"رغم أن نطقه الكلمات والعبارات لم يكن سليماً أو على النحو الصحيح إلا أنه أدى ما عليه من واجب في كل حال..."

هكذا جاءت عبارة "غابرييل وايمان" أستاذ الإعلام فى جامعة حيفا فى معرض التعليق على الكلمات التي عمد الرئيس الأمريكي "أوباما" إلى نطقها باللغة العبرية خلال زيارة الأيام الثلاثة التى أمضاها فى إسرائيل ثم فى الضفة الغربية المحتلة من أرض فلسطين.

لا عجب أن تورد "النيويورك تايمز" تعليقاً بدورها على هذه الزيارة الأوبامية وتختار له عنواناً يقول بما معناه:

- إن "أوباما" يحاول أن يسحر الإسرائيليين (بمعنى يخلب ألبابهم كما قد نقول) فيستخدم اللغة العبرية.

هنالك لا يملك المراقب السياسي سوى أن يسترجع نفس أسلوب "خلب الألباب"، ولكن باستخدام اللغة العربية هذه، وذلك خلال الزيارة التى سبق وأن قام بها السيد "أوباما" مع استهلال ولايته الرئاسية الأولى إلى مصر العربية، وردد يومها من فوق منصة الجامعة تحية " السلام عليكم " بالعربية ثم ألقى ما يعرف حتى الآن فى أدبيات السياسة الأمريكية باسم " خطاب القاهرة " حافلاً بالوعود الجذابة، مزيناً بالورود اللفظية. ويومها أيضاً أثيرت آمال وانتفضت بُشريات في طول منطقة الشرق الأوسط وعرضها على السواء.

في بيت لحم

ثم هاهو الرئيس الأمريكي الشاب يعود إلى المنطقة ولكن هذه المرة من باب القدس- إسرائيل ثم رام الله فلسطين، ومن بعدها، كما شهدت زيارة الأربعاء 20 مارس- بيت لحم- فلسطين، أيضاً حيث اضطر الزائر الأمريكي إلى الاستغناء عن الهليوكوبتر الرئاسية واستخدام سيارة مصفحة مجلوبة خصيصاً من واشنطن بعد أن صادفته فى الأراضي الفلسطينية المحتلة عاصفة الخماسين وهو ما دفع " أوباما " .

كما تقول "الغارديان" البريطانية (عدد 22/3) - إلى إطالة اجتماعه مع رئيس الوزراء الصهيوني "نتنياهو" ليزيد على ساعتين يتاح فيهما للشرطة الإسرائيلية وضع الحواجز على الطرق بما يسمح للرئيس الأمريكي أن يجتازها مابين جنوبي القدس إلى بيت لحم، في طريقه إلى زيارة كنيسة "المهد" التي طاف بها نحواً من30 دقيقة التقى فيها براعي الكنيسة التاريخية المشيّدة فى موقع ولادة المسيح عليه السلام.

وقد حياه الراعي المطران "ثيوفليس الثالث" بوصفه " مبعوث السلام والمصالحة " .. فيما ترددت فى أرجاء هذه المواقع من الضفة الغربية وكما تضيف "الغارديان" أيضاً شكاوى المواطنين الفلسطينيين بأن السور العازل إياه الذي عمد الاحتلال الإسرائيلى إلى بنائه أدى إلى "خنق اقتصاد بيت لحم" وما برح يعيق وصول هؤلاء المواطنين إلى ذويهم وإلى أعمالهم وإلى أماكن العبادة (مسلمة ومسيحية) فى مدينة القدس.

الجدار العازل

هنا تضيف "الغارديان" ملاحظة للكاتبة "هارييت شيروورد" مفادها أن رحلة "أوباما" بالسيارة كما ألمحنا- كانت كفيلة بلا شك، بأن يتاح للرئيس الأمريكي "إلقاء نظرة فاحصة وعن كثب مباشر على ذلك الجدار الخانق الذي يشق طريقه متلوياً كالثعبان على امتداد أميال عديدة مروراً بالمدن (والمواقع) الوارد ذكرها في الكتب الدينية المقدسة "

وبديهي أن الجدار العازل مازال موضع رفض وإدانة من جانب أكبر هيئة قضائية على المستوى العالمي وهى محكمة العدل الدولية فى لاهاي التى أصدرت منذ سنوات قليلة فتواها الشهيرة والمدوية بعدم مشروعية هذا الجدار، مستندة في ذلك إلى حيثيات موضوعية.

وفى مقدمتها أن الجدار يشق الرقعة البرية للضفة الغربية لنهر الأردن مما يؤدي بداهة إلى عزل مناطقها عن بعضها البعض ويحول دون تواصل أجزائها واستواء ساحاتها ويفضي فى التحليل الأخير إلى إعاقة إقامة الدولة الفلسطينية المرتقبة على أرض مجزأة الرقعة. مشتتة الأجزاء وتكاد تكون ممزقة الأوصال.

موقف العرب

هنا لابد من أن نقول، بل أن نعترف موضوعياً، بأن الأطراف العربية تعاملت مع فتوى المحكمة الدولية بمزيج لا يُنكر يجمع بين سلوك الإهمال وبين النَفَس القصير وخيبة المسعى. لماذا؟، لقد اكتفت الأطراف العربية بالتهليل الوقتي والترحيب المرحلي إزاء فتوى محكمة "لاهاي" انهالت التعليقات وزينت العناوين صدارة الصحف وامتلأت ميديا الإعلام الإلكتروني العربي صوتاً وصورة بالعبارات التي أفعمت ترحيباً وإشادة بالفتوى التى أدانت فى مجملها بناء إسرائيل للسور العازل.

بعدها هدأت فورة الحماس العربي التى صاغها العرب نثراً وشعراً.. وكأن شيئاً لم يكن.

ولو جاءت الفتوى القانونية من جانب الهيئة الدولية المذكورة لصالح إسرائيل لما ترك الصهاينة عالَمنا بغير إلحاح إعلامي وإصرار سياسي وحملات يشنّونها بالليل وبالنهار، وجهود حثيثة يبذلونها - والشهادة لله- كي يدللوا خلالها بكل اللغات ولكل المسئولين، وفى كل أصقاع الدنيا- على أن لهم حقاً أو أنهم نالوا إنصافاً. إلى آخر ما دأبت إسرائيل على فعله.

يشهد بهذا موضوعياً ما سبق وأن اتخذته إسرائيل، ومن يواليها من جماعات الضغط اليهودية فى أمريكا وفى أنحاء العالم. من مواقف تجاه قرار سبقت إلى إصداره الجمعية العامة للأمم المتحدة- بناء على توصية اللجنة الثالثة المنبثقة عن الجمعية العامة، وهى اللجنة المعنية تنظيمياً بقضايا تصفية الاستعمار وما فى حكمها.

حركة عنصرية

كان ذلك خلال الدورة الثلاثين للجمعية العامة المعقودة في عام 1975، يومها وبالتحديد خلال شهر نوفمبر من العام المذكور، نجحت الأطراف العربية- بفضل تضامنها القومي من جهة وقدرة ممثليها وسفرائها من جهة أخرى على التواصل الإيجابي مع مجموعات الدول النامية، عدم الانحياز، وإفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية والاتحاد السوفيتي والصين ..

إلخ. فى استصدار قرار تاريخى للجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الصهيونية نوعاً من أنواع العنصرية (بمعنى التمييز العنصري) فما بالنا وقد صدر هذا القرار المناهض للصهيونية (وكيانها المجسد فى مشروع الاستيطان الاستعماري بإسرائيل) خلال تلك الفترة التى كانت مشحونة بالدعوة إلى مناهضة وإدانة أوضاع التمييز الفصل العنصري في جنوب أفريقيا المعروفة باسم "أبارثيد".

والحق أن كان كثير من الفضل فى صدور هذه الإدانة الدولية لعنصرية الصهيونية يرجع إلى كوكبة مرموقة من السفراء العرب الذين كانوا مندوبين- ممثلين لدولهم لدى المنظومة الدولية، وتجلّت بين صفوف هذه النخبة جهود الدكتور "فايز صايغ" وكان مندوباً للكويت، وبلاغة "جميل البارودي" وكان مندوباً للمملكة العربية السعودية.

على الضفة المقابلة من هذه الأوضاع تلقت إسرائيل صدمة الإدانة الدولية، وحاولت امتصاصها من خلال الردود والدفوع التي حشدت من أجلها مؤيديها داخل الولايات المتحدة وكان على رأسهم أيامها السفير "باتريك موينهان".. مندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة.

وفيما لم تفلح كل هذه الجهود فى الحيلولة دون صدور القرار الدولي بإدانة الصهيونية وهذا درس للأطراف العربية كافة- فقد ظلت إسرائيل على مدار السنوات الخمس عشرة التى تلت قرار "الصهيونية نمط من أنماط العنصرية" تعمل بدأب وإلحاح متواصل على حشد آراء الدول.

وخاصة الكيانات الدولية الصغيرة التى انضمت فى تلك الفترة إلى عضوية المنظومة الدولية - حتى نجحت إسرائيل مع مطلع تسعينات القرن الماضي فى استصدار قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضى بإلغاء قرارها السابق بإدانة الصهيونية كما أوضحنا- بوصفها شكلاً من أشكال التمييز العنصرى.

لغة المصالح

مع هذا كله، ورغم ما لاحظته دوائر وأجهزة الرصد السياسي من نتائج محدودة لزيارة الرئيس الأمريكي، وخاصة فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية المنشودة، ورغم اعتراف كبير المفاوضين الفلسطينيين "صائب عريقات" بأن المسألة، في التحليل الأخير هي لغة المصالح مضيفاً القول فى مفارقة بليغة:

- إذا كان المتوقع من زيارة الرئيس "أوباما" هو تحرير فلسطين فذلك لم يحدث مادمنا كعرب لا نتحدث مع الولايات المتحدة بلغة المصالح التى لا نفهم سواها.

رغم هذه النظرة الفلسطينية العربية الممرورة كما لابد وأن نعترف- فثمة طروحات صادرة عن الجانب الآخر، وهو جانب إسرائيل وساستها وسفرائها، وهم بداهة من المؤيدين لها وإن كانوا لا يملكون بحكم الخبرة والرؤية سوى التحذير الموضوعي من أن المستقبل في حال استمرار بل واستشراء موجة الاستيطان الصهيوني على حساب الأرض الفلسطينية- لن يكون في صالح إسرائيل ومستقبلها فى نهاية المطاف.

آراء أميركية

فى نفس السياق ينقل الكاتب الأمريكي كريس ماكفريل عن اختصاصي أمريكي أيضاً هو "ديد ميللر" الذى كان واحداً من المكلفين بملف التفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون".. يقول "ميللر" من واقع خبرته الطويلة بهذا الملف، على نحو ما نشرته مجلة السياسة الخارجية يقول فيها:

- " إن الاتجاهات السكانية الراهنة إنما تعني أن إسرائيل لا يمكن أن تفوز بكل شيء مرة واحدة فهي لا تستطيع أن تكون دولة لليهود وتكون دولة ديمقراطية وتكون أيضاً مسيطرة على كل الأرض التاريخية ( في فلسطين) وعليها أن تتخلى عن واحد على الأقل من هذه الأهداف.

في هذا المضمار أيضاً يرتفع صوت الملياردير الأمريكي "دانييل أبراهام" المقّرب إلى ذوي النفوذ سواء فى أمريكا أو فى إسرائيل. والرجل يكتب فى مقال نشره بمجلة "أتلانتك" الأمريكية الشهرية محذراً بأن "الوقت ليس في صالح إسرائيل" وأن استمرار وجودها (بمعنى احتلالها) للضفة الغربية للأردن إنما يشكل تهديداً أساسياً لوجودها، مجرد وجودها.. إلخ.

دبلوماسي إسرائيلي

ومن واقع هذه الخبرة لم يتورع الدبلوماسي الإسرائيلي - على نحو ما تنشر "الغارديان" أيضاً عن التصريح فى الأسبوع الماضي بأن سيطرة إسرائيل على الأرض (الفلسطينية) المحتلة تكاد تتساوى مع سلوك "دولة الأبارثيد" (وهى نظام الفصل العنصرى الشائن الذى كانت تفرضه سيطرة المستوطنين الاستعماريين البيض في جنوب أفريقيا).

وعند منتصف مارس، عقد الدبلوماسي الإسرائيلي المذكور واسمه "ألون لييك " مؤتمراً صحفياً فى القدس مستبقاً فى ذلك زيارة الرئيس "أوباما" وخاطبه قائلاً:

- إذا لم تكن تنوى تحذير الإسرائيليين بشأن الخطر المحدق بأنهم سوف يصلون إلى مشارف هاوية الأبارثيد.. فإنني أرجوك يا سيادة الرئيس - أن لا تأتي فنحن لا نحتاج إلى زيارة "مجاملة".

ويعود الرئيس "أوباما" إلى بلاده تاركاً ملف الشرق الأوسط والنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي في عهدة وزير خارجيته السيد "كيري".

لم تكد الزيارة الرئاسية تحقق إنجازاً يعتد به.. اللهم إلا نجاح الوساطة التي قام بها "أوباما" - كما تقول "النيويورك تايمز" - في إنهاء النزاع بين إسرائيل وتركيا.

 أيام قلائل أمضاها الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في زيارته الاستهلالية للشرق الأوسط مع بدايات ولايته الثانية فى البيت الأبيض.

وكان منطقياً أن تنعقد على الزيارة آمال كثيرة وتوقعات شتى وإن كان الطرف الفلسطيني على نحو ما عبر عن ذلك الدكتور "صائب عريقات" كبير المفاوضين في رام الله، يرى أن لم تحقق ملابسات الزيارة أي مكاسب يُعتد بها لصالح القضية الفلسطينية وخاصة ما يتعلق بالتوصل إلى حل الدولتين باعتبار هذا الحل بمثابة حجر الأساس فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التى تعيش وتتطور لصالح المواطنين الفلسطينيين.

كان واضحا أن الرئيس الأمريكى قد جاء فعلا لدعم أمن إسرائيل والتشاور معها بشأن الوضع فى سوريا والموقف من إيران فضلا عن تأثير التحولات الكبرى التى يشهدها العالم العربى على المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وأن أولويات زيارته لم تكن من بينها القضية الفلسطينية. لكن أكثر ما يلفت الانتباه فى الزيارة برمتها هي اللغة التي استخدمها أوباما طوال الزيارة. فهو تبنى خطابا كانت مفرداته ومضمونه إسرائيليا بامتياز.

ففيما يتعلق بأمن إسرائيل، كرر أوباما في أكثر من مكان وباستفاضة الخدمات التى قدمتها إدارته لأمن إسرائيل. أكثر من ذلك، قال الرئيس الأمريكي في المؤتمر الصحفي الذى عقده مع نتنياهو، أنه بفضل قرار اتخذه العام الماضي، ستحصل إسرائيل على 200 مليون دولار فى العام المالى الحالى من أجل ذلك البرنامج. ثم تعهد رغم الأزمة الاقتصادية الأمريكية بأن يعمل مع الكونجرس لضمان ألا يتأثر تمويل ذلك البرنامج.

ورغم أنه كان واضحا قبل أن يأتى أوباما أن القضية الفلسطينية فى ذيل أولويات زيارته إلا أن ما قاله خلال الزيارة مثل دليلا على أن الرئيس الأمريكى لن يضع ثقله وراء تلك القضية وأنه على أفضل تقدير سيكلف وزير خارجيته بالأمر ويمنحه دعما حذرا.

فالرئيس الأمريكى لم يذكر مرة واحدة طوال الزيارة أن المستوطنات الإسرائيلية فى الأرض المحتلة غير قانونية وانما عاد للغة إياها التى صارت تستخدم منذ عهد كلينتون وتصف ابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية بأنه مجرد عقبة فى طريق التسوية.

لكن لعل الأهم على الإطلاق الذى يستدعى التأمل فى الزيارة كلها هو المقارنة بين الخطاب الذى استخدمه أوباما في إسرائيل وذلك الذي استخدمه فى رام الله.

ففي مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، كان خطاب أوباما يخلط الدعم المعنوي بالدعم المادي. أما فى رام الله، فقد كانت اللغة جافة لحد كبير تحدث خلالها عن السلطة الفلسطينية أكثر بكثير مما تحدث عن الشعب الفلسطيني. وخصص الرئيس الأمريكي الجزء الأكبر من كلمته للثناء على جهود السلطة الفلسطينية بالمقارنة بما خصصه من وقت للحديث عن معاناة شعب يعيش تحت الاحتلال.

ورغم حرص الرئيس الأمريكي الزائر على الجمع بين زيارة إسرائيل وزيارة رام الله إضافة إلى زيارة "بيت لحم" والالتقاء مع رعاة كنيسة "المهد" التاريخية.

 فقد انحسرت الآمال العريضة التي تعقد عادة على زيارة رئيس أمريكي يتاح له الاجتماع إلى قادة طرفي الصراع الفلسطيني الصهيوني، باعتبار أن هذا الصراع مابرح يشكل أكبر لغم سياسي مطلوب أن ينزع فتيله لأنه يهدد، ضمن عوامل إقليمية أخرى باشتعال المنطقة وقطع الطريق من ثم على أي جهود للتنمية أو التطور يمكن بذلها لصالح جماهير شعوبها. مع ذلك فلم تخْل الزيارة نشر تحليلات وإصدار تصريحات من جانب ساسة إسرائيليين وأمريكيين تحذر من أن استمرار إسرائيل فى احتلال الأرض الفلسطينية إنما يشكل خطراً داهماً على مستقبل إسرائيل ذاتها.