انطلاقا من هذا الإنجاز جاء زعيم الصين الجديد ليلقي خطابه الاستهلالي فإذا "الخطبة العذراء" كما يقول المصطلح السياسي الأمريكاني.. لا تستغرق سوي 15 دقيقة لم يستعرض فيها الرجل بطولات ولا صولات أو جولات، ولا انطلق من موقع خيلاء الزعامة وهي موضوعيا زعامة لا يستهان بها في كل حال، لأنها ترسم من مواقع القمة مصائر ما يقرب من مليار نسمة.
اتجاهات المرحلة
من هنا جاء منهج تحليل المضمون الذي استخدمه المراقبون السياسيون في تناول خطاب الزعيم الصيني المستجد ليطرح الخطوط والاتجاهات الرئيسية التالية:
.. إن مرحلة التنمية المقبلة في خطط الصين سوف تركز علي المواطن الصيني العادي أو فلنقل الإنسان الفقير البسيط في ربوع الصين، وخاصة في الأرياف والبوادي وبراري السواحل النائية.
.. إن هذا التركيز جدير بأن يواكب الحرص في المرحلة المقبلة علي التقاط بعض الأنفاس وبمعني إلقاء نظرة ولو محدودة من أجل إضفاء لمسة من راحة أو فلنقل قدر من رفاه علي حياة أهل الصين، بما ييسر لهم شيئا من الاستجمام بعد طول عناء ظلوا يبذلونه في عنابر المصانع ومواقع الإنتاج وهم يكدحون جهدا وعرقا وربما بغير إجازات من أجل أن يحققوا كما شهدت بذلك دوائر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي معدلا مرموقا في النمو يحوم حول العشرة في المائة سنوياً.
مفهوم "السعادة"
وربما كان زعيم الصين الجديد يلمح إلي اعتماد مفهوم جديد ما برح يشق طريقه في تعريف جهود خطط التنمية القومية في ربوع جنوب شرقي آسيا.. وهو مفهوم يتلخص في كلمة واحدة مفعمة بالمعاني الإيجابية وهي" السعادة".
هنالك تمتزج أهداف التنمية من جوانبها الاقتصادية المادية ومن حيث ارتباطها بارتفاع معدلات الإنتاج من السلع سواء تلك الموجهة نحو التصدير، أو تلك التي تقصد إلي إشباع الاحتياجات الأساسية لعامة السكان إلي حيث تعبر التنمية، بكل مقاصدها وثمارها وفلسفتها، ذلك الحاجز المادي كي تستشرف آفاقا أكثر طموحا وربما أرقي نوعية وأبعد غاية، وإلي حيث تستهدف التحول من مجرد تلبية الاحتياجات المادية إلي تزويد الفرد بشعور أقرب إلي الرضا راحة البال كما قد نسميه- وهو شعور الارتياح إلي ما تحقق من إنجاز ولكن مع العمل علي تجسيد أو تفعيل هذه المشاعر النفسية غير المادية بحكم التعريف- إلي أنماط وسلوكيات تتوجه نحو جوانب أساسية أخري من حياة الإنسان بوصفه جسدا وروحا في آن معاً، وهي جوانب الإبداع الفني في مجالات الموسيقي والفن التشكيلي فضلا عن فنون الشعر والرواية ثم الرياضة البدنية والأنشطة الترويحية.
وكأن الصين بهذا تكافئ نفسها نظير ما جهدت في تحقيقه من إنجازات الاقتصاد والإنتاج ومن ثم فهي تعانق مفهوم "السعادة" الذي ألمحنا إليه، وهو مفهوم مستقي من فلسفة أساليب الحياة عند شعوب شرق آسيا بكل ما صدرت عنها من أفكار وطروحات وعقائد وفلسفات.
بساطة البروتوكول
وبصرف النظر عن هذه الجوانب الفلسفية- النفسية والروحية، فالظاهرة التي مازال يحمدها مراقبو الشأن الصيني تجسدت مؤخرا في تلك البساطة التي أحاطت بواقع ومشاهد انتقال السلطة رقم واحد في العاصمة بيجين، من رئيس وزعيم سابق إلي رئيس وزعيم جديد، وبمعني أن هذه المشاهد حفلت بمراسيم اقتصرت أو كادت علي خطبة السابق وخطبة أخري للمستجد لم تستغرق، كما أسلفنا سوي ربع ساعة ليس إلا من عمر بلد أسيوي.. عند تاريخه الحضاري الثقافي آلافا عديدة من السنين.
لكن ورغم أن هذه البساطة البروتوكولية كانت محل إعجاب بصورة أو بأخري بفضل خلوّها بداهة من مظاهر البهرجة الاحتفالية التي تضيّع وقتا ولا تخلف ثمارا ولا حصادا، إلا أن التحليل الموضوعي لا يمكن أن يتغاضى عن حقيقة بديهية بدورها وتتمثل في أنها كانت مراسيم تسليم وتسلّم تمت في إطار ما يسمي بأعراف "الديمقراطية.. المركزية" بمعني أن تمّت داخل الإطار المحدد والمحدود بحكم التعريف أيضاً- للمستوي الأعلى من قيادة الحزب الشيوعي الصيني بوصفه الحزب الوحيد- الأوحد بالأحرى الذي ما برح يحكم الصين منذ تفجّر ثورتها التاريخية في عام 1949.
ولأن البشر ليسوا ملائكة فقد كان من شأن بقاء الحزب في حكم الصين علي امتداد هذه الحقبة الطويلة من عمر الزمن المعاصر أن أفرز الأمراض السياسية والتنظيمية وأيضا السلوكية التي تنجم عن احتكار السلطة والنفوذ وصناعة القرار خلال تلك السنوات الثلاث والستين.
آفة احتكار السلطة
علي رأس هذه الأمراض تشكو الصين موضوعيا من آفة تلخصها بدورها كلمة واحدة مرتبطة بظاهرة احتكار السلطة في أيدي القلة المحظوظة من قيادات الحزب الشيوعي الحاكم "أوليغاركية" الحزب كما يمكن وصفها. أما الكلمة فهي: الفساد
وهو الآفة التي مازالت متفشية في آلة الحكم وفي أوساط الطبقة الحاكمة علي امتداد ربوع الصين واتساع أرجائها.
ولأن القضية في جوهرها هي قضية احتكار للنفوذ فهي في أساسها أيضا قضية استئثار بالمغانم والإمكانات لصالح قلة وعلي حساب أغلبية تقدر طبعا بمئات الملايين من الناس.
من هنا نستطيع أن نرصد، من موقع التحليل السياسي، اهتمام القيادة الصينية الجديدة بقضية باتت تتصدر أجندة العمل الوطني هناك.. وتلخصها العبارة التالية: إعادة التوازن إلي الاقتصاد.
والمعني هو إدراكهم، وبحق، أن قاطرة الاقتصاد الصيني ظلت تندفع علي مدار السنوات السابقة لبلوغ محطات تحمل لافتات الاعتماد علي إنتاج السلع وتوظيف الاستثمارات والتوسع المطرد، في عمليات التصدير بغير هوادة في بعض الأحيان.
الطبقة الوسطي
والحاصل أن دارسي الاقتصاد الصيني يتهيأون حاليا لرصد ظاهرة مستجدة بدورها علي تلك الساحة الآسيوية المحورية. وهي تتمثل في نشوء طبقة وسطي في المجتمع الصيني طبقة من الذين تعلموا وتدربوا وانفتحوا بفضل هذا التعليم والتدريب علي ما تموج به أرجاء عالم القرن الواحد والعشرين من تيارات ودعوات وابتكارات ومتغيرات: صحيح أن الصين.. بفضل ما تم إنجازه في الحقبة الأخيرة- قد تكون محمية، ولو مرحلياً، من أن تنتقل إليها ظواهر التغيير الثوري أو عدوي الاحتجاجات الفئوية أو الجماهيرية.. سواء علي نحو ما عرفته أقطار شرق أوروبا من تغييرات عاصفة أطاحت بنظم الحزب الواحد وحكم الأيديولوجية الواحدة (الماركسية الشيوعية- الاشتراكية وما في حكمها) وخاصة بعد انهيار سور برلين الشهير في صيف عام 1989، وصحيح أيضا أن الصين مازالت بمنأى عما لاتزال تشهده أوروبا الغربية من عواصف الاحتجاجات الشارعية ضد مخططات التقشف وتخفيض بنود الميزانيات الوطنية المخصصة لصالح أوسع فئات وأفقر طبقات شعوب غرب أوروبا علي نحو ما يحدث في أقطار مثل اليونان أو أسبانيا أو البرتغال أو حتي في بريطانيا ذاتها.
لكن نضوج، ومن ثم نفوذ طبقة وسطي- حتي لا نقول طبقة بورجوازية- في الصين مازال أمرا محتوماً، وهي طبقة تغلب عليها عناصر العلم والتعلم والوعي وإجادة اللغات الأجنبية والانفتاح علي، والتواصل مع، روح العصر. ومعظم أفرادها وشرائحها وقيادات الصفوة من بينها يسكنون المدن ومن ثم يتمتعون بتأثير لا ينكر في تشكيل اتجاهات الرأي العام.
التفاؤل والصبر
من هنا فليس من المتوقع من خلال القراءة المتأنية للواقع الراهن في صين- "تشي غينبنغ" أن يتعرض البلد الآسيوي الكبير لعواصف سياسية أو أعاصير احتجاجية، علي الأقل خلال حقبة المستقبل القريب أو المنظور.. وهو ما يلخصه البروفيسور "بروس ويكنسون" أستاذ العلوم السياسية في جامعة "جورج واشنطن" بالولايات المتحدة في كتاب سبق إلي إصداره عن الصين ومستقبلها- في عبارة موجزة وبالغة الدلالة يقول فيها:
- إن نمو معدلات الرخاء- وانتشار روح من التفاؤل.. والتذرع بالصبر إزاء (ما هو مطلوب) من التغيير السياسي- كل هذا لا يشكل وصفةً تدعو إلي توقع اندلاع ثورة في ربوع الصين.
وعندنا إن أهم ميزات الصين هو تميزها بذلك القدر من الصبر الذي لا يكاد ينفد من أجل تحقيق ما تصبو إليه من أهداف. صحيح أنها عاشت وعانت مراحل زمنية بالغة القسوة من العزلة ومن التخلف ومن الاحتلال الأجنبي والصراعات الداخلية وخاصة في ظل نظم الحكم الإقطاعية التي سبقت النصف الثاني من القرن العشرين- لكن الأصح أن صين- القرن الجديد مازالت تمارس لعبة الصبر- التاريخي أو القومي أو السياسي أو حتي التنموي- وإن كانت تمارسها وهي تجمع في مسيرتها أو في اندفاعتها بين عناصر التخطيط والتنفيذ والتقييم والتطلع إلي آفاق المستقبل.
يعلق الخبير الإقتصادي الإنجليزي "مارتن اك" علي هذا الأسلوب الفريد بل الصبور والوئيد من تعامل الصين مع عنصر الزمن: يستعيد الحوار الطريف الذي دار منذ 40 عاما في العاصمة بيجين بين "هنري كيسنجر" وكان وزير خارجية أمريكاو"شوين لاي" وكان رئيس وزراء الصين.
كيسنجر سأل مضيفه الصيني وكان رجلا مثقفا بحق:
- ماهي رؤيتكم لثورة فرنسا(1789)؟
رد شوين لاي قائلاً:
- مازال من المبكر أن تكون لنا رؤية في هذا الخصوص!
من هو غينتاو إلى تشي غينبنغ
في منتصف نوفمبر أثار اهتمام، بل وإعجاب، العالم مشهد البساطة في مراسيم وتسلم السلطة الأولى في الصين- البلد الآسيوي الكبير الذي احتفل بتولي القيادة رقم واحد في حكومته زعيم جديد هو "تشي غينبنغ" الذي تسلّم مقاليد الأمور في الحزب الشيوعي الحاكم في البلاد بعد الزعيم "هو غينتاو" الذي قاد الصين باقتدار مشهود على مدار السنوات العشر السابقة، واستطاع أن يقفز بها من موضع القوة الاقتصادية السادسة في العالم، إلى حيث تبوأت مكانة القوة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية وهو ما تم تحقيقه بفضل ما تحقق في خطط الصين الإنمائية من معدلات مرموقة وصلت إلى نسبة عشرة في المئة سنوياً.
ولوحظ أيضا أن خطاب الزعيم الجديد، الذي اختاره الحزب الحاكم، لم يستغرق أكثر من 15 دقيقة أشار فيها إلى أهمية استمرار مسيرة النمو الاقتصادي، وإن كان المراقبون قد اهتموا بما أصبح يسود من تيارات وتوجهات راهنة على مستوى الزعيم الجديد والقيادة الصينية الحالية تنحو في معظمها إلى تحقيق ما يوصف بأنه "إعادة التوازن" بين اقتصاد تحقيق الإنتاج المادي من سلع وأدوات وآلات لزوم التصدير، وبين اقتصاد من شأنه تحقيق "السعادة" باعتبارها هدفا باتت تقول به مدارس ومذاهب التنمية في أصقاع جنوب شرقي آسيا، وبمعني تحقيق التوازن بين إشباع الاحتياجات الأساسية- المادية بالضرورة لجموع المواطنين، وبين تلبية أشواق البشر من هذه الجموع إلى متعة الفن وثقافة الفكر وخاصة مع نمو الطبقة الوسطى.
علي خلاف الخطابات الصافية التي تعوّدت عليها الجماهير العربية من زعمائها، وبعض هذه الخطابات تحولت في الآونة الأخيرة إلى مجرد خطب منبرية حافلة بصنوف الحِكم وضروب المواعظ التي لا تكاد تسمن ولا تغني في حل مشكلات هذه الجماهير، علي خلاف هذا كله.. فوجئ المحللون السياسيون، وربما فوجئت جماهير غفيرة في الصين هذه المرة- بأول خطاب عام يلقيه زعيم الصين الجديد "تشي غينبنغ" الذي تولى عند منتصف نوفمبر الحالي مقاليد الحكم في ذلك البلد الآسيوي الكبير.
وربما كان من حظوظ السيد "غينبنغ" رغم الصعوبة في تناول وتداول اسمه نطقا وكتابة أن جاء بعد زعيم الصين السابق "هو غينتاو" الذي قاد بلاده على مدار سنوات العقد العشري الأخير حيث ظل الرجلان يمثلان جيلا مستجدا تماما في مصفوفة الزعامات الصينية.. وبمعنى جيل ينتمي أولا إلى حقبة الشباب- ولو نسبياً.. ثم أنه جيل استوعب تماما تعاليم الزعيم- الجّد كما قد نسميه وهو "دنغ هيساو بنغ" وخاصة ما يتعلق باعتماد نزعة انفتاح الصين علي عالمها وهو (في حالة غينتاو السابق وغينبنغ الحالي) عالم القرن الحادي والعشرين.. وخاصة المرحلة الاستهلالية التي قادها "غينتاو" وباقتدار ولدرجة أن استطاع أن ينقل بلاده من موقع القوة الاقتصادية الخامسة أو السادسة في العالم إلي موقع القوة الثانية في مضمار التحول الاقتصادي والإنجاز الإنتاجي بعد الولايات المتحدة الأميركية وبشهادة المراجع الأميركية بالدرجة الأولى.
لقد كنا نسمع دائما أن الأنظمة الشيوعية الحاكمة مستبدة وشمولية ولا تعمل لصالح أوطانها ولا تراعي حقوق شعوبها، هكذا كان الغرب يقول لنا، وهو نفسه الغرب الذي ذهب يحتضن النظام الشيوعي الصيني في السبعينات من القرن الماضي بسياسات الداهية الأميركي المستشار هنرى كيسنجر صاحب سياسة احتواء العملاق الأصفر، وها نحن نرى الشيوعية تنجب زعامات تبني بالفعل وليس بالكلام أوطانها وترفع مستوى معيشة شعوبها، وتتقدم للصف الأول في مصاف الدول الاقتصادية الكبرى.
