رغم أن مثل هذه الطقوس السياسية أو المراسيم البرلمانية لاختيار المناصب العليا في الدولة الصينية سبق وأن مورست، على الطريقة الصينية طبعا عدة مرات، على الأقل بعد رحيل زعماء البلاد التاريخيين من طراز "ماو تسي تونغ" أو "شوين لاي"، وبعدهما جاءت، كما هو معروف- حقبة الانفتاح السياسي، والاقتصادي بالذات التي دشنها تسلّم الزعيم "دنغ هيساو بنغ" مقاليد الزعامة في صين- النصف الأخير من السبعينات، إلا أن الرئاسة الصينية الجديدة جاءت خلال الأيام الأخيرة في إطار حالة من المتغيرات الجذرية التي تعيشها الصين ويعيشها العالم على السواء.

رسائل الرئيس

هنا نلاحظ من جانبنا أن الرئيس الصيني الجديد- ومنذ اختياره في نوفمبر الماضي لرئاسة الحزب الحاكم خليفة للرفيق السابق "هو غنتاو" ظل في حال من الحركة الدينامية الدائبة ما بين حضور المؤتمرات وإلقاء الخُطَب السياسية والقيام بالزيارات التي ظل يزرع بلاده خلالها بالطول وبالعرض كما قد نقول.. لا فرق في ذلك بين مدينة متوثبة الازدهار على طول الساحل الباسيفيكي.. وبين قرية نائية منسية أو شبه منسية.. يكتنفها غبار الفقر وربما التخلف في أرياف الصين وعمق دواخلها.

أما الرسالة التي ترددت على لسان الرئيس الصيني الجديد فكانت تدور حول مضامين باتت جوهرية لأنها أصبحت تشكل جزءاً لا يمكن تجاهله من خطاب العصر ومؤداها ما يلي:

ـــ مزيد من تحرير الاقتصاد من قبضة الحزب الحاكم أو السيطرة الكاملة للدولة المتحكمة.

ـــ مزيد من مساحات حرية التعبير وإبداء الرأي وخاصة ما يوجَّه إلى الحكومة ومسؤوليها وقادتها وأعوانها من انتقادات.

ـــ مزيد من مكافحة آفة الفساد التي باتت ضاربة الأطناب في ربوع الرقعة الصينية.

تشجيع الاستهلاك

في هذا الإطار ظل الرئيس الصيني الجديد حريصاً على إعلان التزاماته المتكررة خلال تلك اللقاءات والزيارات بأن ثمة بنداً أساسياً يحظى بالأولوية ضمن أجندة العمل المفروض أن يشرع في تنفيذها خلال المرحلة الوشيكة القادمة، وتتمثل كما قال في العمل على مواجهة ظاهرة البطء أو التراخي التي أصابت الاقتصاد الصيني في الآونة الأخيرة.

ويواكب ذلك تشجيع مواطني بلاده على التوسع في الإنفاق على الأغراض الاستهلاكية (تأمل!) مع العمل على رفع الحواجز التي ظلت تحول بين مزارعي الصين وعامة فلاحيها وبين النزوح بالهجرة إلى المدن وما في حكمها من المراكز الحضرية، فضلاً عن أهمية التركيز، كما أكد المسئول الصيني رقم واحد، على تطوير قوات بلاده المسلحة.. مع التشديد كما قال أيضاً- على تعميق عنصر الولاء من جانب أفراد هذه المنظومة العسكرية التي رآها السيد "جينبنغ" عنصراً لا غنى عنه في انبعاث الحلم الوطني للصين.

وفيما يتابع المراقبون السياسيون هذه التطورات التي ما برحت تطرأ على الساحة الداخلية للصين، فمازال من المهم- في تصورنا أيضاً متابعة البُعد الدولي بمعنى السياسة الخارجية المتوقع أن ترسمها وتعكف على تنفيذها الإدارة الجديدة في البلد الآسيوي الكبير.

وخاصة في ضوء عوامل شتى ومستجدة بدورها، ومنها النزاع الصيني- الياباني حول عدد من جزر المحيط الهادي الصغيرة ومنها أيضاً تزايد الدور الأمريكي في منطقة جنوب شرق آسيا- الشرق الأقصى التي تعدها الصين بمثابة محيطها الحيوي بالدرجة الأولى.

كاتبة أميركية

في هذا الإطار تتوقف الكاتبة الأميركية "ين بيريس" عند ما أعلنه الفريق الصيني الجديد المعنى بالسياسة الخارجية، في مؤتمر صحافي عقد في مطالع الأسبوع الحالي، بشأن اتجاه القيادة الجديدة في البلاد إلى التركيز على تدعيم مركز "بيجين" الذي تراه الصين حقاً لها بوصفها قوة محورية في ربوع القارة الآسيوية، سواء من ناحية السياسة أو الاقتصاد أو حتى الاستراتيجية العسكرية.

. ويتم ذلك في ضوء ما سبقت إلى إعلانه إدارة "أوباما" مؤخراً بشأن عزم أميركا تأكيد المزيد من وجود قوتها العسكرية في ربوع المنطقة الواقعة في جنوب الشرق الآسيوي إلى سواحل وأعماق المحيط الهادئ.

في نفس السياق تورد جريدة "النيويورك تايمز" (عدد 18/3/2013) ملاحظة لها أهميتها، ومفادها أن فريق السياسة الخارجية الصيني الجديد يضم عنصرين لكل منهما أهميته الخاصة: أولهما دبلوماسي مخضرم دأب على الدعوة لاتخاذ موقف متصلّب من جانب بيجين ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وثانيهما وزير خارجية جديد معروف بتركيز اهتماماته في المجال الإقليمي الخارجي على اليابان وتايوان وكوريا الشمالية.

وبمناسبة العلاقات مع أميركا.. جاءت التصريحات التي أعلنها البيت الأبيض مؤخراً بشأن مواصلة اهتمام الرئاسة الأمريكية بما وصفته بأنه "المرتكز الاستراتيجي" في آسيا، وهو ما فسرته المراجع الصينية على أنه سياسة ترمى إلى احتواء (بمعنى محاصرة) ما حققته الصين في الفترات الأخيرة من مكاسب وإنجازات في المجالين الاقتصادي والعسكري على حد سواء. ولعل في هذا ما دفع السيد "يانغ" وزير الخارجية الصيني الجديد إلى التلميح بأن على "واشنطن" أن تكتفى بدور أقل خلال المحادثات التي لا تلبث تدور بين أطراف منطقة آسيا- المحيط الهادئ.

وبديهي أن تلك هي المنطقة التي مازالت بعض أرجائها وعدد من جزرها الصغيرة المتناثرة في مياه الباسيفيكي مثار نزاعات في الحاضر وفى المستقبل بين أكبر قطبين على صعيد الإقليم وهما الصين واليابان.

ومن عجب أيضاً أن ثمة تقييماً شبه متوحد يقضى بأن كلاً من طوكيو وبيجين باتت ترفع شعارات المطالبة بنفوذ أوسع في تلك المنطقة الآسيوية مستهدفة في ذلك إثارة مشاعر الكبرياء الوطني واستثارة تأييد الملايين في كل من البلدين الآسيويين وهو ما يصبّ بداهة لصالح الإدارة الحاكمة في الصين وفى اليابان.

مشكلة اليابان

في هذا الصدد تلاحظ جريدة "الواشنطن بوست" مثلاً أن طوكيو تود استعادة الشعور بالأهمية والكبرياء الوطني بعد عقدين من الركود الاقتصادي عانتهما اليابان. وفي هذا المضمار تأتي تصريحات رئيس الوزراء الياباني "شنزو آبيه" الذي يكاد يتهم الصين بأن مصادماتها مع اليابان تمثل في الأساس عزفاً على وتر الرأي العام خاصة وأن النظام التعليمي الصيني يؤكد بالمغالاة على عنصر الشعور الوطني وبالتالي على المشاعر المعادية لليابان على نحو ما يذهب إليه رئيس وزراء طوكيو (الجارديان البريطانية، 1/3/2013).

ثمة محلل آخر، أميركي هذه المرة، هو البروفيسور "روبرت روس" أستاذ العلوم السياسية في جامعة "بوسطن"، وهو يتصور، في دراسة مهمة منشورة مؤخراً، أن التحركات الصينية، سواء على مستوى الداخل أو على مستوى المنطقة الإقليمية التي تقع في إطارها، لا تصدر عن شعور بالثقة (إزاء ما حققته بيجين مثلاً) من إنجازات.. بقدر ما تتبع، في رأى المفكر الأميركي، من شعور عميق بافتقاد الأمن (مجلة الشؤون الخارجية- "Foreign Affairs"، عدد نوفمبر/ ديسمبر 2012).

والدراسة تلفت النظر إلى حالة التناقض التي باتت تواجه السياسة الخارجية الأميركية، لدى استهلال حقبة "أوباما" الثانية، وهو تناقض جاء متلازماً مع ما عمدت إليه الإدارة الأميركية من توسيع وجودها العسكري ليحفّ بالحدود والمصالح وربما بالوجود الإقليمي للصين ذاتها. وفيما كان الغرض الأساسي من هذه الاستراتيجية الأميركية هو احتواء النفوذ الصيني، أو الحدّ من سطوة "بيجين" أو تطويق تحركاتها في المنطقة..

فقد أدت الاستراتيجية الأمريكية إلى عكس أغراضها المستهدفة على طول الخط: أدت ببساطة إلى دفع المسئولين الحاكمين في بيجين إلى زيادة تحدياتهم والتوسع في أنشطتهم الإقليمية.. وكان غرضهم يتمثل بالدرجة الأولى في كسب المزيد من تأييد جماهيرهم في الداخل من خلال إثارة مشاعرهم القومية، مع تصوير أمر الاستراتيجية الأمريكية على أنها سوف تصب في نهاية المطاف لصالح الأطراف المنافِسة للوطن الصيني.. ابتداء من اليابان وليس انتهاء بتايوان.

تحذير إلى واشنطن

هنالك يحذر البروفيسور "روبرت روس" أيضاً من أن استمرار واشنطن في سياسة توسعها العسكري في الإقليم الآسيوي- الباسيفيكي، كفيل بأن يؤدى بالحتم كما يضيف- إلى اشتداد المقاومة من جانب الصين، وهو ما يحول في التحليل الأخير- بين إمكانيات التعاون الثنائي بين أميركا والصين وخاصة فيما يتعلق بقضايا جوهرية تتراوح بين التجارة وبين استقرار الاقتصاد العالمي، وهو ما سوف يكلف أميركا في رأيه - ثمناً فادحاً.

من هنا تأتي الدعوة المطروحة في الوقت الحالي إلى أن تعمد أميركا لا إلى الدخول في مواجهة مع الصين- ولكن إلى بناء شراكة مع الصين، خاصة وهي كما أسلفنا في صدر هذا المبحث- على أعتاب قيادة جديدة على مستوى الحزب الحاكم أو على مستوى رئاسة الدولة الصينية وقيادة قواتها المسلحة. والدعوة صادرة هذه المرة من "أستراليا".. وترد في كتاب حديث الصدور بقلم "هيو وايت" الذي كان من كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأسترالية.

والكتاب بعنوان "الخيار الصيني: لماذا يتعين على أميركا أن تتقاسم القوة (أو النفوذ)". وهو يدعو إلى تشكيل ما يصفه بأنه "كونسير آسيا" بمعنى المجموعة المتوافقة أو المتناغمة على نحو ما يتناغم عازفو المقطوعة الموسيقية.

وبصرف النظر عن رومانسية مثل هذا الطرح السياسي، فالشاهد هو أن هناك من الخبراء والساسة المخضرمين من يدرك دلالة مشاركة أطراف لها أهميتها في الأصقاع الآسيوية، وفى مقدمتها كما يدعو هذا الكتاب الذي ذكرناه- أطراف مثل اليابان أو الهند وهو ما يكفل عدم تصاعد الحالة الراهنة في مناطق المحيط الهادئ إلى مستوى الصراع المحتدم سواء جاء اقتصاديا أو تكنولوجيا أو اشتعلت جذوته إلى مستوى الصراع العسكري، وخاصة في ضوء تجليات التطور البارز الذى حققته التكنولوجيا الحربية .

وفى مقدمتها ما يصفه المفكر الأسترالي بأن تكنولوجيا مهاجمة وإعطاب السفن الحربية الضخمة سوف تفوق إمكانات الدفاع عن هذه السفن، وبهذا تفقد القوى الدولية الكبرى ما سبق ونعمت به من مزايا في عهود سبقت كفلتها لصالحها أساطيلها المنيعة بكل ما كانت تحفل به من قطع بحرية عملاقة كان في مقدمتها حاملات الطائرات بطبيعة الحال.

إضاءة :

سياسي ابن سياسي

 يُعَد الرئيس الصيني الجدي " شي جينبينغ " من أبناء الجيل الأوسط بين زمرة السياسيين في بلاده، فهو يبلغ التاسعة والخمسين من العمر، ونشأ في أسرة ظلت تتعاطى العمل الاجتماعي والاهتمام بالعمل العام والشأن السياسي، حيث عمل والده تحت قيادة الزعيم "ماو تسي تونغ" .

وكان معروفاً عن هذا الوالد بعد رحيا ماو تسي تونغ أنه كان في صدارة المتحمسين لسياسة "دنغ هيساو بنغ" وإصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية الانفتاحية التي غيرت شكل المجتمع الصيني، وكان في مقدمتها كما قد نلاحظ أيضاً ــ تخفيف قبضة الحزب عن مقاليد الاقتصاد وتشجيع أسواق الاستثمار والتبادل التجاري والإنتاج.

 زعيم صيني جديد

في الأيام القليلة الماضية كان طبيعياً أن تتحول اهتمامات المراقبين والمحللين السياسيين إلى العاصمة الصينية، "ين" التي شهدت في تلك الفترة القريبة وقائع ومراسيم انعقاد مؤتمر الشعب الصيني ممثلاً للحزب الشيوعي الحاكم.. الذي اختار فيه أعضاؤه رئيساً جديداً للدولة، وبهذا أصبح المرشح المختار.

وهو السيد " شي جينبنغ" يجمع بين مفاتيح المواقع الجوهرية الثلاثة في إدارة دولاب الحكم في طول الصين وعرضها، وقد بدأت بموقع الأمين العام للحزب في نوفمبر الماضي، وبعدها موقع المسؤول الأول عن لجنة (مفوضية) القوات المسلحة وأخيراً موقع رئاسة الدولة في أوائل مارس الحالي.

ومع انتخاب الرئيس الصيني الجديد، كان طبيعياً أن يهتم المراقبون والمحللون السياسيون أيضاً بفريق السياسة الخارجية الجديد للصين وبالتوجهات وبالمنطلقات السياسية والرؤى الاستراتيجية التي يصدر عنها قادة هذا الفريق المقدر له أن يدير آلة العلاقات الدولية للصين خلال السنوات العشر القادمة.

ولاسيما في ضوء معطيات الأوضاع الراهنة في المحيط الإقليمي للصين وهو يجمع ــ كما هو معروف ــ بين البعد الشرق ــ آسيوي والبعد الباسيفيكي، بما في ذلك طبعاً علاقات الصين المتوترة مع الجار الياباني، وأيضاً مع جيران شبه الجزيرة الكورية، فضلاً عن العامل "التايواني" والعامل "الأسترالي" باعتبار شراكة المحيط الهادئ. بكل ما ينطوي عليه هذا الوضع من مستجدات وتطورات وتحديات.

ولأن المسائل نسبية وخاصة في دنيا السياسة. فلم يكن مثيراً للدهشة أن تضم قاعة الاجتماع القومي المشهود عدداً يقارب الآلاف الثلاثة من أعضاء الحزب الحاكم فيما كان كل منهم يمثل منطقة أو إقليمياً بعينه من أقاليم البلاد.

نتحدث عن آخر اجتماع عقده البرلمان الصيني وكان مثاراً لاهتمام جمهرة المحللين المتابعين للشؤون الدولية بشكل عام ولتطورات الأمور على الساحة الصينية بشكل خاص. أما النسبية التي أشرنا إليها فتتمثل في هذه الجمهرة الحاشدة من المندوبين الذين وفدوا من كل أنحاء الصين كي ينوبوا عن مئات الملايين من سكان البلاد في التصويت على من يشغل المنصب رقم واحد في منظومة السلطة الحاكمة في العاصمة "بيجين".

عقدت جلستهم الحاسمة يوم الخميس، الرابع عشر من مارس الحالي. وأسفرت مراسيم الاقتراع على اختيار، أو بالأدق تأكيد وتثبيت اختيار، مرشح الحزب الحاكم وهو السيد " شي جينبنغ" الذي أصبح رئيساً للدولة الصينية وبأغلبية كاسحة تكاد تقرب من التزكية الاجتماعية لولا أن أسفرت العملية عن معارضة صوت واحد ليس إلا، فيما امتنع ثلاثة مندوبين عن التصويت- والباقي..

موافقة على طول الخط بطبيعة الحال. يلاحظ المحلل الأميركي "كريس بكلى" أن هذا الاختيار لم يأت من فراغ، بقدر ما جاء بمثابة خطوة استكملوا بها عملية التحّول أو الانتقال الرسمي إلى رئاسة جديدة لدولة "الصين" في ضوء الموافقة التي صدرت عن ذلك الاجتماع المشهود الذي ألمحنا إليه مؤتمر الشعب الوطني، على تعيين الرئيس المستجد بعد أن قطع الخطوات الأساسية السابقة تمهيداً لهذا التنصيب.

وكان أولها، وربما أهمها هو اختيار السيد " شي جينبنغ " أميناً عاماً للحزب الحاكم ورئيساً للجنة (المفوضية) العسكرية المركزية، ومن ثم جاءت إجراءات الخميس الماضي، وكما يلاحظ "كريس بكلى" أيضاً بمثابة استكمال لسيطرة الرئيس الجديد على المقاليد المحورية الثلاثة في إدارة الشأن العام في ربوع "الصين" وهـــــي:

(1) الحــــزب

(2) الجيش

(3) الدولة

وهنا يضيف المحلل الأميركي موضحاً أن هذه المواقع الثلاثية من شأنها أن تتيح للرجل إمكانية ممارسة السلطة على مدار السنوات العشر المقبلة.