"وداعا أوروبا" .. هكذا كتبت مجلة "الإيكونومست" البريطانية في آخر عدد أصدرته مع ختام سنة 2012 المنقضية منذ أيام أو فلنقل أسابيع. وبديهي أن كان الملوّح بعبارة "جود باي" هو بريطانيا التي ما زالت تشاور عقلها كما يقولون بالنسبة لبقائها أو عدم بقائها عضوا في الاتحاد الأوروبي.
وربما كان في مثل هذه الدعوات، سواء من بريطانيا أو غيرها على نحو ما حدث مثلا من جانب أقطار تعاني شظفا اقتصاديا مثل اليونان أو البرتغال ما جعل كثيرا من مراقبي الشؤون العالمية يراجعون حساباتهم، فما بالنا بتصور أن هناك من الساسة الكبار الراحلين من تحركت بهم مضاجع الأبدية في ضوء مثل هذه الدعوات إلى خلع رداء الوحدة الأوروبية التي طالما حلم بها.
وعمل من أجلها رواد هذه الدعوات الوحدوية في غرب القارة بالذات من أمثال شارل ديجول في فرنسا أو كونراد أديناور في ألمانيا، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ومع اشتداد ظاهرة الحرب الباردة التي لازمت حالة الاستقطاب الدولي الحاد الذي قسّم عالم النصف الثاني من القرن الماضي إلى شرق شيوعي وغرب رأسمالي.
عقبات على الطريق
والحق أن المسيرة الاتحادية لغرب أوروبا كانت مليئة بالعقبات بقدر ما كانت حافلة بالعزمات التي أفضت إلى نتائج تستحق بكل تأكيد صفة النجاح والإنجاز. هي مسيرة بدأت من إعلان "شومان" وزير خارجية فرنسا في مطلع الخمسينات وجاء تتويجها بمعاهدة ماستريخت مع مطالع عقد التسعينات.
فأما الإعلان فكان دعوة إلى أن تعي أوروبا وقد انتهت حربها "الأهلية" بالانتصار على النازي الألماني والفاشي الإيطالي أن قوتها في وحدتها وأن مصالحها في إعادة بناء ما أفسده الصراع العسكري الذي دار على مدى ست سنوات (1939-1945) وتعمير ما دمرته فصول هذا الصراع وهو ما يتحقق ويتجسد إذا ما عملت أوروبا على توحيد إمكاناتها ومن ثم توحيد سياساتها كي لا تكون نهبا لسيطرة روسيا السوفيتية من الشرق أو لوصاية أميركا المتطلعة إلى دور الهيمنة من غرب الأطلسي.
مسيرة السنوات الأربعين حتى "ماستريخت" لم تكن سهلة ولكن كان من حسن طوالعها أن أدار حركتها قادة تاريخيون بحق كان على رأسهم كما ألمحنا كل من ديجول الذي اعتبروه رمزا لتحرير فرنسا وكونراد أديناور الذي اعتبروه رمزا لإعادة تعمير ألمانيا.
فرنسا وألمانيا
وربما ساعدت هذه الحقيقة في حد ذاتها على تمهيد السبيل أو توطيد الأساس المتين لبدء بناء الوحدة الأوروبية، كيف لا وقد كانت اللبنات الأولى من وضع الأيادي الفرنسية والألمانية وهما القوتان اللتان شهد تاريخ أوروبا باستمرار اندلاع النزاعات فيما بينها ومن ثم نشوء تركة من العداوات والثارات التي تجلت بالذات سواء في حروب نابليون بونابرت أو في صراع كل من باريس وبرلين بالنسبة للسيطرة على المناطق الحدودية في الألزاس واللورين.
بهذا شاء الطالع الحسن لفكرة الوحدة الأوروبية أن يتعاون الطرفان الألماني والفرنسي على طرح فكرة هذه الوحدة ودفع مسيرتها العملية إلى الأمام. ولقد كانت مسيرة عملية بكل تأكيد، بمعنى أن كانت مسيرة برغماتية حرص روادها منذ الخمسينات من القرن الماضي على أن لا تقوم على أساس شعارات براقة ولا خطب حماسية ولا مجرد استلهام رغبات أو طموحات الشعوب (وهذا درس مستفاد بحق وصراحة موضوعية بالنسبة لمسيرة الدعوات الوحدوية في العالم العربي).
إن دعوة الوحدة في أوروبا أقيمت على أساس شراكة المصالح .. العملية، البرغماتية الملموسة بالدرجة الأولى.
من الفحم إلى الوحدة
لهذا بدأت بفكرة اتحاد لإنتاج الفحم والحديد. ومع نجاح تفعيل الفكرة وخاصة مع تجسيدها بشكل مؤسسي على أرض الواقع الملموس، ارتقت المسيرة مع عقد الستينات حين توالت على أسماع العالم في تلك الفترة أفكار ومؤسسات حملت أسماء من قبيل السوق الأوروبية المشتركة .. الجماعة الأوروبية .. المفوضية الأوروبية .. الخ.
وكان طبيعيا أن تتوسع هذه المؤسسات وخاصة بعد تجسيدها الفعلي لكي تشمل فروعا ومرافق لها أهميتها الفائقة ومنها مثلا منذ السبعينات والثمانينات البرلمان الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية .. ثم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان .. الخ وصولا إلى "ماستريخت" وهي المعاهدة أو الصك المحوري الذي أصبح الاتحاد الأوروبي بمقتضاه حقيقة واقعة.
وفيما تصدرت المسيرة كما ألمحنا كيانات غرب أوروبية فاعلة مثل فرنسا وألمانيا فقد كان ثمة كيان مهم لم يبدر منه الحماس لكي يصبح عضوا في الاتحاد الجديد وهو بريطانيا.
والحاصل أن كان طبيعيا من ثم أن تبدي بريطانيا نوعا من التحفظ، إن لم يكن الترفع أو التدلّل أو عدم الاندفاع أو رفض الهرولة إزاء التفاعل مع تجربة الجماعة الأوروبية التي ظلت لندن متباعدة عنها على مدار سنوات نشوئها واشتداد عودها دون أن تنضم رسميا إلى عضوية هذه الجماعة سوى في عام 1973 (وربما كان من دوافع هذا الانضمام قضية النفط العربي التي تجلت في سياقها مكانة منتجي هذه السلعة الاستراتيجية في الوطن العربي وخاصة وسط أحداث ومآلات الحرب العربية الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول من العام المذكور).
قالت الإيكونومست
بيد أن ثمة تفسيرا آخر لهذا الانضمام هذا الغزل السياسي الذي بدأته بريطانيا في تلك الفترة إزاء "القارة" كما يسميها الإنجليز بحكم وجودهم في الوطن الجزيرة أو الجزر المنبثة أو المتناثرة في مياه الأطلسي.
هذا التفسير تورده دراسة إضافية نشرتها أيضا مجلة "الإيكونومست" (عدد 8 ديسمبر 2012) بشأن ما وصفته المجلة بأنه "ترتيبات الفراق" وألمحت فيها إلى أن دوافع انجلترا في التفاعل مع تجربة الوحدة الأوروبية أو في ربط عقدة النكاح (الزواج) مع أوروبا كما عبرت الإيكونومست في مفتتح دراستها، لم تكن تتمثل سوى في توقع المغانم المالية.
هكذا ظلت لندن ترقب في أناة مطولة، أو في برود إنجليزي صبور كما قد نقول، فيما كانت كل من ألمانيا وفرنسا ومعهما إيطاليا ولكسمبورغ تعمل جاهدة على وضع لبنات الأساس لصرح الكيان الذي حمل وما زال يحمل اسم الاتحاد الأوروبي، دون أن تسفر لندن عن مشاعرها إزاء هذا الكيان الذي اضطلعت بمسؤولياته دول "البنيلوكس" كما أسموها خلال عقد الستينات ..
ولكن عندما لاحت بوادر انتعاش ومكاسب على طريق مسيرة أوروبا الموحدة بادرت انجلترا إلى المشاركة في اللعبة وكان السبب الأساسي تضيف الإيكونومست أيضا هو أن أوروبا بدت وكأنها خزانة واعدة بالمال الوفير.
أما الآن فالأحوال تغيرت .. والنظرة إلى مواصلة المسيرة الاتحادية مع أوروبا كان لا بد وأن تتبدل من جانب بريطانيا. لماذا؟ لأنها نظرة لم تكن لتصدر عن وجدان وحدوي ولا عن مشاعر الشراكة القومية فاللغات في أوروبا متباينة والثقافات مختلفة .. والنظرة الإنجليزية التقليدية أو المتوارثة تنطلق كما يجمع الكثير من المحللين السياسيين من واقع حساب التكاليف .. وهو حساب الربح والخسارة بالدرجة الأولى.
مرة أخرى تضيف دراسة "الإيكونومست" قائلة:
- لم تعد أوروبا هي النادي الاقتصادي الذي ينعم بميزة الوفرة أو الثراء بعد أن اندلعت أزمة عملتها الموحدة (اليورو) فضلا عن الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي باتت تأخذ بتلابيب عدد من أعضاء الاتحاد الأوروبي سواء في أجزائه الجنوبية المتوسطية بالذات أو في أصقاعه المستجدة شرقي أوروبا وقد كانت كما هو معروف ساحات لتطبيق الاقتصاد الاشتراكي على مدار عقود كثيرة من القرن العشرين.
الدعوة إلى الفراق
في ضوء هذه التطورات اشتد ساعد القوى التي ما زالت تدعو إلى فراق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وانعكست قوة هذه الدعاوى من واقع استطلاعات الرأي العام التي أذيعت نتائجها مؤخرا فكان أن أسفرت عن أن أغلبية كبيرة للغاية من سكان بريطانيا على اختلاف مواقعهم الطبقية ومشاربهم الثقافية باتوا يحبذون ترك الاتحاد الأوروبي. واللافت للنظر تحديدا هو استطلاع الرأي الذي تم على مستوى القيادات والقواعد في حزب المحافظين الذي يشارك حاليا وبنصيب بالغ الأهمية في إدارة مقاليد الأمور في بريطانيا.
* لماذا حزب المحافظين بالذات؟
* لأنه الحزب الذي قاد بريطانيا إلى الانضمام إلى مسيرة أوروبا الاتحادية، منذ أربعة عقود مضت من عمر الزمان الراهن.
ولأن الحزب المذكور أصبح منقسما في الرأي بين معسكرين يدعو أولهما إلى التواصل مع الاتحاد الأوروبي ولو من بعيد لبعيد كما يقولون، فيما يدعو المعسكر الآخر إلى الخروج النهائي، البائن كما قد نصفه، من إطار الاتحاد الأوروبي إلى حين يعود الوضع التقليدي الذي عرفته خرائط العالم الجيوسياسية وهو وضع ينظر إلى الشمال من عالمنا فإذا به أمام "القارة" .
وهي أوروبا بكل أصقاعها فيما تقبع الجزر الناطقة بالإنجليزية عند شمالها الغربي رافعة علم "جون بول" التقليدي وحاملة اسما تكاد تتردد في ألفاظه وحروفه أصداء ماض إمبريالي باذخ وعتيق والاسم هو على وجه التحديد:
** المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية
هذا هو الاسم المعتمد رسميا في قائمة الأقطار أعضاء الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة وهو يكاد يقف شاهدا على ثنائية الوضع الذي يشير إلى "الجزيرة" (بريطانيا) في مواجهة "القارة" (أوروبا).
هواجس أوروبية
القارة من جانبها بدأ يراودها شعور مستجد يجمع بين هواجس الشك في الفراق وبين مشاعر السخط أو الحنق السياسي إزاء سلوك بريطانيا خاصة وأن الفرقاء الأوروبيين يؤكدون أن مسيرة اتحادهم ظلت على مدار العقدين الأخيرين بالذات تتبع النهج الأنغلو سكسوني المرتبط طبعا ببريطانيا في مضمار حرية التبادل التجاري.
هذا إلى جانب تصورهم بأن لندن تعمد حاليا إلى التلويح بحكاية المفارقة أو الانفصال عن الاتحاد وكأنها ورقة مساومة تهدف بواسطتها إلى تحقيق مكاسب قطرية .. بريطانية بالطبع وعلى حساب سائر أطراف القارة فضلا عن أن يتم هذا التلويح أو تمارَس هذه الضغوط وقت أزمة اليورو الناشبة في الفترة الراهنة وكأن بريطانيا في تصوّر هذه الأطراف من الاتحاد الأوروبي تبغي تحقيق مكانة مرموقة تنفرد بها في عضوية نادي الاتحاد بحيث تستمتع كما تنعم الإيكونومست كذلك بمكاسب ومزايا التجارة الحرة دون أن تلتزم بالقواعد والمعايير المطلوبة في هذا الصدد.
ثم يتحدثون عن الأسلوب الذي يمكن أن يفضي إلى حسم هذا الانقسام في آراء البريطانيين ما بين البقاء أو الخروج..
هنالك بدأت الأحاديث في دوائر رسم السياسات وصنع القرارات في بريطانيا عن تنظيم استفتاء تتولى فيه جموع الناخبين الإنجليز حسم هذه القضية وإن كان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون يفضل على نحو ما ألمحت الدوائر المقربة إليه أن لا يضع مثل هذه القضية على صراط الحسم الدستوري الذي لا سبيل للتراجع عنه إذا ما تغيرت الظروف. السيد كاميرون يلمح إلى إمكانية أن يوضع مواطنوه البريتون كما تسميهم المصادر الأوروبية أمام صيغة أكثر مرونة بحيث يختارون بين إبقاء الوضع كما هو عليه (ستاتيكو كما يقول المصطلح السياسي) أو بين علاقة أكثر تباعدا ولكنها علاقة قائمة في كل حال.
هيرالد تريبيون
والحق أن الاتحاد الأوروبي تجربة مرموقة حازت الاهتمام والإعجاب وربما الغيرة السياسية من جانب أوساط شتى في عالمنا.
ولكن ها هي التجربة وقد واجهتها مثل كل شأن إنساني مشاكل وصعوبات .. ربما بدأت بأزمة العملة النقدية .. ولكن قد تصادفها مشاكل سياسية أخرى ما بين مشكلة الانضمام (في حالة تركيا) أو مشكلة الانفصام (في حالة انجلترا) وبهذه التركة دخل الاتحاد الأوروبي عامنا الوليد. ودخلت معه بورصة المراهنات السياسية التي ما برحت تترجح بين صعود وهبوط.
ومن الطريف أن تلخص جريدة "الهيرالد تربيون" هذا الموقف في تحليل نشرته بتاريخ 17/1/2013 وقالت فيه:
- إن رئيس الوزراء البريطاني يكاد يسير فوق حبال مشدودة: أصدقاؤه في أميركا يريدون له أن يبقى ضمن الاتحاد الأوروبي. مؤيدوه في بريطانيا ليسو متأكدين من جدوى هذا البقاء وحلفاؤه في برلين بدأ صبرهم في النفاد.
تاتشر وريغان
شخصية سياسية محورية، أو كانت محورية في الشأن البريطاني العام هي السيدة "مارغريت تاتشر" رئيسة وزراء بريطانيا السابقة أصدرت في عام 1988 تصريحا قالت فيه: " إن بريطانيا لا تحلم بوجود تأنس فيه إلى العزلة والدعة عند حواف الجماعة الأوروبيين". في تلك الفترة وكانت اتجاهات اليمين السياسي التي تجسدها السيدة تاتشر في زعامة حزب المحافظين هي المهيمنة على مقاليد الحياة السياسية في بريطانيا.
وكانت تلقى الدعم على مدار عقد الثمانينات من جانب الرئيس الأميركي رونالد ريغان، الذي كان يشكل بدوره رمزا مرموقا لليمين الأميركي مجسَّدا كما هو معروف في الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة.
الوحدة الأوروبية والصداع الإنجليزي
على امتداد السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وخاصة عند مفتتح عقد الخمسينات من القرن العشرين ظل العالم يتابع باهتمام لا يخلو أحيانا من الإعجاب، مسيرة أوروبا الغربية نحو تحقيق مشروعها الاتحادي وصولا إلى كيانها الوحدوي الذي استطاعت إنجازه مع السنوات الأخيرة من القرن المذكور. وكان أهم ما اتسمت به هذه المسيرة الأوروبية هو أنها ضمت قيادات تاريخية بارزة سواء في المجال العسكري الإداري (الجنرال شارل ديجول من فرنسا) أو المجال الاقتصادي الإنمائي (المستشار كونراد أديناور من ألمانيا) .
فيما كان من مزاياها أنها لم تستغرق جهودا في رفع شعارات حماسية وإنما عمدت إلى انتهاج أسلوب يجمع بين التدرج وتوخي المصالح المادية الاقتصادية المشتركة حيث بدأت بإعلان سياسي (صادر عن شومان وزير خارجية فرنسا) وبعده أنشأت "اتحاد الفحم والحديد" وصولا إلى السوق الأوروبية المشتركة ثم الجماعة الأوروبية التي أنشأت المفوضية والبرلمان الموحد ومحاكم العدل ومحاكم حقوق الإنسان الموحدة.
وهو ما أوصلها مع أواخر القرن العشرين إلى معاهدة "ماستريخت" التي بلورت كيان الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يتعيّن عليه مع سنوات القرن الجديد، أن يواجه عقابيل الأزمة الاقتصادية التي أصابت العالم منذ عام 2008، وتجلت بالذات في أزمة اليورو ثم ما لبثت أن ترجمت نفسها في قضايا ما زالت تواجه الاتحاد، وعلى رأسها بالذات تلك التيارات التي تسود المجتمع البريطاني وتدعو إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي على نحو ما تنشغل به حاليا الدوائر الحاكمة في لندن.
من المعروف تاريخيا في مسيرة تأسيس الاتحاد الأوروبي أن بريطانيا كانت باستمرار الحلقة الأضعف في محور القوى الكبرى المشكلة للاتحاد. فهي، وبخلاف ألمانيا وفرنسا، لم تكن تاريخيا من الداعمين لقيام الاتحاد الأوروبي. وكان مجتمعها منقسما باستمرار بين داعم لهذا التجمع من القوميات والأعراق في القارة العجوز، وبين رافض يروم أن تظل الجزر البريطانية غير المترابطة جغرافيا مع اليابسة الأوراسية، بمنأى عما يحصل وراء "المانش".
وكان حزب المحافظين على رأس القوى المترددة في ولوج النادي الأوروبي من أوسع أبوابه والتي ترغب في التعامل بحذر مع كل خطوة بهذا الاتجاه. كما يضم هذا الحزب في صفوفه جناحا رافضا رفضا مطلقا لانضمام بلد شكسبير إلى المنظومة الأوروبية خشية من ذوبان كيانه في هذا الخليط من الأعراق ذات الثقافات المتنوعة وفقدان مكونات هويته التي طالما ميزته عن شعوب المنطقة ومنحته خصوصية.
ويرى أغلب المنتمين إلى حزب المحافظين في بريطانيا بأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قيد الدول الأعضاء وجعلها أقل حرية في التدخل في عدد مهم من المجالات، وبالتالي ساهم في عدم قدرتها على التحرك والمناورة. ويرغب هؤلاء في اتحاد أكثر مرونة يعطي الصلاحيات الأهم للدول الأعضاء من خلال كونفدرالية تضمن الاختلاف في الآراء بشأن السياسات المتبعة.
تردد البريطانيون في الدخول إلى منطقة اليورو منذ الإعلان عن إنشائها، وازداد يقينهم بصواب توجهاتهم بعد أزمة اليونان والأزمة الاقتصادية التي شهدتها أغلب بلدان منطقة اليورو ولم تنج من تأثيراتها السلبية سوى ألمانيا. وهو ما جعلهم لا يرفضون فقط الانضمام إلى منطقة اليورو، بل يراجعون حتى مسألة استمرار تواجدهم في الاتحاد من عدمها. وتفيد استطلاعات الرأي المجراة بأن أعداد الرافضين لوجود المملكة المتحدة في المنظومة الأوروبية في ازدياد كبير، وهو ما أثار قلق عديد الجهات الرافضة لهذا التوجه المصيري البريطاني القديم- الجديد.
