قضت الحرب العالمية الثانية على البقية من إمبراطورية "إنجلترا" وإمبراطورية "فرنسا" ومن ثم انفسح المجال تماماً مع بدايات الحرب الباردة كي تتطلع "أميركا" إلى ما يمكن وصفه أيضاً بأنه الدور المنفرد- دور الممثل الأوحد- على مسرح السياسة والعلاقات الدولية، مستخدمة في ذلك سمعة أنها لم تُصَّنف بوصفها دولة استعمار، بل إنها الدولة التي أضافت أو أضاف رعاياها إلى راحة العالم ورفاه سكانه بفضل ما قدموه من ابتكارات ليس أقلها اكتشافات الهاتف أو الكهرباء أو السيارة أو المذياع أو التليفزيون، هذا فضلاً عما أضافه وكان لايزال يضيفه مبدعوها من مواقعهم في "كاليفورنيا" إلى وجدان سنوات القرن الماضي من متعة فنية وجمالية تمثلت في أفلام هوليوود.
سياسة الاحتواء
هنالك حار المفكرون والمحللون في نوعية الدور الإمبراطوري المستجد- الذي كان على أميركا أن تقوم به، وخاصة عند المراحل الاستهلالية من ظاهرة الصراع الذي احتدم مع انتصاف القرن العشرين بين كتلتي الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي تحت مسمى الحرب الباردة. ولأنها كانت حرباً.. ولكن "باردة" بحكم التعريف، ولأن عالم ذلك الزمان كان قد ذاق ويلات السنوات السبع العجاف 1939-1945 بل الدامية المدمرة التي استغرقتها الحرب العالمية الثانية. فقد كان من الإبداعات الفكرية أن خرج واحد من دهاقنة السياسة الخارجية الأميركية في تلك الفترة بفكرة صاغها في عبارة بسيطة وبالغة الدلالة وهي: سياسة الاحتواء.
نتحدث عن "جورج كينان" أشهر سياسي أوفدته "أميركا" سفيراً لها لدى "الاتحاد السوفييتي" في عام 1952 إلى أن طلبت موسكو رسمياً سحبه بعد أن أدركت أنه مؤسس فكرة "احتواء" بمعنى تطويق الكيان السوفييتي للحيلولة دون موسكو وبين بسط نفوذها الجيو- سياسي ومن ثم الأيديولوجي في أمم وشعوب وأجيال الخمسينات- وخاصة فيما أصبح يعرف وقتها باسم أقطار وشعوب العالم الثالث في القارات النامية الثلاث.
مزايا «الاحتواء»
سياسة "الاحتواء" كانت تعني أن تمارس أميركا دورها في تطويق خصمها السوفييتي سواء بسلاسل من القواعد العسكرية القريبة من تخومه وحدوده أو بتكثيف الدعاية المناهضة لموسكو والمواتية في نفس الوقت لواشنطن، وخاصة باستخدام أساليب تقديم المعونات الاقتصادية نقداً وعيناً أو بممارسة كل فنون الدعاية الإعلامية للتواصل مع أوسع قطاعات الجماهير.
من هنا نستطيع القول إن أميركا الخمسينات- نعمت بدور دولي واعد وجذّاب، وخاصة أن العقد الزمني المذكور قُدر له أن يشهد لحظتين من غروب شمس الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية على حد سواء: جاءت لحظة الغروب الفرنسية بهزيمة فرنسا في معركة "دين بيان فو" في عام 1954 في ربوع الهند الصينية بجنوب شرقي آسيا، فيما آذنت نهاية إمبراطورية إنجلترا بهزيمة العدوان الثلاثي على مصر في خريف عام 1956 ومع انسحاب فلول العدوان الثلاثي من "بورسعيد" في 22 ديسمبر من العام المذكور. وبعد أن استردت مصر- الناصرية قناة السويس وغرقت سمعة رئيس وزراء بريطانيا "أنطونى إيدن" في مياه المتوسط وبعدها بدأت عمليات تصفية الإمبراطورية البريطانية ذاتها بإعلان سياسة وشعار "شرقي السويس".
هاجس الإمبراطورية
مع ذلك تشاء تطورات الأحداث. أن يمارس "الهاجس الإمبراطوري" صنوف الإلحاح على أفكار ووجدان صانعي السياسة في واشنطن: كان الإغراء جاذباً بل خلاباً بشكل تتعذر مقاومته. لقد جاء عالم الستينات بوعود لم تستطع السياسة الأميركية مقاومتها أو صدّها. ومرة أخرى شكلت منطقة جنوب شرقي آسيا أكبر مكامن الإغراء: هي المنطقة التي انجاب عنها النفوذ الإنجليزي من شرقها (بعد استقلال الهند منذ عام 1947). ثم إنها كانت في وسطها موضعاً لتفاعلات أميركية ساخنة حقاً خلال الحرب في شبه الجزيرة الكورية (1953). فيما أضيئت في أقصى شرقها أضواء حمراء بعد أن دخل ساحتها كيان دينامي عفي وينطوي على كل أنواع التحديات: نتحدث عن "الصين" التي احتلت، بل اقتحمت، اهتمام العالم منذ نجاح ثورتها وإعلان دولتها بقيادة "ماوتسي تونغ" في عام 1949.
كل هذه العوامل هي التي دفعت أميركا إلى الحركة بمعنى التخلي، ولو مؤقتاً، عن سياسة "الاحتواء" التي قال بها كما أسلفنا- المؤرخ السفير "كينان" وكان أن نجحت في الحد من حركة الاتحاد السوفييتي ولو إلى حين.
عقدة فيتنام
هكذا عاودت أميركا اتباع سياسة التعاطي مع الشأن الخارجي وبمعنى التداخل والتدخل في قضايا ومشاكل كانت واقعة بحكم التعريف خارج الحدود.. وكانت الساحة المختارة تحمل اسمها المعروف: فيتنام
بدأت عمليات التداخل شأن أي عمليات من هذا القبيل- بإيفاد مستشارين عسكريين من خبراء الولايات المتحدة لإسداء النصائح إلى حكومة "سايجون" في فيتنام الجنوبية تحت شعار مقاومة المد الشيوعي القادم من "هانوي" في فيتنام الشمالية.
وتأبى قوانين حركة الدول إلا أن تصدق على هذه السلوكيات الأميركية، حيث يتحول "التداخل" المحدود إلى "تدخل" عسكري واسع النطاق ومن ثم إلى عملية استراتيجية واسعة النطاق اشتعلت فيها الحرب الفيتنامية على مدار الستينات وحتى منتصف السبعينات من القرن العشرين. وفيها ظلت أميركا متورطة فيما أصبح يعرف في أدبيات الحياة السياسية الأميركية تحت المصطلح التالي: مستنقــع فيتنام.
والحق أن لايزال الكيان السيكولوجي الأميركاني بما يوصف بأنه "عقدة فيتنام" إشارة إلى الورطة التي كلفت الولايات المتحدة مغارم فادحة من خسائر الأرواح وتكاليف الجهد الحربي. بل ومن الخَصْم السياسي من رصيد سمعة الولايات المتحدة بجلالة قدرها.
المحوران المتعارضان
وفي ضوء هذه التجارب السلبية في مجموعها، يستطيع المحلل السياسي أن يفهم أبعاد وغايات الخطاب السائد حالياً بالنسبة لتوجهات وأهداف السياسة الأميركية الراهنة، حيث تتوزع هذه السياسات في تصورنا- إلى اثنين من المحاور أو الأبعاد:
.. أولاً : محور الانسحاب
.. ثانياً: محور الإقـــــــــــدام
كان هذان المحوران بكل ما يشيران إليه من تعارض إلى حد التناقض أحياناً- موضع اهتمام متعمق من جانب مجلة "الشؤون الخارجية" (فورين أفيرز) في واحد من أحدث إصداراتها (عدد يناير/ فبراير 2013) وهو العدد الذى اختارت المجلة الأميركية أن تودعه ملفاً حافلاً تولَّى تحريره كل من الكاتبين "فريد زكريا" و"روجر ألْتمان" فيما جاء عنوان هذا الملف على شكل سؤال مطروح هو:
هل من سبيل إلى إصلاح أميركا؟
وبديهي أن السؤال يدور أساساً حول مراجعات في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة بحكم دورها الذي لا تُنكر أهميته في هذا المجال، وخاصة مع ظهور وتنامي ظاهرة العولمة التي تعيشها دول عالمنا في هذه المرحلة الاستهلالية من القرن الواحد والعشرين.
الانسحاب إلى الخلف
من هنا كان حرصنا مع "الفورين أفيرز" على أن نتناول بمنطق العرض والتحليل كلاً من هذين المحورين المتعارضين. فنبدأ في سطور هذا الجزء الأول من هذا المبحث بلمحة نلقيها على الدراسة الضافية والمهمة أيضاً التي نشرها البروفيسور "باري بوزن" أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الدراسات الأمنية في واحدة من المؤسسات العلمية المرموقة في أميركا والعالم وتحمل اسم "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا".
لا يتورع صاحب الدراسة عن أن يصدّرها تحت عنوان مباشر لا تخفي مراميه وهو: الانسحاب إلى الخلف.
ثم ها هو يمهد لدخول الموضوع بعبارة أخرى يقول فيها:
- مبررات انتهاج (أميركا) سياسة خارجية أقل نشاطاً.
ولقد نتصور أن هذه الدراسة إنما تصدر عن منطق سبق وأن اتبعه عدد من صفوة محللي السياسة الخارجية الأميركية، وخاصة الذين تصدوا بالتحذير من اندفاعات "واشنطن" وراء زهو المكانة - "الإمبراطورية" كما يتصورونها، وهو ما أضاع على أميركا أرصدة بالغة الثراء سواء من رصيد حسن السمعة الذى تبدد أو من أرواح مواطنيها التي أزهقت في حمأة الصراعات العسكرية (العراق وأفغانستان نموذجاً) أو من مليارات الدولارات التي كان لابد من إنفاقها لتمويل هذه العمليات ولو كان ذلك لترجمة الشعار المفعم غروراً وخيلاء وقد أطلقه الرئيس السابق "جور بوش- الابن" في ولاية "تكساس" بتاريخ 31/8/2002 وقال فيه: إن أمتنا هي أعظم قوة أبدية في التاريخ.
من هنا بات الكثير من المحللين يوجهون انتقاداتهم إلى تنامي بل واستشراء النزعة العسكرية التي تهدد كيان أميركا من أساسه، حيث يجد هذا الكيان من لايزال يرفع شعارات الإمبراطورية على نحو ما ينتقده المفكر الأميركي "تشالمرز جونسون" أستاذ العلوم السياسية في كتابه بعنوان "أحزان الإمبراطورية" (صدر الكتاب مؤخراً بالقاهرة من ترجمة الأستاذ صلاح عويس).
تحذيرات علمية
من ناحيته يعمل البروفيسور "باري بوزن" على أن يخفف من غلواء ما ذهب إليه "بوش" وأضرابه وهم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، موضحاً في دراسته التي نستهل عرضها في هذه السطور مع استكمالها في الجزء الثاني من مبحثنا ليوضح أن هذه النزعة "الإمبراطورية"، ويصفها في دراسته بأنها نزعة الهيمنة أو التسلّط، استندت حسب كلماته إلى "استراتيجية" مشوشة وباهظة التكاليف بل ودموية ومن ثم فقد ألحقت ضرراً لا يمكن وصفه بالأمن القومي للولايات المتحدة، ببساطة لأنها كما يكمل المفكر الأميركي- تصنع لأميركا أعداء بأسرع مما تقضي عليهم.
وبديهي أن الدراسة الأميركية لا تدعو "واشنطن" إلى الانسحاب من التعاطي مع شؤون العالم وشجون العصر..
إنها تدعو كما يقول صاحبها إلى سلوك سياسي يلخصه البروفيسور "بوزن" في لفظة واحدة هي:
.. الانضباط (بمعنى كبح الجماح إن شئنا التعبير).
وإلى الجزء الثاني المتمم لهذا الحديث،،
العسكرة والأزمة
شهد العقد الماضي تدهوراً في القوة النسبية للولايات المتحدة الأميركية، وتراجعت مكانتها لدى أقرب حلفائها الاستراتيجيين في أوروبا، والذين باتوا يرفضون سياساتها وتوجهاتها العسكرية، ومن ثم فقد أصبح من اللازم أن تواصل دوائر العسكرية الأميركية في "البنتاغون" الدفع بتدفقات متواصلة من الأموال للحفاظ على هيكل القوة القائم حالياً وبمقادير ومبالغ لم يعد بالإمكان تحمل أعبائها ولا الاستمرار في تدبيرها وخاصة في ضوء ما تعانيه أميركا (والعالم) من ضائقة الركود الاقتصادي الفادح فضلاً عن تضخم المديونية التي تنوء بها الخزانة القومية للولايات المتحدة.
زوال وصعود الإمبراطوريات
"حلم الإمبراطورية" مازال يشكل هاجساً لا يلبث يراود الفكر والوجدان السياسي في الولايات المتحدة وخاصة مع دخولها إلى ساحة السياسة العالمية والعلاقات الدولية مع العقود الأولى من القرن العشرين، وهي المرحلة التي رصدت فيها أميركا نهاية الإمبراطوريات الكلاسيكية مع الحرب العالمية الأولى، ثم غروب شمس إمبراطورية فرنسا في الهند الصينية وإمبراطورية إنجلترا في حرب السويس مع انتصاف عقد الخمسينات من القرن الماضي.
ورغم أن واشنطن أنصفت عندما بدأت بعد الحرب الثانية في انتهاج سياسة "الاحتواء" تجاه خصمها "السوفييتي" في الحرب الباردة، فقد حملتها مغريات السلوك الإمبراطوري إلى التدخل في أوضاع جنوب شرقي آسيا بعد تجربة الحرب الكورية (1953) فكانت ورطة أميركا بكل عقابيلها السلبية في فيتنام كي تشكل جرحاً بكل ما انطوى عليه من تكاليف ومغارم ما بين خسائر الأرواح ومليارات الإنفاق التي ما لبثت إدارات أميركية أخرى أن كررتها في كل من أفغانستان والعراق. من هنا بدأت ساحة العلوم السياسية وفكر العلاقات الدولية في أميركا ينقسمان إلى محورين متعارضين يتطلبان عرضاً وتحليلاً في جزأين من دراستنا: يذهب المحور الأول إلى دعوة الإقلاع عن مسار الهيمنة ويختار عنوان "الانضباط" فيما يدعو المحور الثاني إلى مزيد من التعاطي مع مجريات الساحة الدولية تحت عنوان "الانطلاق".
لأن أميركا مغرمة بحكم حداثة تكوينها بما يصفه البلغاء بأنه "أفعل التفضيل" فالحاصل أنها لم تكن لترتضي وصفها بأنها كيان أو دولةأو أمة مثل سائر خلق الله من الكيانات أوالدول أو الأمم التي تعيش فوق سطح كوكبنا. والحق أن هذا الشغف الأميركاني بحكاية "أفعل التفضيل".. هو الذي قاد منطقياً إلى ما يمكن أن يطلق عليه "خطاب الإمبراطورية". وهو الخطاب الذي يرتبط في الوجدان الغربي اللاتيني- بالذات بمعنى الشموخ والعظمة والأبهة، إلى آخر ما يمكن أن تنطوي عليه لفظة "إمبريـال" التي يتناهى أصلها في اللغة اللاتينية إلى معنى "السلطة"، فيما ترتبط هذه المعاني جميعها بما سبق ونعمت به "الإمبراطورية الرومانية" من أسباب القوة والسلطان.
ورغم أن إمبراطورية الرومان انطبقت عليها قوانين ازدهار ثم انقطاع العمران على نحو ما ذهب إليه "عبد الرحمن بن خلدون" مفكرنا المسلم الشهير. فقد جاء كتاب المؤرخ الإنجليزي إدوارد غيبون (الصادر في عام 1776) بمثابة مرثية علمية دقيقة التوثيق لغروب شمس الإمبراطورية الرومانية المذكورة. ومن ثم كانت مرحلة الكُمون التي ظلت فيها حكاية "الإمبراطورية" دون صوت مسموع اللهم إلا عندما عمدت أطماع الإنجليز إلى إحيائها وخاصة بعد احتلالهم شبه الجزيرة الهندية في أواسط القرن الثامن عشر.
بعدها عاود مصطلح "الإمبراطورية" عافيته بعد أن اشتعلت نيران التنافس بين لندن وباريس، فكان أن نافست إنجلترا كما هو معروف في الهند باحتلال فرنسا مناطق جنوب شرقي آسيا. ثم كان أن نافست إنجلترا أيضاً في قارة إفريقيا منافساً بالغ الشراسة للغريم البريطاني الذي كان في شرق إفريقيا.
هكذا كان مسرح التفكير "الإمبراطوري" مهيأً مع حلول القرن العشرين كي ترنو أميركا العفيّة الفتية إلى أن ترتدي مسوحه وتضطلع بأدواره، خاصة بعد أن جاءت الحرب العالمية الأولى فشطبت نهائياً الإمبراطوريات - الكلاسيكية كما نسميها - ومنها مثلاً إمبراطورية آل عثمان في تركيا وآل الهابسبورغ في النمسا وآل رومانوف في روسيا وآل هوهنزلورن في ألمانيا.

