" حان وقت العمل " هكذا كتبت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية فى واحد من أعدادها الصادرة مؤخراً.. وكأنما تخاطب الإدارة الأميركية المستجدة فى البيت الرئاسى الأبيض.
وبديهى أن كان الخطاب موجهاً بالدرجة الأولى إلى الرئيس "باراك أوباما" الذى يستعد فى هذه الأيام لمباشرة مسؤوليات ولايته الثانية والأخيرة.
وعلى عكس الكثير من المراقبين- فثمة شواهد تفيد بأن "أوباما" لن يكتفي فى هذه المرحلة بمجرد الاقتصار على الاهتمام بأمر "التركة" الرئاسية التى ستحمل اسمه فى سجل الرؤساء الأميركيين ولن يجعل همه الأول هو التركيز على تأسيس مكتبة "أوباما" التذكارية على نحو ما يقضي به العرف المتبع فى بلاده.
والحاصل حقاً أن "أوباما" انطلاقا من خطابْيه المهّمين: وهما خطاب "الافتتاح" فى يناير الماضي وخطاب "حالة الاتحاد فى صدر فبراير الحالي أفصح عن قدر ملحوظ من همة النشاط المقدر أن يستوعب قضايا الداخل والخارج على السواء.
إدارة جديدة
ربما تتغير النِسب أو مقادير الاهتمام بهذه القضية أو تلك.. وربما تتبدل أساليب الاقتراب ورؤى الإطلالة على المشاكل والقضايا وهذا أمر طبيعى وخاصة فى ضوء التغييرات المفهومة التى يبدل فيها رئيس الولاية الثانية- الأخيرة فريق العمل الذى يضم كبار معاونيه وصفوة مستشاريه، وفى مقدمتهم بالطبع وزير الخارجية الذى يعد فى أعراف البروتوكول الأميركى فى موقع الوزير الأول ويكاد يعامل بوصفه كبيراً للوزراء.
ومثلما فعل "بيل كلينتون" حين اختار "مادلين أولبرايت" وزيرة للخارجية فى الولاية الثانية، ومثلما فعل بوش- الابن حين إستغنى عن الجنرال الملون "كولن باول" ليعين "كونداليزا رايس" فى الوزارة المذكورة جاء قرار "أوباما" ليقضى بتعيين كما هو معروف- السيناتور "ون كيرى" .
وهو مرشح رئاسى سابق عن الحزب الديمقراطى وزيراً للخارجية مع الاعتراف بالكفاءة التى أبدتها الوزيرة السابقة "هيلارى كلينتون" إبّان شغلها الموقع المحورى المذكور- وهو ما كان يرجع فى تصورنا إلى كونها سيدة أولى سابقة فى المقر الرئاسي، وزوجة لرئيس أسبق مازال ينعم بوهج النجومية فى دوائر المجتمع الأميركى فضلاً عن مواهبها الشخصية التى اكتسبتها وصقلتها من خلال مهنة القانون تعليماً وممارسة.
قالت الإيكونوميست
في هذا السياق.. تحرض "الإيكونوميست" على أن تقول أن اسلوب التردد، التحوط أو عدم الحسم الذي ظل "أوباما" ينتهجه خلال رباعية الولاية الأولى كان أمراً مفهوماً أو ربما يكون كذلك، لكن الولاية الثانية المستجدة هي الأخيرة بطبيعة الحال، وبمعنى أن شاغلها مفروض فيه أن يكون أمضى عزيمة .
وأشد تصميماً على مواجهة المشكلات سواء في بلاده أو على مستوى العالم الذي مابرحت أميركا تمسك بالكثير من مقاليد أموره، لا بوصفها "إمبراطورية" بالطبع ولكن بوصفها أمة تملك الكثير من إمكانات وثمار "القوى الناعمة" التي مازالت تترجم نفسها على شكل إبداعات وإنجازات ومخترعات قد تبدأ بثورة المعلومات والاتصالات التي فجرها موهوبون من طراز "بيل جيتس" وقد لا تنتهي عند حفل تكريم الإبداع السينمائى في أوسكار هوليوود.
من هنا فثمة توقعات أقرب إلى الرهانات المعقودة في بورصات السياسة الدولية والإقليمية على ما سيقدم عليه "أوباما"- الرئاسة الثانية من خطوات.
صحيح أن ليس هناك مَن يتوقع مِن الرجل أن يتوجه إلى مصر العربية ويقف خطيباً في قاعة "جمال عبد الناصر" بجامعة القاهرة (بّدل أنور السادات اسمها ليصبح قاعة الاحتفالات)، ومن ثم يلقي "أوباما" "خطاب القاهرة" الشهير الذي تسامع به العالم على مدى سنوات أربع منقضية.
وقد راوده أمل كان أقرب إلى سراب يخايل الظامئين في فيافي الصحراء، وجاء الأمل - السراب أيامها من واقع التصوّر بأن الرئيس الأميركى الشاب الذي جاء إلى السلطة الأولى في بلاده على صهوة شعار أثير إلى قلوب الشباب بالذات وهو "نعــم.. نحن نستطيع"- سوف يلقي بكل ثقل المكان والمكانة من أجل إيجاد حل عادل لقضية فلسطين ولتعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط.
وبديهى أن أدت قوى كثيرة وضغوط عديدة وتحالفات أكثر شراسة، ومصالح أغنى وأشد ضراوة إلى تبديد هذه الآمال.
حل الدولتين
وفي هذا السياق أيضاً يذهب المحللون المطلعون- الإنجليز بالذات- إلى تصورات يمكن تلخيصها بإيجاز شديد على النحو التالى:
.. عندما تولى الرئيس "أوباما" مقاليد منصبه كان يحدوه أمل النجاح في تمهيد الأرضية التي يمكن أن تنهض على صعيدها صيغة الدولتين- الإسرائيلية والفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية حلاً لأخطر المعضلات التي تنطوي عليها متاهة السياسة والأوضاع القائمة في منطقة الشرق الأوسط وهي تحمل اسم "النزاع، هل نقول الصراع، الفلسطيني الإسرائيلي"
بعض مراقبي الشأن الشرق- أوسطي كان يضيف تصوراً يقضي بأن "أوباما" كان يستهدف في هذا المضمار استثمار البعد الإسلامي لإعانته على مقاربة معضلة هذا النزاع الذي طال عليه الأمد كما هو معروف لما يقارب 65 عاماً أو نحوها.
في نفس السياق هناك مصادر كما في إدارة أوباما السابقة، وعلى نحو ما تفيد بعض الأدبيات السياسية الموثوقة - كانت تلّح على الرئيس "أوباما" أن يمضي في طريق حل الدولتين لا يلوي كما يقولون على شيء ولا يتوقف متردداً عند آراء أو أهواء الساسة بل يفرض هذا الحل الذى كانوا يتصورون أنه سيلقى قبولاً، وربما تأييداً من جانب أوسع القواعد الشعبية في الشرق الأوسط باعتباره منطوياً على قدر من الإنصاف للشعب العربي الفلسطيني على أقل تقدير.
يقال أيضاً في هذا الصدد أن السيدة "هيلارى كلينتون" ومن موقعها السابق في وزارة الخارجية ظلت تمارس نوعاً من الضغط على رئيسها طيلة السنتين الماضيتين لكي يسلك هذا الطريق حتى ولو بدرت بشأنه تحفظات من هذا المسؤول أو ذاك على جانبي المشكلة.
زيارة 20 مارس
ولأن السياسة هي فن الممكن كما هو معروف، ولأن الواقعية السياسية (ريــال بوليتيك) هي فن استخدام المتاح للتوصل إلى نتائج قد لا تكون متاحة في اللحظة الراهنة، فإن محللي السياسة لم يعد أمامهم سوى الانطلاق في حساباتهم وتنبؤاتهم من الحقائق الراهنة الماثلة على أرض الواقع بكل خشونته أو مرارته.
وربما تكون أول خطوات هذه السياحة السياسية الفكرية هي زيارة "أوباما" المرتقبة إلى الشرق الأوسط في العشرين من مارس المقبل.
مصالح إسرائيل أولاً
نبادر هنا من منطق الاحتراز المنهجي لنضيف أن هذه العودة إلى التفاوض لا تصدر في تصورنا عن رؤية عادلة، منصفة أو حتى موضوعية للحقوق أو المصالح الفلسطينية، بقدر ما أنها تنطلق في تصورنا أيضاً- عن رؤية لما استجد على صورة إسرائيل مؤخراً من سلبيات تجلت في واقع التصويت الذي شهدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والستين المنتهية مع ختام العام الماضي.
وأيدت فيه الأغلبية الكاسحة من عضوية المنظومة الدولية تمتع فلسطين بصفة "الدولة" غير العضو في الأمم المتحدة، وإذا كان مفهوماً أن تحظى فلسطين بتأييد قوى العالم الثالث (دول نامية دول عدم الانحياز مجموعة ألْـــ 77.. فضلاً عن قوى كبيرة في آسيا) فإن الدولة الأوروبية الوحيدة التى أيدت إسرائيل في معارضة قرار الجمعية العامة كانت جمهورية التشيك خارجة بذلك عن موقف الإتحاد الأوروبي.
3 أسباب جوهرية
من جانب آخر هناك من يذهب إلى أن زيارة "أوباما" المرتقبة مع الأسبوع الثالث من مارس قد لا تحقق نتائج مفصلية وحاسمة كما هو مأمول.
وهم يسوقون في هذا التصور أسباباً جوهرية ثلاثة نعرضها كما يلي:
.. أولاً: أن أميركا في الفترة المقبلة جديرة بأن تحول دفة اهتمامها نحو الصين بدلاً من الشرق الأوسط باعتبار أن بيجين هي الدائن الأكبر للخزانة القومية الأميركية وهي المرشح الأوفى حظاً لقيادة منطقة المحيط الهادئ التي تشكل المجال الإقليمي الذي تشارك فيه، بحكم الجغرافيا، الولايات المتحدة المطلة في غربها كما هو معروف على هذا المحيط الباسيفيكي، ثم إن الصين أصبح لديها قيادة جديدة، بقدر ما أصبح يحدوها.
وربما يستبد بها طموحات قد لا تحدها حدود وهو ما يجعل كفة الاهتمام الأميركاني بها وبخططها المرتقبة ترجح الاهتمام بأي منطقة أخرى- ناهيك أن تكون منطقة الشرق الأوسط التى مابرحت تفور بتيارات عاتية أقرب إلى حمم البراكين.
.. ثانياً: أن عقابيل الأزمة المالية التى زاد عمرها الآن على 4 سنوات مازالت تنشب مخالبها فى بنية الاقتصاد الأميركى وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى العمل على تقليص بنود الإنفاق المرصودة من أجل النشاط الحربي ومن ثم تحجيم الوجود العسكري لأميركا في مناطق شتى في الشرق الأوسط وربما في أصقاع من القارة الآسيوية.
.. ثالثاً: أن ثمة جهوداً لا تخفى على عين وفكر الراصد المحقق تبذلها دوائر شتى في أميركا للدعوة إلى استكشاف واستغلال مصادر جديدة للطاقة النفطية في ربوع ودواخل القارة الأميركية الشمالية ذاتها حتى ولو كان في ذلك أخطار أو شبه أخطار بيئية، ومنها بالذات دعوات التنقيب في مناطق ولاية "ألاسكا" القطبية وماقد ينجم عنها-.
كما يحذر أهل العلم وأنصار البيئة- من عواقب تفضى إلى إنصهار الجبال الجليدية في شمال العالم وإرتفاع منسوب سطح البحر وتعريض مناطق واطئة شتى في نصف الكرة الغربي وفي شرقها وجنوبها إلى كوارث الغرق أو الإندثار. هنا تقف تحليلات - إسرائيلية هذه المرة - لتقول إن الغرض من هذه الدعوات الأميركية للتوسع في استكشاف وإنتاج البترول من مصادر وطنية أو محلية إنما يقصد بها، في رأي صحيفة "يديعوت أحرونوت" المزيد من استقلالية أميركا بترولياً وهو مرادف للمزيد من التحرر من الاعتماد على البترول من مصادره في العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام.
مع هذا كله فالساحة مفتوحة والظروف قد تكون مهيأة لكى تؤتي زيارة "أوباما" المرتقبة ثماراً مواتية لصالح القضية الفلسطينية.
لكن هذا كله لن يتأتى في رأينا- إلا إذا ما تحقق أمران أساسيان:
أوباما.. ما بين زيارتين وولايتين
فى 20 مارس القادم يخطط الرئيس الأميركى "باراك أوباما" لزيارة منطقة الشرق الأوسط. ولا يملك المراقبون السياسيون سوى مقارنة زيارة "أوباما" المرتقبة هذا العام وبين زيارته السابقة التى قام بها فى مستهل ولايته الرئاسية الأولى إلى جمهورية مصر العربية حيث ألقى خطابه الذى اشتهر باسم "خطاب القاهرة" فى جامعتها وحيث أثار آمالاً عريضة بإمكانية التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية وسبل التقارب الإيجابى بين أميركا والغرب وبين عالم الإسلام والمسلمين.
زيارة أوباما القادمة للشرق الأوسط لا يمكن اعتبارها زيارة عادية أو صورة مكررة من زيارته السابقة في بداية ولايته الأولى، وأوباما اليوم في ولايته الثانية يختلف كثيرا عنه في ولايته الأولى.
حيث إنه الآن أكثر حرية وتحررا من الضغوط التي كانت تحيطه في ولايته الأولى، ذلك لأنه الآن ليس لديه طموحات في ولاية ثالثة، ولا شيء يمنعه من أن يفعل ما يريده وما يطمح إليه، وليس للوبيات الضغط المتعددة داخل الولايات المتحدة تأثيرا قويا على الرئيس أوباما الآن، لقد أتى أوباما للشرق الأوسط في مستهل ولايته الأولى وأمامه هدف واحد لا أكثر.
وهو " تحسين سمعة بلاده "، ويمكن القول إنه نجح بعض الشيء في تحقيق هذا الهدف، رغم أن شيئا على أرض الواقع لم يتغير، فالحروب مستمرة وقتل المدنيين فيها مستمر، وإسرائيل لن تتغير ولم تتراجع عن سياساتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، بل تمادت فيها لتطبقها على أراضي داخل الضفة الغربية، والتهديدات كما هي لإيران ولغيرها.
وتدخلات واشنطن في سياسات البلدان العربية مستمرة، ومواقف واشنطن من أحداث الربيع العربي وثورات الشعوب عليها علامات استفهام كثيرة، وتأييدها للتيارات الإسلامية يثير جدلا وشكوكا كثيرة، هذا إلى جانب أن الأوضاع داخل الولايات المتحدة لم تشهد تحسنا يذكر، وأساليب الترهيب والترويع مستمرة والسجون غير القانونية مازالت مفتوحة، سواء في غوانتانامو أو حتى داخل الأراضي الأميركية، والقوانين التي تحد من حريات الأفراد مستمرة.
التغير الوحيد على أرض الواقع هو وضع وظروف الرئيس أوباما نفسه، والذي قلنا إنه أفضل بكثير منه في فترة ولايته الأولى، ولهذا فإننا نتوقع أن يختلف حديثه في الشرق الأوسط في زيارته القادمة إلى حد كبير عن زيارته الماضية، والحقيقة أنه آمال أكثر منه توقعات، خاصة وأن الخطاب الاتحادي الأول الذي ألقاه أوباما في واشنطن منذ أيام لم يلب طموحات منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ولم يخض في أية قضية من القضايا المشتعلة في الشرق الأوسط.
ومن المحللين السياسيين من لا يكاد يعوّل أهمية على زيارة الرئيس "أوباما" القادمة باعتبار أن "أوباما" يركز حالياً على الموقع المقرر أن يشغله فى السجل التاريخى للرئاسات الأميركية، وإن كان هناك من المهتمين بالسياسة الدولية من يرى أن زيارة "أوباما" جديرة بأن تكتسب أبعاداً لها أهميتها خاصة وأنها ليست مجرد زيارة خاطفة من باب المجاملة أو لدواعى البروتوكول فالمفروض حسب ما تم إعلانه أن الرئيس الأميركى سيزور كلاً من إسرائيل والأراضى الفلسطينية المحتلة والأردن وكلها أطراف أساسية فاعلة فى النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة.
وأن أطرافاً مستجدة على الساحة السياسية فى إسرائيل نفسها فازت فى الانتخابات الأخيرة وأدت إلى تحجيم نفوذ ائتلاف الليكود بقيادة "نتانياهو"، وباتت تطالب باستئناف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، هذا فضلاً عن رغبة واشنطن فى تحسين صورتها بالشرق الأوسط تمهيداً لخفض نفقات وجودها العسكرى فى المنطقة.
