بعد "الستار الحديدي" عرفت الأدبيات السياسية البريطانية مصطلحاً آخر مستقى من نفس المادة اللغوية، مادة "الحديد" على وجه الخصوص. والمصطلح الآخر هو:
.. المرأة.. الحديدية
وفي المصطلح المستجد طرافة لا تخفى، وهى مستقاة بدورها من عنصر المفارقة إلى حد التناقض بين مفهوم المرأة بكل مايرتبط به من رقة الأنثى- هشاشة القوارير كما قد نقول، وبين صلابة الحديد الفولاذية التي لا تضعف ولا تلين.
والمهم أن كان مصطلح المرأة "الحديدية" هو الذي صاحب السيدة التي تولت رئاسة الوزارة في 10 دواننغ ستريت في لندن منذ آخر سنوات السبعينات وعلى مدى سنوات انتهت مع ختام عقد الثمانينات من القرن العشرين.
ميراث القائد
" مارغريت ثاتشر" التي رحلت مؤخراً عن العالم في السابعة والثمانين، رافقتها ألقاب شتى منها مثلاً "إبنة البقال" أو "معلمة الكيمياء" أو "رجل التوري" وهو حزب المحافظين في إنجلترا، ولكن صفة "الحديدية" هي التي لازمتها على مدار حياتها السياسية التي بدأت في أدنى صفوف اليمين .. أقصى اليمين في ساحة السياسة الإنجليزية وأوصلتها إلى موقع "رئيسة الوزراء" الذي كان عليها أن تفارقه مع مطلع التسعينات إمتثالاً لأعراف الديمقراطية ولكن دون أن يخمُل لها ذِكْر أو تخبو لها شهرة،.
ولدرجة أن جاء رحيلها مؤخراً عن عالم الأحياء ليفتح لها ملفات سياساتها ويبلور الأحكام التي تصدر عن سلبيات وإيجابيات حقبتها السياسية في تاريخ بريطانيا والعالم، تحت الشعار الذي لا يفتأ ساسة الغرب يطرحونه مع نهاية كل حقبة سياسية لقائد أو زعيم أو حاكم أو رئيس، سواء كانت نهاية حكم أو نهاية مرحلة أو كانت نهاية حياة بشرية تعود إلى عالم البقاء. والشعار يدور حول "التركة" أو "الميراث" السياسي الذي لابد من تناوله بالدرس والتقييم والتحليل بغية إستقاء الدروس المستفادة من مبادرات الصواب والخطأ التي رافقت حياة وأعمال القائد أو الزعيم، وهو ما يصب في صالح الأجيال الطالعة من شباب القيادات والمسؤولين في التحليل الأخير.
فيكتوريا وزمانها
والحاصل أن بريطانيا نفسها تستند إلى تاريخ حديث يضم محطتين بارزتين ترفع كل محطة منهما إسماً لإمرأة تركت بصمتها كما أصبح يقال- على ملفات هذا التاريخ:
الأولى إسمها يكتوريا الملكة
الثانية إسمها ثاتشر رئيسة الوزراء
شاءت طوالع الأولى أن تمسك صولجان الحكم في لندن في عام 1837 ولمّا يتعد عمرها وقتئذ سن السابعة عشرة إلى أن رحلت عن العالم في عام 1901، وقد طبعت باسمها وشخصيتها وتطور الأحداث في حقبتها، عصراً مميزاً بأكمله هو "العصر افيكتوري" كما يسمونه في التأريخ لتطور الأدب الإنجليزي.
حيث شهدت بواكيره أعلام المدرسة الرومانسية في الشعر الإنجليزي (مثل ويليام ورد زورث ولورد بايرون وكيتس وشيلي).. فيما شهدت أواسطه أعلاماً في الإبداع الروائى مثل (تشارلس ديكنز أو توماس هاردي).. ثم - أعلاماً في مضمار العلوم التطبيقية وعلى رأسهم بالطبع (تشارلس دارون) الذي نشر كتابه عن "أصل الأنواع" (نظرية التطور كما وصفوها) في عام 1858، وحين احتفلوا في عام 1897 بالعيد الماسي لتولي "يكتوريا" عرش بريطانيا- الإمبراطورية.
كما كانوا يسمونها في ذلك الزمان، كان في الاحتفال اعتراف بما حققته بريطانيا في عهدها من ثراء في الهند وكشوف جغرافية في أفريقيا ومكانة استعمارية وسيطرة إمبريالية في أصقاع شتى من عالم ذلك الزمان، وإن كان أهم ماقيل عن "يكتوريا" عند رحيلها عن العالم مع فاتح القرن الماضى هو أنها لم تشأ أن تفارق الدنيا إلا بعد أن إطمأنت إلى أن العالم قد بدأ يقطف الثمار اليانعات من الثورة الصناعية التي كانت بريطانيا- ايكتورية في صدارة المبشرين بها.
مارغريت ومرحلتها
على الطرف الآخر من المعادلة تتجلى سيرة ومسيرة "مارغريت ثاتشر": لم تنحدر بالطبع من أصول إمبراطورية أو ملوكية بل من أصول الشرائح المتواضعة من الطبقة المتوسطة في بلادها، وهي الشرائح التي يتيح لها التحصيل التعليمي والعُرف الديمقراطي سبل التدرج في سلك الترقي الاجتماعي لدرجة أوصلت ابنة هذه الأصول المتواضعة نسبياً إلى عضوية مجلس العموم نائبة منتخبة عن حزب المحافظين في عام 1959.
ومع مواصلة هذا الطموح السياسي فازت السيدة "مارغريت" على منافسها "إدوارد هيث" رئيس الوزراء الأسبق- كي تتولى زعامة الحزب المذكور في عام 1975، ولم تنقض سوى أربع سنوات إلا وقادت حزبها إلى الفوز في انتخابات عام 1979 لتصبح أول إمرأة تتولى رئاسة وزراء بريطانيا العظمى كما يسمونها حتى الآن، وكان ذلك تحديداً في مايو من عام 1979 حين كانت بلادها تواجه أزمة إقتصادية ويعانى إقتصادها من آفة التضخم الذي أدى بداهة إلى إرتفاع الأسعار وإثارة السخط بين قواعد الناخبين.
هنالك بدأت تتجلى معالم "الثاتشرية"، لا بوصفها مذهباً اقتصادياً مستحدثاً كما يذهب في ذلك بعض المحللين، ولكن باعتبارها مساراً رسمته واتبعته رئيسة الوزراء البريطانية خلال السنوات الإستهلالية من توليها موقعها المحوري في إنجلترا.
وعندنا أن السيدة "ثاتشر" لم تسلك في هذا السبيل سلوك المنظّر السياسي أو المفكر الاقتصادي. لقد سلكت مساراً براغماتياً بمعنى النهج الذي يجمع بين الطابع العقلاني + النزعة العملية + الهدف الواقعي من أجل بلوغ الغاية المصلحية في نهاية المطاف.
بين الخمسينات والستينات
في هذا السياق بالذات كانت " ثاتشر" ابنة عصرها كما قد نقول.. ولو كانت قد تولت موقع القيادة قبل أوانها - في عقدي الخمسينات أو الستينات مثلاً لما إستطاعت أن تشق الطريق الذي اختطته ولا أن تتوصل إلى النجاحات التي ارتبطت بشعار "الثاتشرية" الذي تناولته اثر رحيلها أقلام النقاد والمحللين.
السوق أولاً
شاءت حظوظها أيضاً أن يتزامن وجودها في رئاسة الوزارة في 10 داوننغ ستريت لندن مع وجود "رونالد ريغان" بالبيت الرئاسي الأبيض، في بنسلفانيا أنيو من قلب العاصمة الأميركية واشنطن، وانعقدت آصرة سياسية بين "ابنة البقال" الانجليزي وبين "الممثل" الهوليوودي القديم، وتجسدت هذه الرابطة في شراكة النظرة إلى حلول المشاكل الإقتصادية وكان أنجع الحلول بالنسبة للسيدة البريطانية والرئيس الأميركاني يتمثل في كلمة واحدة: السوق.
إن النهج "الثاتشرى" ومعه النهج "الريغاني" في الاقتصاد (ريغانومكس كما يقول المصطلح الأميركى) حقق نجاحات لاتنكر، ولكن لصالح الشرائح الميسورة والطبقات المقتدرة في مجتمع إنجلترا وأميركا تاركاً جموع الفقراء المهمَّشين والمستضعفين نهباً لأنواء الاقتصاد.
صحيح أن نجح الاثنان في مهمة الحد من التضخم، لكنهما لم يتطرقا إلى أداء مهمة أكثر خطراً وهي إتاحة فرص العيش الكريم أو حتى المعقول لصالح الملايين من المحرومين وغير القادرين.
وفي هذا السياق يقول المحلل الأميركى "روس داوثات" (النيويورك تايمز، عدد 11/4/2013):
- "تمثلت المهمة التي كان عليهما تنفيذها في بناء فرص مستدامة (بمعنى غير مؤقتة أو بمعنى مسكِّنات مرحلية) لصالح الفقراء والمستضعفين (من أعمالهم ومساكنهم). وكان الخطأ الذي ارتكبه كل من "ثاتشر" و"ريغان" هو الافتراض بأن إطلاق قوى السوق من عقالها سيكون كفيلاً ببساطة بالاعتناء بحل هذه المشكلة، ولكن هذا التصور لم يجد سبيلاً إلى التحقيق..".
الطريق الثالث
عاشت "مارغريت ثاتشر" 23 سنة بالتمام والكمال بعد تركها رئاسة الوزارة في بلادها، جاء من بعدها في الموقع الرفيع رئيس وزراء آخر من حزب المحافظين أيضاً هو "توني بلير" وقد ربطته بدوره صداقة سياسية مع الرئيس الأميركي الأسبق "بيل كلينتون". ويبدو أن هذه الحقيقة، فضلاً عن ثقافة الرجلين وإدراكهما لحقائق الأمور مع مغيب قرن من الزمن ومطالع ألفية جديدة من حياة عالمنا.
إضافة إلى الدروس المستفادة من تجربتي "الثاتشرية" في إنجلترا و"الريغانية" في أميركا، قادت إلى ما أصبح يعرف باسم "الطريق الثالث" في ساحة الاقتصاد، وهو الطريق الذي لا ينفي دور الدولة في دفع عجلة النشاط الإقتصادي، بل ويوازن هذا الدور مع دور القطاع الخاص والفعاليات الاقتصادية الأخرى التي قد تتخذ شكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو شكل التعاونيات أو أى شكل آخر لايكرس فقط قوانين السوق- العرض والطلب بل يتحرك متوخياً مصالح جموع الناس من العاملين والكادحين وصغار الملاك ومن في حكمهم، والمعادلة صعبة لاتزال بطبيعة الحال.
رد على ميتران
وبعيداً عن السياسة تنشر الكاتبة الأميركية "مورين دوود" لمحة طريفة من سلوك "مارغريت ثاتشر" (في النيويورك تايمز، الطبعة الدولية، عدد 11/4/2013) حين تشير إلى احتفاليات فرنسا عام 1979 بإنقضاء 200 سنة على قيام ثورتها الكبرى، يومها حضرت "ثاتشر" مؤتمر مجموعة السبع من الدول الصناعية الكبرى، يومها أيضاً غضبت من الرئيس الفرنسى "ميتران" الذي أساء إلى مكانتها فلم يضع موقعها في مقدمة الحاضرين سواء في الاجتماعات السياسية أو في احتفالات دار الأوبرا في باريس، ما كان من السيدة "ثاتشر" إلا أن قدمت للرئيس الفرنسي على رؤوس الأشهاد هدية كانت عبارة عن كتاب مغلّف بالجلد الأنيق الأحمر، وكان الكتاب يحمل عنواناً يعرفه كل مثقفي العالم وهو: " قصة مدينتين ".
هى الرواية التي أدان فيها مؤلفها "تشارلس ديكنز" كل ما ارتكبته ثورة فرنسا من شطط وقسوة وجرائم دموية في بعض الأحيان.
رحيل المرأة الحديدية
في حياة السياسية البريطانية الراحلة "مرغريت ثاتشر" ظاهرة يمكن وصفها بأنها "ظاهرة الثنائيات"، وبمعنى أن مراحل حياة "ثاتشر" إجتازت باستمرار معالم تقترن بشخصيات وأفكار وتوجهات أخرى: مابين وصفها بأنها "المرأة الحديدية" في حين سبق إستخدام هذا الوصف- السياسي الإنجليزي الشهير "ونستون تشرشل" حين تكلم عن "الستار الحديدي" الذي نزل على كل شعوب ومناطق شرقى أوروبا (طيلة الحرب الباردة منذ أواسط الخمسينات).. وهناك أيضاً الإقتران المزدوج بين حياة الملكة "يكتوريا" وحياة رئيسة الوزراء "ثاتشر" بإعتبارهما أهم سيدتين تولتا مقاليد الأمور في "بريطانيا" سواء خلال القرن التاسع عشر أو مع عقد الثمانينات من القرن العشرين.
ثم تكتمل ظاهرة الثنائيات بالذات من واقع الصداقة السياسية التي ربطت بين كل من السيدة "ثاتشر" والرئيس الأميركى الأسبق "رونالد ريجان" ومن ثم جاء المصطلحان "الثاتشرية" في إنجلترا و"الريجانومكس" (الإقتصاد الريجانى) في أميركا..
وكلاهما يشترك في الإيمان العميق إلى حد الإندفاع أو التعصب أحياناً بحَرفية الإقتصاد الرأسمالى.. وهو ما أدى بكل منهما إلى تكريس إقتصاديات السوق التي تعتمد أساساً على قانون العرض والطلب وقد تحقق هذه السياسة قدراً لا يُنكر من الإصلاح الإقتصادى ولكنها تصب في التحليل الأخير لصالح الطبقات المقتدرة في المجتمع وطبعاً على حساب ماقد يصيب الجماهير الغفيرة من الفقراء والمهّمشين من معاناة وآلام.
ويبدو أن خام "الحديد" في قاموس السياسة البريطانية يشغل موقعاً محورياً يسترعى الإهتمام بكل تأكيد بل إن الصفة البلاغية المستقاة من مادة "حديد" مازالت تتردد في سطور المحللين وميديا الإتصال الجماهيرى آية على القسوة أحياناً وعلى الصلابة في أحيان أخرى. من هنا فلا يزال التاريخ السياسي القريب يذكر عبارة وصفية سرت حروفها ودلالالتها عبر السنوات الخمسين، إلا قليلاً، التي إستغرقتها ظاهرة الحرب الباردة التي إستغرقت قرابة النصف الثانى من القرن العشرين. والعبارة هي:
نطق بها رئيس الوزراء البريطانى الأسبق، سير "ونستون تشرشل".. وكان ذلك تحديداً في خطبة ألقاها في إحتفال عام أقيم يوم 5 مارس عام 1946 بولاية "ميسوري" الأميركية.. وأعلن فيها "تشرشل" أن "ستاراً حديدياً" بات ينزل على أرجاء أوروبا الشرقية في إشارة لا تخفى إلى فرض العزلة على إقليم شرق أوروبا وخضوعه، بكل شعوبه ودُوله وأقطاره، إلى هيمنة الإتحاد السوييتى السياسية، وإلى سطوة الأحزاب والأيديولوجية الماركسية التي فرضتها الحكومات الشيوعية على تلك البلدان. بعدها شقت عبارة "الستار الحديدي" طريقها إلى كل الأدبيات الإعلامية والسياسية خلال سنوات الحرب الباردة التي إمتدت من فترة خطاب "تشرشل" وحتى سقوط سور "برلين" الشهير في عام 1985.
. وبعدها كان إنهيار وزوال "الإتحاد السوييتى" مع مطلع تسعينات القرن مؤذناً بالطبع بإنهيار وزوال الستار الحديدي ذاته من ربوع شرق أوروبا.. فيما جاءت مبادرات "ميخائيل جورباتشوف" وهو آخر الحكام السوييت إرهاصاً مبشراً أو منذراً بكل هذه التحولات التي آذنت بختام الحقبة السوييتية من تاريخ وخارطة العالم بعد أن عاشت أكثر من 70 عاماً من عمر القرن العشرين أى منذ إندلاع الثورة البلشفية بزعامة "فلاديمير إيليتش لينين" في 17 أكتوبر من عام 1917.. وتواصلت استخدامات الحديد في المصطلحات السياسية حتى وصلت إلى أوصاف السياسيين أنفسهم، والغريب أنها لن تلصق بالرجال من الجنس الخشن، بل بالنساء من السياسيات، وحظيت رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر بلقب " المرأة الحديدية".
معالم الثاتشرية
معالم "الثاتشرية"، لا بوصفها مذهباً اقتصادياً مستحدثاً كما يذهب في ذلك بعض المحللين، ولكن باعتبارها مساراً رسمته واتبعته رئيسة الوزراء البريطانية خلال السنوات الاستهلالية من توليها موقعها المحوري في إنجلترا، بمعنى أن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر انتهجت لنفسها نهجا خاصا في عملها في إدارة الدولة، ولم تقتبس هذا النهج من نظريات سابقة، بل كان في الغالب من إبداعاتها الشخصية، ولهذا سمي باسمها " الثاتشرية".
السيدة "ثاتشر" لم تسلك في هذا السبيل سلوك المنظّر السياسي أو المفكر الاقتصادي. لقد سلكت مساراً براغماتياً بمعنى النهج الذي يجمع بين الطابع العقلاني والنزعة العملية والهدف الواقعي من أجل بلوغ الغاية المصلحية في نهاية المطاف.
