه الآخر من عملة هذا المنطق الذي يدعو أميركا إلى اتخاذ خطوة وربما خطوات إلى الوراء..
هذا الوجه الآخر يطرح مقولاته في متن الدراسة التي حرصت «الفورين افيرز» أيضا علي نشرها في نفس العدد الذي أومأنا إليه، وقد اعدها ثلاثة من المتخصصين في ميدان العلوم السياسية والشؤون الدولية وأصول الحكم، وهم الأساتذة: «ستيفن بروكس» و»ون اكنبري» و»ويليام ولفورث»..
وكان هذا الثلاثي قد سبق إلى إعداد مقالة إضافية تسامعت بها الأوساط الأكاديمية والتنفيذية في أميركا والعالم، حين نشرتها في الشتاء الماضي مجلة «انترناشونال سكيوريتي» المعنية من واقع اسمها بقضايا الأمن الدولي، وحملت المقالة يومها عنوانا بالغ الطرافة لأنه جاء على خلاف الدعوات التي سبق توجيهها إلى الرئيس «اوباما» بسحب كل قوات بلاده وتقليص كل إمكاناتها البشرية والمادية المنتشرة عبر البحار.. وكان العنوان هو:
هذا الثلاثي من كبار الباحثين الأكاديميين يستهل مقولاته موضحاً ان اقتراح الانعزال او التباعد بدعوى خفض الإنفاق جدير بأن تترتب عليه مغارم فادحة ونفقات اكثر من باهظة، حيث ان مداومة استمرار التواصل بين أميركا وبين حقائق عصرها ومعطيات خارطة عالمها- تفوق عوائده المتحصلة.. كل نفقاته المتكبدة وإلى حد كبير وملموس.
المنافس المُنتظر
ويذهب نفس الثلاثي إلى أن وجود أميركا عسكريا أو شبه عسكري أو حتي غير عسكري.. في هذه المنطقة او تلك من أصقاع العالم، فضلا عن وفاء أميركا بالتزاماتها الأمنية، وخاصة في المناطق المحورية من الخارطة (الشرق الأوسط نموذجا.. أوروبا الغربية نموذجا ثانيا.. جنوب شرق أسيا نموذجا ثالثا..) إنما يشكل حاجز صدّ كما يتصورون أو سورا للوقاية يحول دون صعود أي منافس أو نشاط أي غريم أو أي قوة قد تتطلع إلى حرمان أميركا من موقعها القيادي الراهن على مستوي العالم.
هنا يُطرح السؤال البديهي:
- ماذا إذن لو تراجعت (إو تخّلت) أميركا عن هذا الدور القيادي المذكور أعلاه؟
تجيب دراسة الأكاديميين الثلاثة في عبارات واضحة تقول:
- هذا معناه ان واشنطن تتخلى عن مزايا وإيجابيات مؤكدة كانت تتمتع بها.. ومعناه أيضا أنها تعرّض نفسها لسلبيات غير مسبوقة (أو غير محسوبة ولا متوقعة) تصيبها في غمار عالم يصبح فيه البلد المذكور أقل أمنا وأدني رخاء واضعف نفوذا وتأثيرا.
ماذا أيضا عن لغة الأرقام؟
تستخدم الدراسة هذه اللغة حين تحيل إلى دراسة قام بها معهد «كاتو» للدراسات السياسية في أميركا وخلصت إلى أنه لو عمدت واشنطن، على سبيل الفرض الجدلي بطبيعة الحال، إلى التخلي عن كل التزاماتها الدولية في ميادين الأمن الخارجي عبر مواضع شتي من خارطة العالم.
ولو أضافت إلى ذلك خفضا بالغا أو خفضا «جذريا» بلغة المعهد المذكور، لحققت بذلك توفيرا في اعتمادات الميزانية القومية للولايات المتحدة بمبلغ 900 مليار دولار على مدار عشر سنوات . صحيح انه مبلغ لا يستهان به في كل الأحوال. لكن الأصح .
كما يذهب إلى ذلك الأكاديميون الثلاثة انه لو قررت أميركا- في ضوء هذا الإغراء المادي- الخروج انسحابا من مناطق شرق آسيا واليابان وكوريا الجنوبية لكانت النتيجة التي يحذّرون منها تتمثل في سلوك مرجّح الحدوث وتعمد هذه الأطراف الآسيوية بكل ما يحدوها من طموح دينامي، إلى توسيع قدراتها العسكرية إلى حد يصل إلى حيازة وتطوير القوي النووية وبشكل يؤدي، بحكم التعريف، إلى الإخلال بميزان الرعب النووي بكل ما ينطوي عليه من تهديد للسلام والأمن على صعيد العالم كله.
فتش عن الصين
والحق ان مثل هذا الخطر لن يكون نابعا من دولة مثل كوريا الجنوبية علي سبيل المثال: ان الخطر، كل الخطر في رأي الدارسين الأميركيين يتمثل في «بيجين» في العامل الصيني كما يسمونه، وبمعني ان أي توسّع للطاقة النووية في إقليم شرقي آسيا من شأنه ان يدفع الطرف الصيني إلى تطوير ما لديه من قدرات نووية وبما قد يفضي إلى اندلاع سباق نووي بكل عواقبه غير المحسوبة .
وفي إقليم أصبح داخلا ضمن مخططات السياسة الخارجية لواشنطن.. وبالذات من خلال أجندة مؤكدة سبقت إلى وضعها وزيرة الخارجية السابقة، «كلينتون»، وتقضي كما أصبح معروفا بتركيز اهتمام «أميركا» على البعد الآسيوي- الباسيفيكي من سياستها الخارجية، وهو بُعد يكفل لأميركا أولًا وجودا متوسعا في تلك الأصقاع الشاسعة..
في ما ينطوي علي امكانية الرصد الوثيق، عن كثب، لتطورات الأمور علي صعيد الصين التي يتوقع لها المحلل السياسي الأميركي، الهندي الأصل «فريد زكريا» ان تشغل موقع «الغريم- المنافس» في مواجهة أميركا في مستقبل الأيام.. فيما يتوقع «زكريا» أو يرجو، ان تشغل الهند موقع الصديق.. الرفيق ( كتاب زكريا بعنوانه الشهير: عالم بعد أميركا..).
ولو حدث وطوّرت «بيجين» إمكاناتها النووية من الناحية العسكرية لتحولت من موقع الصين- إلى موقع الصين- التنين، وهو أمر لا يمكن ان يسقط من حسابات استراتيجية واشنطن مهما كانت المغارم أو التكاليف.
في هذا الإطار ايضا لا يتردد اصحاب الدراسة الثلاثية التي نحيل إليها في توسيع نطاق التحذير النووي، الكفيل في تصورهم، بحرمان أميركا بالذات من رئاسة نادي الأسلحة النووية- وهم يشيرون في هذا إلى أقطار يضعونها في حسابات الرصد أو الخشية إزاء احتمال ان تُقدم تلك الأقطار على ولوج أبواب العالم النووية، ومنها كما تقول دراستهم مصر بل وأطراف في شبه الجزيرة العربية.
ومنها أيضا كوريا الجنوبية التي يمكن ان يكون دخولها هذا المضمار بمثابة رد منطقي إزاء تحرشات الشمال، بل يندرج منها في مضمار الخشية الأميركية- بلد أو هو البلد الذي اكتوى بحق من لظى الجحيم النووي، وهو «اليابان» الذي ما برحت جراحات هيروشيما ونغازاكي تنضح بالألم والوجع القومي حتى بعد ان انقضى على إصابتهما بدمار التفجير الذري اكثر من 68 عاما من عمر هذا الزمان.
خطر التوسع النووي
في نفس السياق.. تبادر الدراسة الأميركية - من باب التحّوط المنطقي أو الاحتراز العلمي- للإشارة إلى ان العمل على اكتساب واستخدام طاقة نووية ليس بالأمر المرفوض بحد ذاته، في الأغراض السلمية بطبيعة الحال.
لكن الدراسة نفسها لا تلبث ان تنّبه إلى ما قد ينطوي عليه مثل هذا الأمر من تطورات يمكن ان تشكل بدورها مكامن للأخطار..
- كيف ؟
- لأنه قد راحت أيام الماضي الذي كانت الطاقة النووية تكاد تنحصر فيها بين اكبر قوتين في أيام الحرب الباردة وهما أميركا والاتحاد السوفييتي.. ومن ثم كان هناك ما يوصف بأنه «ميزان الرعب النووي» الذي كان يستند إلى إجراءات الردع ضد الطرف الذي قد تسوّل له نفسه أيامها باستخدام السلاح النووي..
مثل هذا الخطر يظل ماثلا وداهما مع تعدد الأطراف الحائزة للقدرات النووية. وهنا فالدراسة الأميركية لا تلبث ان تضيف قائلة:
- مع تزايد عدد القوى النووية، تزداد إمكانية عمليات النقل غير المشروع لإمكاناتها وأجهزتها وموادها.. ويزداد أيضا احتمال القرارات الصادرة باندفاع قد يفتقر إلى عنصر الرشد أو تدبر العواقب، كما يزداد وقوع الحوادث النووية، ومن ثم يتفاقم وقوع أزمات لا سبيل إلى توقعها ولا حساب عواقبها بحال من الأحوال.
في ضوء هذه العوامل والاحتمالات يدعو الفرقاء إلى ان تظل أميركا في حال من التواصل الإيجابي، أو هو الاشتباك الفعال مع ما يضمه العالم من أوضاع وما قد يستجد على هذه الأوضاع من تطورات.. وهذه الدعوة تصوغ مراميها في أطروحة أميركية شعبية بكل معنى ويعرفها عامة الناس حين تقول ما يلي:
.. الشيطان الذي تعرفه خير من الشيطان الذي لا تعرفه.
.. وبمعنى ان الشّر الذي تعرفه تستطيع ان تتدبر أموره وتستعد لمواجهته، وربما تعمل علي تبديده، وهو بداهة بخلاف الشّر الذي لا تعرف عن هويته ولا تدري أوان وقوعه، وهو بذلك يبقيك باستمرار في حال من التوقع والتوجس غير المحسوب.
أهمية التواصل
أصحاب هذا الرأي يؤكدون أهمية استمرار التواصل الإيجابي الفعال بين أميركا وقضايا عالمها وعلى جميع المستويات المدنية والعسكرية. وهم يدللون على صدق ما يذهبون إليه حين يختمون دراستهم التي رجعنا إليها قائلين ان الاستراتيجية الكبرى الشاملة التي ظلت واشنطن تتبعها في إدارة الأمن العالمي وفي تعزيز ما يصفونه بأنه «النظام الاقتصادي الدولي».. كل هذا ظل يصبّ في مصلحة أميركا وشعبها، وبصورة استثنائية من حيث جدواها على مدار العقود الستة الماضية (يعني مع بدايات الحرب الباردة).
يضيفون في دراستهم قائلين:
- وليس هناك من سبب يدعو إلى التخلي الآن عن هذه الاستراتيجية.
أو.. هكذا يتصورون.
أميركا والشعور بغياب الأمن
في دراسات وتحليلات السياسة الخارجية الأمريكية، وبصدد سلوكيات واشنطن وقيادتها علي صعيد العلاقات الدولية، ما زالت القضية منقسمة إلى فريقين من صفوة مفكري ومحللي الشأن السياسي، حيث يتبني الفريق الأول مقولة تدعو إلى أن تتأنى واشنطن في علاقاتها الدولية وبحيث توفّر على ميزانياتها ما أصبحت تتكبده من نفقات باهظة وتكاليف فادحة للإبقاء على وجودها العسكري وشبه العسكري في بقاع شتي من خارطة العالم، وخاصة في ظل ملابسات ونتائج الأزمة الاقتصادية المالية العالمية الراهنة.
وفي مقابل هذا الرأي.. ينصرف اتجاه مغاير يقف عند الطرف الآخر من هذه المعادلة مؤكداً أهمية أن تواصل أميركا تعاطيها مع شؤون عالمها، خاصة وأن انسحاب واشنطن أو انكماش جهودها كفيلان بأن يفضيان إلى تشجيع أطراف أخرى، منها ما تضمه منطقة أقصي الشرق الآسيوي والإقليم الباسيفيكي، بل ومنها أطراف في المنطقة العربية- على أن تطرق ابواب السلاح النووي بكل ما ينطوي عليه ذلك من اخطار الانتشار او النقل غير المشروع او التسريبات الخطيرة للإشعاع.
وما إلى ذلك من اخطار لا يمكن حساب نتائجها بحال من الأحوال. ويبدو الأمر كما لو كانت حجة استمرار أميركا في التعاطي مع قضايا العالم هي الأقوى باعتبار ان الوضع القائم- بكل مشاكله- أصبح أمرا واقعا ويقبل التحليل أو التطوير، فيما يظل وضع العزلة او الإحجام بالغ الخطر بحكم انه جديد وغير محسوب.
أزمة أميركا هي أزمة الشعور باللا أمن.
هكذا يؤكد المفكر «باري بوزن» في دراسته التي ألمحنا إليها في الجزء الأول من هذا الحديث (مجلة الشئون الخارجية «فورين افيرز»، عدد فبراير 2013).
البروفيسور «بوزن» يواصل مقولاته موضحا ان هذا الشعور باللا امن ما برح يدفع واشنطن إلى تصرفات غير مفهومة أحيانا (تأمل مثلا سلوكيات «المحافظين الجدد» خلال ادارة ورج بوش- الابن التي أضاعت على بلادهم 8 سنوات من بدايات القرن الجديد دون استثمار الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة بالمقارنة مع دول كثيرة في عالمنا.. ومع بلد اسمه «الصين» على وجه التحديد).
يقول البروفيسور «باري بوزن»:
- نصيب الفرد الأميركي من الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 48 ألف دولار في السنة، وهو ما يعادل نظيره في «الصين» بمقدار خمسة أضعاف، وهو ما يعني أيضا ان بإمكان أميركا ان تنتج كميات هائلة من السلع، وان تقدم مقادير هائلة من الخدمات، خاصة وان لها علاقات اقتصادية وتدفقات تجارية بالغة الازدهار والضخامة مع اثنين من الجيران المباشرين وهما «كندا» شمالا و»المكسيك» إلى الجنوب.
وكذلك وبمعنى تيسير سبل التبادل التجاري وتخفيض تكاليف هذا التبادل إلى حدود اكثر من معقولة، هذا فضلا عما تحظي به أميركا ذاتها من ركائز وثروات معدنية كامنة تحت سطح ارضها وفي قاع المحيط. بيد ان مشكلة أميركا في تصورات هذا المفكر أنها تتحمل أعباء فادحة من اجل الحفاظ على ما تتصوره توازنا لصالح السلام العالمي.. وهي أعباء غير متكافئة في الوقت نفسه..
وهنا يسوق البروفيسور «بوزن» نموذجا من اختلال التوازن بين ما تتحمله أميركا من نفقات الدفاع من اجل السلام حيث يبلغ ما تنفقه في هذا المضمار نسبة 4.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يتحمل شركاؤها الأوروبيون في منظومة شمال الأطلسي (الناتو) نسبة لا تزيد على 1.6 في المئة.. بل يتحمل الطرف «الياباني» نسبة في حدود واحد في المئة فقط لا غير..