منذ عشرين عاماً استيقظ أهل "كاراكاس"، عاصمة فنزويلا على أخبار انقلاب قاده ضباط من شباب البلاد ممن اتخذوا قدوتهم في تلك الفترة من زعيم كوبا "فيديل كاسترو" الذي سبق إلى ثورة تسامع بها العالم ولكن قبل الحَدَث الفنزويلي بجيل كامل وبالتحديد قبل ثلاثة وثلاثين عاماً من انقلاب كاراكاس الذي كان مصيره الإحباط فيما كان السجن مصير الضباط الشباب الذين دبروه.

في طليعة هؤلاء الضباط الذين أصبحوا سجناء تردد وقتها اسم ضابط شاب متين البنيان.. وما لبث أن ذاع هذا الاسم في كل أنحاء الدنيا بعد حدوث الانقلاب ببضع عشرة سنة.. وبالتحديد في عام 2006 حين أصبح الضابط المذكور رئيساً بل زعيماً لفنزويلا ويومها ردد العالم الاسم التالي: هوغو شافيز .

الجزيرة المشاغبة

ومنذ ذلك التاريخ أصبح "شافيز" شغلا شاغلا بحق للولايات المتحدة التي كانت مع توليه مقاليد الحكم في بلاده مشغولة بنتائج اجتياح جيوشها أرض الرافدين العربية بعد أن سبق لهذه الجيوش الأميركية أن قادت وتصدرت قوات من المحالفة الأطلسية لغزو أفغانستان خلال الأشهر الأولى من حقبة الرئيس جورج بوش الابن الذي دخل البيت الأبيض في واشنطن زعيماً للحزب الجمهوري الأميركي بشكل عام وتجسيداً لمدى سيطرة وهيمنة فصيل المحافظين الجدد (نيو كونز) على مقاليد السلطة والحكم والإدارة في أميركا التي كان لديها أسباب شتى لمناصبة فنزويلا شافيز كل صنوف العداء. ومن هذه الأسباب ما يلي:

* إن فنزويلا تعد من طليعة الأقطار التي تزود أميركا بكميات لا يستهان بها من البترول، وباعتبار الجارة اللاتينية في طليعة منتجي ومصدّري هذه السلعة الاستراتيجية ضمن منظمة الأقطار المصدّرة للنفط (أوبك) فضلاً عن ميزتها النسبية التي تتمتع بها بحكم القرب الجغرافي للولايات المتحدة وهي ميزة لا جدال فيها بالمقارنة مع سائر المصادر التي تتعامل معها واشنطن في تلبية احتياجاتها من مصادر الطاقة المعقولة السعر، سواء في غرب أفريقيا أو في قلب أميركا الجنوبية أو في الشرق الأوسط.

* إن وصول هل نقول وثوب - شافيز ورفاقه من اليسار الثوري إلى مواقع القيادة والسياسة الفنزويلية جاء وكأنما ليعيد مشاهد سبق لأميركا أن عايشتها بصورة كابوسية كما قد نصفها وتمثلت بداهة في قيام ثورة كوبا بقيادة فيديل كاسترو ورفاقه الذين كان في طليعتهم جيفارا الذي ما زال رمزاً لثقافة الرفض أو العزم على التغيير الثوري على مستوى العالم ..

ويومها 1959 تحولت كوبا إلى جزيرة مشاغبة بل وموقع للتحريض بصورة أو بأخرى على اندفاعة أقطار أميركا اللاتينية بالذات إلى تغيير نظمها التي كان بعضها يدين بقدر لا يخفى لأميركا في الشمال، فيما كان البعض الآخر يرزح تحت وطأة نظم فاشية أو شبه فاشية تجسد تحالفات مصالح الإقطاع القديم أو الرأسمالية المستغلة أو طغيان العسكرية في مناطق الجنوب.

تحدي أميركا

إن نظام شافيز لم يكتف بتغيير الأوضاع والولاءات داخل فنزويلا، بل أعلنت أدبياته وطروحاته السياسية عما يمكن وصفه بأنه محاولة تصدير دعاوى التغيير الانقلابي أو الثوري إلى حيث تصل إلى أقطار أخرى في القارة الأميركية الجنوبية وهي دعاوى أثمرت بدرجة أو أخرى في بلدان كان في مقدمتها بوليفيا وهي بدورها بلد منتج للنفط الخام وقد آلت أمورها إلى زعيم ينتمي إلى أهل البلاد من شعوب السكان الأصليين (الهنود الأميركيين كما يسمونهم أحياناً) هو الرئيس إيفو موراليس.

في إطار الاحتفالات التي أقيمت في كاراكاس بمناسبة فوز شافيز نفسه بفترة ولاية ثانية قوامها ست سنوات. يومها أدرك المراقبون مدى شعور الرجل بخطورة المرض ومدى ما أصبح يعانيه من اعتلال الصحة رغم أنه لم يجاوز الثامنة والخمسين من العمر.

أما النائب المختار المفوض حالياً في إدارة شؤون البلاد فهو نيكولاس مادورو الذي طالما شغل منصب وزير الخارجية ويعد من أخلص قيادات الدولة لرئيسها ولدرجة أن كان يخطب في أحد أيام ديسمبر الماضي واسترسل على طريقة رئيسه رافعاً عقيدته في قسم الولاء للثورة وزعيمها .. وفي هجوم بالغ المرارة على معارضيه ومعارضيها إلى درجة أن بحّ صوته من فرط الانفعال وهنالك بادلته الجماهير بتحية رددت فيها اسمه فإذا به يصمت برهة ثم يعاود هتافه باسم "شافيز" عدة مرات خلال مكبرات الصوت التي دوت أصداؤها في جنبات الميدان.

لهذا يعلق المحللون، ومنهم الكاتب الأميركي ويليان نيومان الذي كتب يقول:

- هناك درس واحد تعلّمه مادورو ولا شك خلال سنوات خدمته التي أمضاها إلى جوار شافيز. وهذا الدرس هو: لا تحاول يوماً أن تسرق الأضواء من رئيسك" .. «نيويورك تايمز»، 23/12/2012).

من سائق إلى وزير

المهم أن هؤلاء المحللين يرون نيكولاس مادورو خلفاً لرئيسه الذي لا يزال يخوض ضد المرض العضال ما وصفه الرئيس الفنزويلي نفسه قائلا: "إنها معركة من أجل الموت أو الحياة"، وهي مقولة تزداد شراسة بفعل ما استجد مؤخراً من مضاعفات الالتهاب الرئوي.

إن نائب رئيس فنزويلا أو رئيسها المرتقب وهو أيضاً وزير خارجيتها على مدار سنوات.. صعد من القاع كما قد نقول بدأ مادورو حياته سائقاً للسيارة.. وبعدها أصبح من قيادات اتحاد عمال النقل في بلاده التي سبق وأن فارقها في مرحلة الشباب بعد أن حصل على الثانوية العامة وسافر أيامها إلى كوبا كاسترو لاستكمال تدريبه في مجالات العمل السياسي وأساليب القيادة العمالية والنشاط الجماهيري ليعود بعدها قيادياً ناشطاً في الحركة الشعبية التي قادها شافيز ووصل على متنها النضالي إلى رئاسة البلاد.

المهم أن المشهد السياسي في الدولة اللاتينية والنفطية أيضاً لا يزال حافلاً بشتى الاحتمالات، ولا يزال مشحوناً بتساؤلات عديدة أقرب إلى المراهنات المطروحة للمضاربة في بورصة السياسة القائمة على صعيد نصف الكرة الغربي، أولا بحكم أهمية فنزويلا النفطية كما أسلفنا بالنسبة لواشنطن، وثانياً بحكم ما هو متوقع من تبدلات في ذلك المشهد السياسي الفنزويلي بشكل خاص والأميركي اللاتيني بشكل عام .. خاصة وأن مرض هوغو شافيز يتوازى معه بالطبع مرض الزعيم الكوبي المخضرم فيديل كاسترو.

قال المحلل الإنجليزي

وقد بلغ من ارتباك أو تعقيد هذا المشهد السياسي في دول أميركا اللاتينية وخاصة نٌظمها التي ترفع شعارات الثورة ومعها شعارات معارضة للولايات المتحدة على أصعدة مختلفة الدرجة التي دفعت الكاتب الإنجليزية جوناثان واتس إلى أن ينشر في ديسمبر الماضي تحليلا لما يدور حاليا في فنزويلا يقول فيه تحت عنوان "سرطان شافيز يثير المخاوف بشأن خلافته":

- إن ما وصفه الرئيس الفنزويلي شافيز بأنه معركة موت أو حياة ما زال يشكل أمراً يتسم بمزيج يجمع بين الشجاعة الثابتة والعواطف الملتهبة والمشاعر المكتومة فضلاً عن بعض الانعطافات التي كان من بينها تصورات طرحها شافيز نفسه بأن تكون وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد ابتكرت نوعاً ما من التكنولوجيا الكفيلة بنشر السرطان باعتبار أن العديد من زعماء اليسار في أميركا اللاتينية أصيبوا بهذا المرض. (الغارديان البريطانية في 14/12/2012).

مع هذا كله فقد ظل شافيز مصدراً للعديد من المفاجآت: فقد استرعى الاهتمام وربما التعاطف العميق عندما ألقى خطاباً متلفزاً في شهر أبريل الماضي. وفي سياق هذا الحديث وجّه خطاباً دامعاً يناشد فيه الله عز وجل أن ينقذه من مرض أصابه. وبعدها توالت التخمينات التي وصلت إلى القول بأن الرئيس الفنزويلي ليس أمامه سوى سنتين من العمر بسبب الداء الوبيل.

وفي شهر مايو أدلى الإعلامي الأميركي المخضرم دان راذر بتصريح ألمح فيه إلى أن الرئيس شافيز قد وصل حسب تعبير راذر إلى حافة مسرح الحياة" وكان طبيعياً أن يسارع مساعدو شافيز إلى تكذيب هذا كله واتهام مصادره بأنها تنهج سلوكاً غير أخلاقي فيما تبثه من معلومات.

مع ذلك فمن ناحيته فاجأ شافيز كل منتقديه في مستهل معركة إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية بأن سار على قدميه إلى مركز تسجيل الناخبين كي يدون اسمه كمرشح في هذا المضمار. ويومها أدلى بتصريحات قال فيها إنه لو كان أطباء كوبا قد وجدوا خطورة على حياته خلال تشخيصهم للمرض .. فما كان ليقدم أصلاً على إعادة الترشيح.

بعدها أيضا، وعلى مدار أسابيع عديدة واصل الرجل الظهور في مناسبات عديدة وإلقاء خطابات كثيرة معبراً في ذلك عن حمية ونشاط وقدر كان ملحوظاً من العافية الجثمانية وخاصة لدى التقائه بجموع الجماهير التي كانت تتطلع عبر تلك الفترة إلى أن تجدد ولاءها للرجل الذي اختارته زعيماً.. وخاصة بعد أن استطاعت حكومته تحقيق العديد من المكتسبات بفضل سياساته الشعبوية لصالح أوسع قطاعات هذه الجماهير.

آراء المنتقدين

على الطرف الآخر من هذه المعادلة، الفنزويلية يتجمع ناقدو شافيز، ومنهم من يذهب إلى حد القول بأن مرض شافيز يجري استخدامه، بالأدق استغلاله، بوصفه سلاحا سياسيا على نحو ما يوضح الكاتب الإنجليزي جوناثان واتس الذي ألمحنا إليها فيما سبق من سطور. ومن هؤلاء المنتقدين السياسيين من يشير إلى عزوف شافيز ومساعديه عن نشر التقارير الطبية عن تفاصيل مرض رئيسهم.

ويضيفون أن هذا الكتمان يجعل من المرض تكئة يتعلل بها أهل الحكم في فنزويلا كي يشغلوا بها المحكومين بعيدا عن القضايا الأخطر التي ينبغي لها أن تظل في بؤرة الاهتمام. ومن أنماط الانتقاد أيضاً ما يثيره من أميركا هذه المرة البروفيسور خافييه كوراليس أستاذ العلوم السياسية في جامعة "أمهرست" بالولايات المتحدة ويبدو طبعاً من اسمه أنه من أصل هسباني على نحو ما يوصف به أبناء أميركا الجنوبية المقيمين بالولايات المتحدة:

- إن أكبر اختبار يتعين على نظام الرئيس شافيز أن يجتازه في المرحلة الحالية إنما يتعلق بقدرة هذا النظام على الصمود أو الاستمرار (في ضوء ما تواتر من معلومات عن إصابة شافيز بالمرض الخطير فضلاً عما يتردد من استفحال أو انتشار هذا المرض رغم جهود العلاج على يد الأطباء الكوبيين حيث الطب متقدم بحق وبشهادة الدوائر الطبية في الولايات المتحدة ذاتها).

نجاحات النائب

يضيف البروفيسور كوراليس قائلاً: إن شافيز لم يعمل قط على إعداد حزبه، فضلاً عن إعداد الأمة بأسرها، لوجود مسؤول آخر يخلفه في رئاسة فنزويلا.. بل إن قيادات جبهة الحكم ذاتها لم يتم التمهيد لهم في هذا الخصوص.

وهنا نلاحظ من جانبنا أن هذا الانتقاد جاء سابقاً على شهر أكتوبر الماضي، أي على اختيار وزير الخارجية القيادي والناشط العمالي السابق، سائق السيارات الأسبق لقيادة فنزويلا في حال أن تحدث في الأمور.. أمور كما يقولون.

والحق أنه مع استقرار شافيز على هذا الاختيار تكون قد اكتملت رؤيته لدى العديد من متابعي مجريات الأمور في ذلك البلد من الجزء القصيّ من العالم تفيد بأن زعيم فنزويلا بدأ يشعر بأهمية إسناد مسؤوليات جسام إلى غيره.. ذلك أمر لا يخلو بدوره من منافسين. ورغم حكاية سائق التاكسي الذي أصبح وزيراً للخارجية.

فما زال بإمكان نائب شافيز أو خليفته المنتظر أن يتقدم إلى أهل فنزويلا بسجل من الإنجازات التي حققها خلال توليه حقيبة الخارجية وليس أقلها كما تعترف النيويورك تايمز نجاحه في إخراج فنزويلا من الدوران في فلك الولايات المتحدة وقدرته على تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين بل وتدعيم مكانة فنزويلا على صعيد قارة أميركا اللاتينية بشكل عام.

 

 

نائب الرئيس

 

من الطريف أن الرئيس الفنزويلي لم ير في ارتقاء زميله نيكولاس مادورو إلى منصب وزير الخارجية ناهيك عن موقع نائب رئيس الجمهورية أي غضاضة أو تثريب، ولا عمد الرجل إلى إخفاء أو تزويق سيرة الوزير الجديد، الذي لم يحصل على تعليم جامعي، وإنما فوجئ الناس في أكتوبر الماضي باختيار شافيز له في موقع النائب، وأكثر ما باغتهم تعليق شافيز نفسه قائلاً في غمز من قناة الذين يعمدون للتذكير بحكاية سائق السيارات، حيث أشار شافيز إلى مادورو قائلاً: انظروا إلى ما وصل إليه نيكولاس سائق السيارات الذي طالما سخروا منه وتندروا عليه"!

 

عدو أميركا اللدود يحتضر

 

تتركز الأنظار حالياً على فنزويلا. أولاً بوصفها من البلاد المنتجة والمصدرة للنفط وثانياً لأنها تعد في طليعة من يزودون الولايات المتحدة بقدر كبير من احتياجاتها من الطاقة. وثالثاً لأن النظام الحاكم في فنزويلا الذي يقوم على أمره الرئيس هوغو شافيز جاء ليعلن سياسة شعبوية تعتمد على حشد وتأييد الجماهير وتنادي بتوسيع أجندة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية لأوسع قواعد هذه الجماهير وتحاول أن تقتدي في سياساتها العامة بتجربة الرئيس فيديل كاسترو وثورته التي شهدتها كوبا الجارة اللاتينية الكاريبية، منذ نحو 53 عاماً.

وكان طبيعياً في ظل سياسة شافيز وخطاباته والتحولات التي عمد إلى إنجازها في سياسة فنزويلا بعيداً عن الدوران في فلك الولايات المتحدة ونطاق نفوذها أن استطاع نظامه أن يقيم علاقة مع أقطاب من العالم الخارجي وفي مقدمتها كل من روسيا والصين.. وأن يوصّل رسالته ذات العناوين التحررية إلى مناطق شتى من بينها الشرق الأوسط والعالم العربي، فضلا عن النهوض بمكانة فنزويلا وتفعيل دورها الناشط على صعيد قارة أميركا الجنوبية اللاتينية التي ينتمي إليها شعب فنزويلا:

كل هذا أدى إلى زيادة الاهتمام بالمرض الذي أصاب الرئيس شافيز ودفعه إلى التماس العلاج في كوبا.. فضلا عما دفعه، بعد تجديد انتخابه لولاية رئاسية جديدة تبدأ مع مطالع شهر يناير الحالي، إلى اختيار أول نائب لرئيس جمهورية فنزويلا وهو "نيكولاس مادورو" الذي عمل في ظل رئاسة شافيز وزيراً للخارجية وبدأ حياته في مطلع الشباب سائقا للسيارات وبعدها أصبح من قيادات اتحاد العمال في البلاد.

عمد شافيز إلى إعلان تحديه للسياسات الأميركية، لا على مستوى نصف الكرة الغربي وحسب حيث تقع الأميركتان إلى الشمال والجنوب وبينهما بداهة منطقة أميركا الوسطى المطلة على البحر الكاريبي بل توسع شافيز في دعوته، التحريضية كما نصفها، إلى أن وصلت أصداؤها عبر سبل الاتصال وميديا الإعلام إلى أصقاع وتخوم في مختلف قارات العالم ..

 ومنها الشرق الأوسط بشكل عام وأقطار الوطن العربي على نحو خاص. وعلى غرار نهج كاسترو في السابق، اتبع شافيز أسلوب التفاعل المباشر مع أوسع قواعد الجماهير وكأنما كان يحتمي بها في النهج الشعبوي الذي كان يحتذيه حين كان يلقى خطاباته الملتهبة حماساً والمفعمة بالشعارات التي تخاطب هذه الحشود المجتمعة في أكبر ميادين العاصمة كاركاس.

حيث كانت مواهب الزعيم الفنزويلي الكاريزمية تتجلى على شكل نوع فريد من الوصال السياسي بين الرجل والجماهير ولدرجة أن كان شافيز يقطع الخطاب السياسي أحيانا كي يسترسل في "وصلة" غناء كانت تسلم الجماهير المحتشدة إلى حال من النشوة.. السياسية على أقل تقدير.

والمعروف أن أهل أميركا اللاتينية شعوب محبة للحياة، وكأنما اتخذوا شعارا لحياتهم وسلوكياتهم استوحوه من مطلع أغنية قديمة للموسيقار محمد عبد الوهاب يقول: "إنس الدنيا .. وريّح بالك". والمعنى أن القوم لا يتورعون عن إقامة الاحتفالات والكرنفالات والمهرجانات حيث المرح والرقص الشعبي والموسيقى الفولكلورية، .. وخاصة في المناسبات الوطنية والروحية وفي مقدمتها أعياد رأس السنة الميلادية.

لكن أهل فنزويلا لم يقيموا احتفالاتهم التقليدية في عيد رأس السنة الذي وافت مواعيده مع مطلع شهر يناير الحالي. لماذا؟ لأن زعيمهم هوغو شافيز كان غائباً في العاصمة الكوبية هافانا لاستكمال علاج من داء السرطان الذي تقول أوساط شتى، طبية وسياسية بأنه بلغ مرحلة شديدة الدقة من حيث الخطورة والاستفحال. وقد بلغ أمر هذه الخطورة الحد الذي أعلن فيه شافيز في شهر أكتوبر الماضي عن اختيار نائب لرئيس الجمهورية ولأول مرة منذ وصول الرئيس الفنزويلي إلى سدّة الزعامة في البلاد.