مجلة "ذي نيويوركر" الأميركية نشرت الشهر الماضي تقريراً بقلم واحد من أنشط كتابها وهو "دد رمنك" الذي عمد إلى تصدير تقريره المذكور بعبارة لا تخفى دلالتها وتقول بغير مواربة ما يلي:

- إن المستوطنين (الصهاينة) يتحركون (أو يتحولون) إلى حيث يضمون الضفة الغربية لنهر الأردن.. ومعها يضمون السياسة الإسرائيلية على حد سواء.

والمعنى أيضاً أن هذا التحرك لن يقتصر على ضم الضفة أو احتلالها بأسلوب الاستيطان، ومن ثم تحويل مقدرات إسرائيل وسياستها إلى يد المستوطنين. وفيما رسمت التوجهات السياسية "خطاً أخضر" تحاول بواسطته إيجاد حاجز من الفصل بين الكيان الفلسطيني المشروع والكيان الصهيوني غير المشروع..

فها هو التقرير الأميركي المنشور ينقل لقارئيه عن دوائر الاستيطان قولها على لسان واحد من قادة المستوطنين: إن الخط الأخضر حاجز وهمي بغير معنى. ومن يتصور خلاف ذلك هو امرؤ ساذج لا يكاد يعي حقيقة الأمور.

تحديث الاستيطان

الدراسة الأميركية التي نشير إليها في هذه السطور ترى في شخصية هذا المخلوق وفي مهنته وسلوكياته وأفكاره نمطاً مستجداً على حركة الاستيطان.. وهو نمط نتصور من جانبنا أنه من الخطورة بمكان، لمـــاذا؟

لأنه لا يعكس الستريوتايب الصورة المقولبة والمتكررة عن المستوطن الاستعماري الصهيوني.. بسحنته الكئيبة ولحيته التي تستطيل عدة أشبار وعيونه التي تلمع بشرر الطمع والجشع وأرديته التقليدية المتوارثة في سوادها ونمطيتها إلى حد يكاد يعود إلى عصر وشخصية "شايلوك".. تاجر البندقية الشهير في مسرحية "ويليام شكسبير".

العكس هو الصحيح.. إن "نفتالي بينيت" مستوطن صهيوني يرتدي ملابسه على آخر موضة يطل على دنيا المستعمرات المغتصبة بوجه حليق وسحنة أقرب إلى المهندس أو المحاسب أو الطبيب ويبلغ من العمر أربعين عاماً ويعمل في مهنة برامجيات الحاسوب الإلكتروني ومن ثم فهو يتبادل أفكاره مع الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو لا يقيم حتى داخل إحدى تلك المستعمرات المغتصبة من ممتلكات العرب الفلسطينيين..

ولكن يقيم في بلدة صغيرة اسمها "رعنانا" شمالي تل أبيب ومن ثم فلا يزال يعكس صورة المواطن الوافد وحديثاً من أعالى مدينة نيويورك وهو حي الصفوة، كما هو معروف في الحاضرة الأميركية الكبيرة..

الاستيطان بديل للسلام

ولكن رغم هذا الإطار الذي لا يكاد يثير الاستغراب، فقد بدأ "نفتالي" إياه خطوات مستقبله السياسي في إسرائيل برؤية طرحها على الوجه التالي:

يحكي الكاتب الأميركي أيضاً عن تطلع "نفتالي" إلى أن يصبح يوماً رئيساً لوزراء إسرائيل.. صحيح أنه قادم من أعالي نيويورك - لكن الصحيح أيضاً أن "بنيامين نتانياهو" نفسه له أصوله في ضاحية بروكلين التي تمثل واحداً من حصون اليهود في المدينة الأميركية.

وصحيح أيضاً أن "بيبي" وعد بأنه لن يقرر يوماً تفكيك المستوطنات، لكن نفتالي يزايد عليه بدعوة يرفع فيها شعار "إحياء الصهيونية" وإعادة نشر أفكارها وتأكيد الطروحات التي تدعو إليها وهو ما يؤكد عليه الحزب الذي بادر صاحبنا إلى إنشائه ليحمل حتى في عنوانه العبري معنى الاستيطان وهو: هابيت هيهودي (البيت اليهودي) الذي أصبح ينافس حزب العمل التقليدي من حيث الأهمية في مضمار السياسة العامة على مستوى المشروع الإمبريالي في إسرائيل.

ولقد نتصور أيضاً أن هذا المنحنى من التشدد والتطرف اليميني في طرح شعارات الاستيطان إنما يستمد جذوره أيضاً من واقع التجربة الشخصية التي خاضها "نفتالي" إذ كان منخرطاً في سلك العسكرية الإسرائيلية خلال مواجهتها مقاتلي المقاومة الوطنية اللبنانية في مناطق الجنوب من لبنان في حرب 2006.

هزيمة في لبنان

وعن هذه المرحلة التي يسمونها في الأدبيات الإسرائيلية بحرب لبنان الثانية في إشارة إلى ما سبق واقترفه "أرييل شارون" إياه من اجتياح لبنان في عام 1982 فإن "نفتالي" لا يملك سوى أن يعترف، حسب ما يؤكده الكاتب الأميركي بأن الجيش الإسرائيلي مُنى بالهزيمة في الحرب الثانية التي دارت كما هو معروف في أصقاع الجنوب من القطر العربي المذكور.

وهو يعزو الأسباب إلى ما يصفه بأنه الارتباك والتردد في هيكل القيادة العسكرية الصهيونية ثم يُرجع هذا كله إلى افتقار السياسيين الإسرائيليين خلال تلك الملابسات إلى العزم والتصميم أو على نحو ما يعبر عنه هذا القيادي الصهيوني المستوطن بأن ساسة إسرائيل في عام 2006 كانت تعوزهم إرادة الانتصار، وهو ما يشكل أيضاً من منظورنا العربي تزييفاً متعمداً لواقع الحال خلال تلك المواجهة التي احتدمت وقتها واستطاعت فيها المقاومة الوطنية اللبنانية صد العدوان الصهيوني بل وتكبيد المعتدي الغاشم خسائر فادحة بكل المقاييس.

والحاصل أن عاد "نفتالي" من ساحة العدوان في لبنان لكي يدخل ساحة السياسة في إسرائيل.. ويصبح في مرحلة متقدمة مديراً لمكتب بنيامين نتانياهو حين كان زعيماً لكتلة الليكود المعارضة خلال الفترة 2006- 2008.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مدان سياسياً بالتطرف إزاء تعامله مع قضية الصراع العربي- الإسرائيلي وخاصة ما يتعلق بتعامله مع الحق الفلسطيني المشروع في الأرض والدولة فإن نسبية التحليل السياسي تؤدي يا للغرابة - إلى تخفيف هذا التطرف بعد أن دخلت إلى ساحة هذا الصراع تلك العناصر السوبر متطرفة التي أصبح نفتالي وعصابات الاستيطان العنصري الصهيوني تجسيداً لها.. وهو تجسيد شرير في كل حال.

تلاميذ الإرهاب

مع هذا كله.. تكاد الدراسة الأميركية المنشورة في "ذي نيويوركر" تمحو الخطوط الواضحة والفاصلة بين كل من النهجين. وإذا كان نهج الاستيطان العنصري المغتصِب لأرض فلسطين المحتلة والمتَطلع في جشع بالغ الخبث إلى أراضي الضفة بل والقطاع- يصدر عن أيديولوية يحاولون صبغها أو ستر شرورها بمقولات ترفع شعارات توراتية وتسوق وعوداً منحوتة من صخور حقب عتيقة فات عليها الأمد في سجل التاريخ..

فإن المحلل السياسي لا ينبغي أن ينسى أن "بيبي" الذي يستعد حالياً لمعاودة القيادة في إسرائيل لا يقل تعصباً ولا جنوحاً إلى سلوك الإرهاب فكرياً وعقائدياً ومسلكياً على السواء.. وها هي الدراسة الأميركية تعزو جذور تكوينه إلى أخطر إرهابي في تاريخ الصراع الفلسطيني - الصهيوني .

وهو "زئيف جابوتنسكي" الذي كان منافساً "لبن غوريون" فيما كان معلماً ورائداً بالغ الشر للإرهابي "بيغين" الذي طالما تولى مواقع قيادية في أخطر وأنكى المنظمات الإرهابية خلال أربعينات القرن العشرين.. ورغم أن بيغين تولى رئاسة الوزارة خلال سبعينات القرن وتعامل للأسف مع الرئيس المصري "أنور السادات".. فلم يتجاسر بيغين وهو رئيس وزراء على زيارة إنجلترا إذ كان مدرجاً لا يزال على قوائم الإرهابيين السفاحين المطلوب القبض عليهم بأوامر من التاج البريطاني.

والد نتانياهو

ويضيف التقرير الأميركي المنشور أن والد نتانياهو كان سكرتيراً لدى جابوتنسكي فيما يوضح كاتب هذا التقرير الذي أشرنا إليه وهو الصحافي الأميركي "ديفيد رمنك" أنه أجرى حديثاً صحافياً في منتصف التسعينات مع هذا الوالد واسمه "بنزايون" وكان ابنه رئيساً للوزراء للمرة الأولى، فإذا بالأب وقد استبدت به ثورة عارمة من انعدام الثقة في العرب وهو شعور لم يكن ليضاهيه كما يضيف "رمنك" سوى إصرار الأب على ضرورة أن يقاوم الابن "بيبي" أي ضغوط دولية للتخلي عن الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

لا عجب إذن، يقول "رمنك"، أن تتسع الشُقة بين الابن والأب رغم انتماء كل منهما - كما أسلفنا- إلى تيار جابوتنسكي الإرهابي وخاصة عندما ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي خطابه في جامعة "بار إيلان" عام 2009 مع التطرق إلى حديث عن "دولة فلسطينية".. منزوعة السلاح".

ورغم أن نتانياهو لم يتخذ أي خطوة لها معناها في هذا المضمار إلا أن الأب.. ومعه عتاة المتطرفين من متشددي الليكود - رفضوا مقولاته بشدة واتهموه أنه ما فعلها سوى في محاولة لإرضاء "باراك أوباما" الذي كان يتلمس خطاه في مستهل ولايته الرئاسية الأولى في خضم المحيط المتلاطم للسياسة الدولية.

ثقة المتطرفين

وبمناسبة أوباما.. فثمة اعتقاد ترصده دراسة "ذي نيويوركر" في هذا الخصوص، حيث يلاحظ كاتب الدراسة فرط الثقة التي تصدر عنها هذه الشرذمة المستجدة على سياسة إسرائيل والمتمثلة في غلاة التطرف من زعامات الاستيطان الصهيوني العنصري وعلى رأسهم "نفتالي". وهم يستمدون هذه الثقة من استمرار واستمراء الاحتلال واستفحال مد الاستيطان من واقع ما يتصورونه من أن أي رئيس أميركي.

وخاصة في إطار ولايته الثانية والأخيرة لن يغامر بما يمتلكه من رصيد سياسي في بلاده خشية تبديد هذا الرصيد في ساحة قضية بالغة التعقيد مثل القضية الفلسطينية بكل أبعادها العربية والشرق أوسطية والمتوسطية والإسلامية والدولية.

من هنا يختتم الكاتب الأميركي موضوعه المنشور قائلاً:

- قلما شهدْتُ سياسياً مستجداً على الساحة مفعماً مثل نفتالي بالثقة.. كيف لا وهو يرى نفسه صاعداً كل يوم في استطلاعات الرأي العام.. ويتم ذلك على حساب بنيامين نتانياهو شخصياً.

المستوطنون ورقة إسرائيل السوداء

 دراسة بقلم صحافي أميركي تنشرها واحدة من أهم المجلات الأسبوعية الصادرة في الولايات المتحدة. وأهمية الدراسة ترجع إلى المعلومات المستقاة من الميدان في داخل كواليس السياسة الإسرائيلية الراهنة فضلاً عن التحليلات والتوقعات التي حرص كاتبها على تسجيلها بما قد يفيد المحلل السياسي العربي وخاصة ما يتعلق بأبعاد وتطورات أخطر ظاهرة ما برحت تواجه مآلات الصراع العربي - الصهيوني على الأرض الفلسطينية المحتلة.

وهى ظاهرة الاستيطان الاستعماري العنصري، حيث يرتفع صوت وتأثير قيادات هذا المد الاستيطاني الذي ما برح في حال من التوسع والاستشراء إلى حيث إعلان الأطماع في التمدد إلى أراضي الضفة الغربية، وهو ما يرادف منطقياً، وحسب ما تنقله الدراسة الأميركية المنشورة - رفض أي خطط للسلام مع الطرف العربي، فضلاً عن رفض القبول بأي آفاق محتملة بشأن إقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها في القدس الشريف.

وتركز الدراسة على شخصية "نفتالي بينيت" داعية الاستيطان الصهيوني الشاب الذي ذاع اسمه واتسع صيته أخيراً من منظور أفدح أنماط التطرف العنصري وخاصة بعد أن حقق الحزب الجديد الذي يتصدر قيادته نتائج ملفتة ومنذرة أيضاً بالخطر في الانتخابات الأخيرة في إسرائيل.

صحيح أن "بيبي" أصبح مكلفاً بتشكيل الحكومة الجديدة. إلا أن حكومته كفيلة بأن تواجه العديد من المشكلات المتوقع لها أن تشعل أمامها كل المواقف ومن سائر الاتجاهات.

"بيبي" هو بداهة الاسم الدارج الذي يعرفون به رئيس وزراء إسرائيل "بنيامين نتانياهو" الذي خاض أخيراً معارك التنافس الحزبي - السياسي على رئاسة الحكومة المقدر لها أن تمسك مجدداً بدفة مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في الأرض العربية المحتلة في فلسطين.

ورغم أن انتصاره الحزبي في الانتخابات الأخيرة جاء خافتاً بمعنى أنه جاء أقرب إلى ثلث وربما ربع انتصار بغير حسم الأغلبية التي يتطلع إليها كل سياسي، وهو ما يدفعه إلى بذل محاولة أقرب في تصور المراقبين إلى "اللملمة" السياسية ما بين إشراك حزب هنا أو ائتلاف هناك في تشكيلته الحاكمة المرتقبة - إلا أن التحدي الأكبر المقدر أن يواجه الوضع السياسي الراهن في إسرائيل سوف يتمثل، على نحو ما تفيد به مجريات ومآلات الأمور هناك، في عنصر بات جوهرياً في سياسة المشروع الصهيوني وهذا العنصر تدل عليه كلمة واحدة، هي: المستوطنون.

هذه الكلمة التي تدل على أسوأ معطيات المشروع الاستعماري في فلسطين، لأنها تصدق على عناصر ترى في سلوكها الاستيطاني مسألة حياة أو موت، وجود أو لا وجود، ولا تعترف بأي حقوق للآخر الذي يسكن بجوارها هذه الأرض وليس له ملجأ غيرها، ناهيك عن أنه صاحب الحق التاريخي فيها.

وهذا يعني أن هذه الفئة من المستوطنين تتبع بالضرورة وبحكم التعريف قاعدة أن وجود "الآخر" إنما يعني نفي وجودك "أنت"، حيث الآخر هو "الفلسطيني" الذي باتت تلك العناصر والدوائر الصهيونية - الاستيطانية حتى لا ننسى - تعتمد بالنسبة له نهجاً فكرياً أقرب إلى الأيديولوجية المتعصبة التي تصفها دراسة منشورة أخيراً في أميركا على النحو التالي:

"هؤلاء المستوطنون هم بالفعل الورقة السوداء على الساحة الإسرائيلية الآن، ولهم تأثير كبير في الحياة الحزبية وفي الانتخابات هناك، إنهم يصدرون عن يقين لا يهتز وهو أقرب إلى المحور العقائدي ويقضي بأن العرب الفلسطينيين، سواء أكانوا في غزة أو الضفة الغربية أو في القدس الشرقية جديرون في نهاية المطاف بأن يفقدوا الأمل في أن يقيموا دولة (فلسطينية) خاصة بهم (مجلة ذي نيويوركر، عدد 21 يناير 2013).